مهرجان الموضة «المحتشمة»... «أهل مكة أدرى بشعابها»

ثلاث شابات مسلمات يحولن الصورة النمطية لـ«المحجبة» إلى أناقة وتميز

من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي
من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي
TT

مهرجان الموضة «المحتشمة»... «أهل مكة أدرى بشعابها»

من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي
من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي

لا يمكن ونحن نتصفح أي مجلة عالمية، أو نتابع أي عرض أزياء هذه الأيام، ألا نلمح تأثيراً من تأثيرات الشرق الأوسط فيها. فالفساتين اكتسبت طولاً، كذلك الأكمام، بينما ارتفعت الياقات لتعانق الرقبة. بل حتى الرأس أصبحت له إكسسواراته المبتكرة التي تتراوح ما بين الإيشاربات المتنوعة وطرق ربطها والعمامات.
القول إن الظاهرة جاءت كردة فعل لسياسات وآراء دونالد ترمب، أو تنامي النزعة الشعبوية في العالم، يمكن أن يكون فيه جانب من المبالغة والخطأ. فلو تتبعنا بذور هذه الموجة لوجدنا أنها بدأت منذ أكثر من عقد من الزمن تقريباً. كان المخضرم كارل لاغرفيلد، مصمم داري «شانيل» و«فندي» من بين أوائل من تنبهوا لها وغذوها، حينها فسر تشكيلة وصفها البعض بالمحافظة جداً نظراً لأكمامها الطويلة وياقاتها العالية وتنوراتها التي تغطي نصف الساق، بأنها مواكبة لتغيرات العصر. وأشار حينها إلى أن المصمم «ابن بيئته وعصره»، يجب أن يكون منصتاً جيداً لما يدور حوله من أمور سياسية واجتماعية وثقافية يترجمها بطريقته. مرت السنوات واتضحت الصورة أكثر بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وصور شابات من المنطقة العربية بملابسهن المحتشمة وإكسسواراتهن غالية الثمن. صورة اكتسبت قوةً ووهجاً في الآونة الأخيرة. فبعد أن كان الغرب يعتبرها مملة و«قديمة» أصبح لا يتقبلها فحسب بل ويستحْليها ويستنسخها. وهكذا بعد أن كان يُملي توجهاته واقتراحاته على هذه المرأة، ويتوقع أن تتقبلها كما هي، بات يتودد لها بلغتها، لكن بلكنته ومفرداته المكسرة. الدليل على هذا أن العديد من بيوت الأزياء العالمية ركبت الموجة، بدءاً من «فالنتينو» و«غوتشي» إلى «شانيل» و«بيربري» و«دولتشي أند غابانا» و«كارولينا هيريرا» وهلم جرا. وحتى من لم يركبها علانية اعتمد على أسلوب الطبقات المتعددة لكي يضرب عصفورين بحجر. بالأول يُبقي على ولاء زبونات غربيات يرين في كشف المستور أنوثة، وبالثاني يستقطب زبونات الشرق الأوسط ممن يُردن ستر المكشوف.
فمن كان يتصور منذ عقد من الزمن أن تتصدر صور محجبات أغلفة مجلات براقة وعالمية؟ ومن كان يتصور أن يحتضن أسبوع نيويورك بالذات عرض أزياء خاص بالأزياء الإسلامية لمرتين على التوالي؟ ومن كان يخطر بباله أن تصبح فتاة محجبة (حليمة عدن) واحدة من أهم العارضات في الساحة على الإطلاق؟ كل هذا أصبح واقعاً ملموساً. والمثلج للصدر أكثر أن العملية لم تبق رهينة مصممين غربيين، عشقوا سحر الشرق أو آخرين يرونه سوقاً خصبة لجني الأرباح. فقد تسلم مصممون عرب وشرق آسيويون مبادرة القيام بحملة موازية ولسان حالهم يقول: «نحن نفهم الحشمة أكثر منكم ولا نتعامل معها بلغة دخيلة علينا». فالحشمة بالنسبة لهؤلاء هوية وثقافة تتعدى طول الأكمام والتنورات. هذه المبادرة أخذت عدة أشكال. فهناك مثلاً موقع «ذي موديست دوت كوم» (The Modist.com) الذي انطلق في دبي منذ فترة قصيرة، وحقق نجاحاً لا يستهان به. يعتمد أساساً على إطلالات تناسب ذوق امرأة شرقية، وتُراعي بيئتها وثقافتها. فرغم أنه يعرض أعمال مصممين عالميين إلى جانب محليين، فإن قوته تكمن في تنسيقه هذه التصاميم بأسلوب «محتشم» وصورة أنيقة راوغت الغرب طويلاً، ليؤكد الموقع والمشرفون عليه بأن «أهل مكة أدرى بشعابها».
من الأساليب الأخرى، عروض أزياء تركز على الأزياء المحافظة من الرأس إلى أخمص القدمين. بالنسبة لمُنظميها، فإن الحلول الوسطى وأي محاولة للعب على مفهوم الحشمة غير مطروح لأنه مجرد مراوغة. فالموضة المحتشمة لا تتعارض لا مع الأناقة، ولا مع الذوق العام، عندما يتم التعامل معها بشكل صحي ومن منظور واقعي. وهذا تحديداً ما عاشته العاصمة البريطانية يوم السبت في فندق «غروفنر هاوس» وسط لندن، من خلال حفل كبير شارك فيه ما لا يقل عن سبعة مصممين. كان دافعهم هو إثبات وجودهم وقدراتهم، وبشكل مباشر التأكيد أن سوقهم مهم. هؤلاء المصممون هم بُثنية وأمل الرايسي من عمان ومريم بوسيكوك من المغرب ورايشما من بريطانيا، وأخيراً وليس آخراً الثلاثي ميرا إندريا وفيفي زوبيدي وهانغي كاويلارانغ من إندونيسيا.
الفعالية التي تعتبر الأولى من نوعها في العاصمة البريطانية، وتمت تحت اسم «The Modest Fashion Festival» من بنات أفكار الدكتورة فاهرين مير، ومحامية حقوق الإنسان سلطانة تافادار والمحامية مروة باختيري. ثلاث شابات مسلمات وناجحات في مجالاتهن قررن أن يضعن حداً لتلك النظرة الدونية والصورة النمطية السائدة في العالم عن المرأة المحجبة أو المحافظة. تُؤكدن أن مبادرتهن ليست تحدياً للغرب بقدر ما هي «تصحيح لصورة نمطية ترسخت في ذهنه طويلاً عن المرأة المحجبة». فحتى عهد قريب كان ينظر إليها، بعباءتها أو جلابيتها الطويلة، على أنها تابعة وغير مواكبة لعصرها، بينما هي في الواقع إما سيدة أعمال ناجحة أو طبيبة أو محامية أو معلمة أو ربة بيت. والأهم من هذا هي امرأة تعشق الموضة، وتريد أن تستمتع بها بأسلوب يتوافق مع هويتها من دون إملاءات الغير. وتأمل كل من فارهين وسلطانة ومروة أن تُرسخ الفعالية هذه الفكرة وتُسلط الأضواء على موضة توارثتها المرأة المسلمة، وتمثل لها ثقافة بأكملها. بيد أنهن يؤكدن أن هذه «الموضة بكل ما تحمله في تفصيلها وتفاصيلها لا تقتصر على دين أو هوية ثقافية معينة، بل يمكن لأي أحد أن يتبناها لأنها تتضمن جماليات كثيرة».
وهذا ما نجح في تأكيده مهرجان «الموضة المحتشمة» يوم السبت الماضي، إضافة إلى احتفاله بنساء قويات وناجحات في مجالات عديدة اخترن الحجاب أسلوباً خاصاً بهن، ولا يرينه يتعارض مع حياتهن. فأغلب الحاضرات كن في أجمل حلة بطرحاتهن وعماماتهن وفساتينهن الطويلة. أما بالنسبة للمصممين الذين قدموا من أماكن متعددة، فكان مناسبة لاستعراض قدراتهم على منبر عالمي.
تقول المصممة العمانية أمل الرايسي إن المهرجان «أتاح فرصة للمصممين العرب لوضع أقدامهم في الغرب، خصوصاً أن (الموضة المحتشمة) تشهد رواجاً عالمياً في الوقت الحالي ما يمنحنا، كمصممين عرب، فرصة أكبر للإبداع وإبراز قدراتنا».
ولم تخيب الرايسي، ولا أي من المصممين المشاركين، الآمال. بل العكس نجح كل منهم في رسم صورة مفعمة بالأناقة لامرأة شرقية قوية لا تقبل أن تتنازل لا عن أناقتها ولا عن هويتها وأسلوبها الخاص. امرأة لم تهدأ إلا بعد أن نجحت في فرض أسلوبها على الساحة العالمية. المصممة المغربية مريم بوسيكوك التي شاركت في الفعالية بمجموعة من القفاطين الفخمة، بيع واحد منها في مزاد ذهب ريعه لصالح أطفال سوريا، علقت أن المناسبة مهمة جداً لأنها منبر عالمي يُعرف العالم أيضاً بـ«المهارات اليدوية والحرفية التي تتمتع بها منطقتنا. وهي مهارات يتوارثها الصناع أباً عن جدٍ». الحرفية التي تقصدها مريم تجسدت في مجموعة قفاطين تستحضر ليالي ألف ليلة وليلة بتطريزاتها الغنية وألوانها الصارخة. وتشرح بوسيكوك أن تصاميمها لا تُجسد الحشمة والفخامة فحسب، بل تحافظ أيضاً على الخطوط التقليدية لهذه القطعة العريقة. تشرح: «أنا لست مع تطوير القفطان بشكل مبالغ فيه لكي أساير العصر، أو أكسب ود زبونات صغيرات السن، بل أريد أن أحافظ على أصالته، من حيث طوله وكل تفاصيلها. والطريف أنني من خلال احتكاكي بزبوناتي اكتشفت أن حتى صغيرات السن منهن يُفضلن حالياً قفاطين تقليدية. فرغم أنه بإمكانهن ارتداء فساتين سهرة من أي مصمم عالمي، فإنهن يخترن القفطان لأنه أكثر تميزاً وأناقة».
اللافت أن الفعالية خلفت ردود فعل إيجابية على كل المستويات، لا سيما أن جزءاً مهماً منها كان عبارة عن مزاد لصالح أطفال سوريا. نجاحها مؤشر بأنها مجرد البداية، وبأن لندن ستحتضن هذه الفعالية لسنوات.

> بحسب تقرير الاقتصاد الإسلامي العالمي، الذي أعدته وكالة «رويترز»، بالتعاون مع «دينار ستاندرد»، فإن المسلمين قوة شرائية مهمة، حيث أنفقوا ما يقدر بنحو 243 مليار دولار على الأزياء في عام 2015، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 368 مليار دولار في عام 2021. أي بزيادة قدرها 51 في المائة عن عام 2015.

> لا يختلف اثنان أن الغرب أكثر من استفاد من ثقافة الشرق. فقد غرف من فنونها وألوانها الشيء الكثير. بعضهم شغفاً بها، وأغلبهم من مستشرقي القرن الماضي مثل بول بواريه وإيف سان لوران، وبعضهم الآخر رغبة في كسب وده وتجارته. الفئة الأخيرة بدأت تُخاطب الزبون الشرقي بلغته، لكن مشكلتها أنها لم تنجح أن تضيف أي جديد على ما يقدمه المصممون المحليون منذ عقود. وليس أدل على هذا من مجموعة العباءات التي خص بها الثنائي الإيطالي «دولتشي أند غابانا» منطقة الشرق الأوسط، وأثارت جدلاً كبيراً بين موافق ومعجب، وبين رافض ومستنكر. فهي لم تحمل جديداً باستثناء توقيعهما عليها. وبينما فشلت المحاولة من الناحية الفنية، فإنها كانت «ضربة معلم» من الناحية التجارية، حيث حققت للدار الإيطالية الكثير من الأرباح. الجميل فيها أنها ولدت حركة إبداعية مضادة يقودها مصممون شباب أعطتهم هذه التصاميم الغربية الهجينة قوة وجرأة أكبر. والأهم من هذا رغبة قوية على تغيير ثقافة التسوق في المنطقة وتحويلها من ثقافة استهلاكية إلى إبداعية. وهذا ما تابعناه يوم السبت الماضي في فندق «غروفنر هاوس» تحت راية «موديست فاشن» (Modest Fashion Festival) وتعيشه منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات على يد مبدعين في مجالات متعددة. من هؤلاء نذكر مصممة الأزياء السعودية رزان عزوني ومصممة الإكسسوارات ناتالي تراد، التي باتت تتوفر حقائبها في كل أنحاء العالم، والعطار السعودي باسل بن جابر صاحب ماركة «ثمين» التي تحقق أعلى المبيعات في محلات «سيلفريدجز» وغيرهم. في ماليزيا أيضاً وصلت هذه الظاهرة إلى حد غزو المصممة أنيسة حاسوبيان لأسبوع نيويورك، لتكون أول مصممة تعرض فيه تشكيلة كاملة للمحجبات.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.