بعد 20 عاماً... واشنطن ترفع العقوبات الاقتصادية عن السودان

جهود سعودية مع الإدارة الأميركية قادت إلى الخطوة... الخارجية الأميركية لـ «الشرق الأوسط»: يبقى الكثير من العمل أمام الخرطوم

الرئيس عمر البشير خلال زيارة لإقليم دارفور الشهر الماضي (رويترز)
الرئيس عمر البشير خلال زيارة لإقليم دارفور الشهر الماضي (رويترز)
TT

بعد 20 عاماً... واشنطن ترفع العقوبات الاقتصادية عن السودان

الرئيس عمر البشير خلال زيارة لإقليم دارفور الشهر الماضي (رويترز)
الرئيس عمر البشير خلال زيارة لإقليم دارفور الشهر الماضي (رويترز)

أعلنت واشنطن، أمس، عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ 20 عاماً، مشيرة إلى قيام الحكومة السودانية بمعالجة المخاوف المتعلقة بمكافحة الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين، وبصفة خاصة في إقليم دارفور. ووجدت الخطوة التي جاءت بعد جهود سعودية مكثفة لدى الإدارة الأميركية، ترحيباً كبيراً من المسؤولين السودانيين وفي الأوساط الشعبية أيضاً.
وقال مسؤولون بالخارجية الأميركية في مؤتمر صحافي، أمس، إن السودان واصل تحقيق تقدم في مجالات عدة منها مكافحة الإرهاب وتحسين حقوق الإنسان وتعزيز وقف إطلاق النار في مناطق النزاع. وجاء في بيان صادر عن المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيثر ناورت حصلت عليه «الشرق الأوسط» أمس، أن حكومة الولايات المتحدة قررت إلغاء العقوبات الاقتصادية على السودان المفروضة منذ عام 1997، المتعلقة بالقرارين التنفيذيين (1307 و13412)، وذلك اعترافاً منها بالإجراءات التي اتخذتها حكومة السودان للحفاظ على وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع، وتحسين المساعدات الإنسانية والسماح بوصولها إلى جميع المناطق في البلاد، والمحافظة على التعاون مع الولايات المتحدة في معالجات الصراعات الإقليمية ومهددات الإرهاب. وقالت الخارجية الأميركية إن قرارها سيدخل حيز التنفيذ ابتداءً من 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وأوضح البيان أن وزير الخارجية قدم تقريراً للرئيس ترمب بشأن الإجراءات الإيجابية التي اتخذتها حكومة السودان، في أثناء فترة الإبلاغ المقررة خلال الأشهر التسعة السابقة. وذكر أن حكومة السودان خلال الأشهر التسعة الماضية أبدت جدية في التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، واتخذت خطوات مهمة لوقف الصراع وتحسين وصول المساعدات الإنسانية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وأوضحت الخارجية أن القرار يُلزم الخرطوم بإحراز المزيد من التقدم لتحقيق السلام بصورة كاملة، والتعاون مع أولويات الإدارة الأميركية، بما في ذلك زيادة توسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية، وتحسين ممارسات حقوق الإنسان والحريات.
ومن المقرر أن تقوم إدارة الرئيس دونالد ترمب بإبلاغ الكونغرس بالقرار لاتخاذ الخطوات التنفيذية اللازمة لرفع العقوبات والتمهيد لتعليق الحصار التجاري والاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة وإلغاء التجميد السابق على الأصول وإزالة القيود المالية التي عرقلت الاقتصاد السوداني.
ويأتي القرار استكمالاً لعملية بدأت في نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما، وعارضتها جماعات حقوقية، ثم قام بإكمال الخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتسببت الإجراءات العقابية الأميركية، في فصل السودان عن معظم النظام المالي العالمي.
وجاءت هذه الخطوة بعد جهود وضغوط سعودية على الإدارة الأميركية. وكان وزير الدولة بالرئاسة السودانية السابق الفريق طه عثمان الحسين، قد أكد لـ«الشرق الأوسط» أن المملكة العربية السعودية لعبت دوراً رئيسياً في رفع العقوبات عن السودان، ومارست ضغوطاً متواصلة على الإدارة الأميركية، من أجل تحقيق هذا الهدف.
وأوضح الحسين أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وجّه الأمير محمد بن سلمان (ولي ولي العهد وقتها) ببذل المزيد من الجهود من أجل الرفع الكلي للعقوبات عن السودان، مضيفاً أن الدور السعودي المتعاظم في رفع العقوبات عن السودان كان وراء الانفراجة التي تحققت «ولولاه لما تحقق ما تحقق».
ويأتي قرار الإدارة الأميركية برفع العقوبات وإنهاء الحصار الاقتصادي الأميركية المفروض على السودان بعد قرار للرئيس ترمب الشهر الماضي بإزالة السودان من قائمة الدول التي يخضع مواطنوها لقيود على السفر إلى الولايات المتحدة. وأوضحت الخارجية أن القرار يلزم الخرطوم بإحراز المزيد من التقدم لتحقيق السلام بصورة كاملة، ودائمة، والتعاون مع أولويات الإدارة الأميركية، بما في ذلك زيادة توسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية، وتحسين ممارسات حقوق الإنسان والحريات، وضمان التزامها الكامل بقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن كوريا الشمالية. وقد أشار مسؤولون أميركيون في يوليو (تموز) الماضي إلى قلقهم حول العلاقات السودانية مع كوريا الشمالية وقد ردت الخرطوم بتأكيدات على قطع العلاقات مع كوريا الشمالية والالتزام الكامل بالجزاءات والعقوبات التي فرضها المجتمع الدولي ومجلس الأمن على بيونغ يانغ بشأن برامجها الصاروخية النووية.
واجري جون سوليفان نائب وزير الخارجية الأميركي عدة لقاءات مع مسؤولين سودانيين وتناقشوا في كل من واشنطن ونيويورك حول قطع السودان للعلاقات مع كوريا الشمالية والمعلومات حول حسابات مصرفية كانت تحتفظ بها جهات من كوريا الشمالية في المصارف السودانية. وقدم الجانب الأميركي معلومات عن الحسابات والأسماء والمبالغ. وأشارت مصادر أميركية أن الجانب السوداني أبدى تعاونا واضحا في قطع العلاقات مع كوريا الشمالية.
وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية إن إدارة ترمب ستواصل دفع السودان إلى تحقيق مزيد من التقدم بما في ذلك تمهيد الطريق أمام مليونين من النازحين الذين فروا من القتال في دارفور قبل أكثر من عشر سنوات بالعودة إلى ديارهم بسلام. وتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إننا نَعتبر خطوة رفع العقوبات خطوة مهمة للغاية، على طريق لا يزال يتطلب منا وقتاً طويلاً بهدف أن يصل السودان إلى ما نريد ونطمح أن يصل إليه، وهي خطوة مثمرة، لكن هذا لا يعني أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي القيام به».
وفُرضت العقوبات الأميركية على السودان بقرارات تنفيذية وقوانين وتشريعات سنها الكونغرس الأميركي، إضافة إلى إدارجه ضمن قائمتي الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993، والدول المتقاعسة في محاربة الاتجار بالبشر، التي أضيف إليها الشهر الماضي.
ولا يتضمن القرار الجديد العقوبات المفروضة على السودان فيما يتعلق بوجوده في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
أما العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية الشاملة فقد فُرضت على السودان منذ عام 1997، وأبعدته تقريباً من النظام المالي العالمي، وتقول حكومته إن تجربة الحصار ألحقت بالاقتصاد السوداني خسائر قاربت 50 مليار دولار.
وسيؤدي رفع العقوبات إلى تعليق الحصار التجاري والاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة منذ ما يقرب من عقدين ضد الدولة الأفريقية، وإلغاء التجميد السابق للأصول، وإزالة القيود المالية التي عرقلت الاقتصاد السوداني، كما سيزيل القرار أي عراقيل وقيود مفروضة على المعاملات التجارية والمالية، وسيسمح بالعمل مع صناعات النفط والغاز في السودان مثل خطوط الأنابيب وخدمات حقوق النفط، لكن القرار برفع العقوبات يترك عقوبات أخرى مفروضة على الأفراد الذين صدرت بحقهم أوامر اعتقال تتعلق بارتكاب جرائم خلال النزاع في دارفور، كما سيتم الإبقاء على السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو الأمر الذي تجري بشأنه المناقشات بين المسؤولين الأميركيين والسودانيين في الوقت الحاضر. ويضع القرار تقويماً أميركياً بأن السودان حقق بالفعل تقدماً في تلبية المطالب الأميركية، ويعد تحولاً استراتيجياً في سياسات الإدارات الأميركية السابقة تجاه السودان منذ فرض العقوبات عام 1997.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.