السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

أمن الخليج من أمن مصر ولن نسمح بالمساس به * ليبيا بحاجة إلى خريطة طريق

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
TT

السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي

في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، خلال زيارتي للقاهرة، كان الوضع المصري يومها، يعرض نفسه بكل تفاصيله وتعقيداته السياسية، ومشاكله الاجتماعية، ومخاطره الأمنية على ملامح المارة في الشوارع، وعلى وجوه كل من يمكن أن تلتقيه وتحاوره، أو حتى يهمس لك بكلام عابر.
في الفندق الذي أقمت فيه، لم تكن الأحاديث والحوارات المتداولة في قاعاته، تختلف عمّا يمكن جمعه عن ملامح الناس في الشوارع من قلق واضطراب وتشاؤم أغلق حتى النوافذ، التي يمكن أن تتسرّب عبرها أحلام المصريين بانفراج ما قريب. كان أي شيء وكل شيء، يكفي لأن يرسم صورة لمصر لم تعرفها في أحلك عصورها.
اليوم بدت القاهرة خارجة من تلك التفاصيل، تتنفس الأمل برئتين واسعتين، وهي تتمتع بقدر معقول من الاطمئنان. كانت الساعة تقترب من الرابعة والربع فجرا، حين وصلت إلى مطار القاهرة. الانتقال من هناك سهل، وحركة السير بدت مريحة إلى حد كبير، في ظل استقرار نسبي، اشتاقت له القاهرة كثيرا. وحين دخلت بنا السيارة أطراف العاصمة المصرية، كانت الطرقات مشرعة أمام حركة الناس والسيارات، حتى في مثل هذا الوقت المبكر من النهار. القاهرة (مصر) كما يطلق عليها المصريون، كانت طبيعية إلى حد مريح.
تغيرت مشاعر الناس. ملامحهم بدت أكثر ارتياحا. حتى الكلام الذي كان يشغل الناس تغير نسبيا، ربما لأن تعابير الناس أخذت تعكس قدرا كبيرا من الأمل بالمرحلة المقبلة. أما الأحاديث المباشرة، فتبدأ كلها بالاستقرار وتنتهي عنده، خصوصا بعد ما شهدته مصر من تفجيرات وأعمال إرهابية في الفترة السابقة.
من يتحدث إلى رجال الأعمال، يدرك عمق الأزمة الاقتصادية التي تخنق مصر، على الرغم من تماسك العملة المصرية وثباتها في وجه عواصف التدهور المتعاقبة. لكنها أحاديث تمر في طريقها إليك بتطلعات صادقة إلى انتعاش اقتصادي في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، والجميع يأمل أن تكون الانتخابات البرلمانية المقبلة انعطافة ديمقراطية حقيقية، تغلق الأبواب على العديد من المشكلات، وتحقق الاستقرار الأمني الذي لم يزل يعاني من ثغرات تنفذ منها أعمال إرهابية، آخرها ما وقع أول من أمس، في القاهرة وشمال سيناء، وأودى بحياة ثلاثة مواطنين وجرح تسعة آخرين، بينهم مجندون.
التقيت المرشح الرئاسي، المشير عبد الفتاح السيسي، قبل يوم من موعد الصمت الانتخابي. كان محاطا بالعديد من الزوار، وكاميرات التلفزة التي كانت تسجل مواقفه الأخيرة قبل بدء السباق الرئاسي. كان جدول أعماله كثيفا ومزدحما. لكننا التقينا وأعطاني من وقته الكثير.
أجرينا الحوار في استراحة بضاحية مدينة نصر، تطل على النصب التذكاري للجندي المجهول، الهرمي الشكل. وهو من تصميم الفنان المصري، سامي رافع، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، الحاصل على الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة في فيينا. صمّمه فور فوزه في مسابقة فنية لعمل نصب تذكاري، شارك فيها عدد كبير من الفنانين المصريين. وكان الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، هو من أمر بتشييد النصب التذكاري، أو «قبر الجندي المجهول»، تخليدا للمصريين الذين فقدوا أرواحهم في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، وافتتح بعد الحرب بعامين. وقد اختير الموقع مكانا لدفن الرئيس السادات عقب اغتياله في أكتوبر 1981.
بني النصب التذكاري على شكل هرم، رمزاً لفكرة الخلود في حضارة المصريين القدماء. وهو عبارة عن هرم مجوف من الداخل. ويبلغ ارتفاعه 33.64 متر، في حين يبلغ عرض حيطانه عند القاعدة 14.30 متر. وتبلغ سماكة حوائطه الأربعة 1.9 متر، وقد سُجّل عليها واحد وسبعون اسما رمزيا.
اللقاء مع المشير، ترك لديَّ انطباعا قويا حول ثلاث مزايا يتحلى بها السيسي:
أولا: تواضعه على المستوى الشخصي، الذي ينعكس في بساطة تعامله مع الآخرين، ويكسبه احتراما مضاعفا.
ثانيا: طرحه المباشر وأفكاره المحددة والواضحة. فالرجل يعرف ما عليه، وما ينبغي القيام به.
ثالثا: صراحته المتناهية في تناول العديد من الملفات الساخنة والحرجة والحساسة، وحتى الأكثر تعقيدا مما يشهده واقع مصر راهنا. حتى في تناوله وتعليقاته على نظام حكم حسني مبارك ومحمد مرسي، كان المشير هادئا، صريحا في اختيار تعابيره. وفي ما يلي نص الحوار:

* شهدت المنطقة انتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث الماضية. هل كان ذلك نتيجة تحولات اجتماعية أم تحول في ميزان القوى الإقليمية؟
- لا شك أن هناك تحولات اجتماعية حدثت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية في أكثر من بلد، نتج عنها ما نتج كما نرى - بيد أنه يجب ألا نغفل وجود تحولات إقليمية - حدثت نتيجة لتلك الثورات والتغييرات. هناك فعلا من يحاول أن يغيّر ميزان القوى لصالحه والمساس بمصالح الآخرين. لقد شهدنا في مصر تحولات كبيرة، وكان هناك من يحاول الإضرار بالمصلحة القومية لمصر، لكننا استطعنا تجاوز كل ذلك بإرادة الشعب، وإن كنا بحاجة حقيقية للعمل والجهد وكثير من الأمل حتى تعود مصر إلى وضعها الطبيعي.
الجميع لديه الثقة بالمستقبل، لكننا لن نحقق ما نصبو إليه إلا من خلال العمل الجاد على كل المستويات. إن التحسن الحقيقي لن يكون إلا بوجود تعاون إقليمي جاد وواع.
أما في ما يخص موازين القوى فأرى أن المعالجة الحقيقية تكون في وجود قوة حية، قوية وحاكمة في المنطقة، وهنا في مصر أيضا ومحيطها العربي.

* تشهد ليبيا مواجهات مسلحة ما بين عناصر من القوات الليبية السابقة والميليشيات الإسلامية، ما تقييمكم لما يحدث في بلد الجوار؟
- للأسف تحولت ليبيا خلال العامين الماضيين إلى بؤرة لتجمع الميليشيات المسلحة والمتطرفة. خرج الليبيون لتغيير النظام السابق وللمشاركة في صنع المستقبل وصياغته، وإنشاء دولة المؤسسات، دولة مدنية يشترك فيها الجميع، ولكن بوجود الميليشيات تحولت الغلبة للسلاح والعنف، وأصبحت ليبيا نقطة تجمع للعناصر الإرهابية.
كان يجب على الأوروبيين بعد إسقاط النظام السابق أن يكملوا ما بدأوه، فيقومون بجمع السلاح للحفاظ على الأمن والسلم، ولا أعتقد أن أحدا كان ليعترض على ذلك.. أما في مصر فكان هناك قرار حاسم ورسالة واضحة مفادها أننا لن نسمح بانطلاق أي عمل إرهابي من داخل ليبيا ضد بلادنا.

* إذاً المهمة لم تنتهِ في ليبيا بعد؟
- بعد ما حدث في ليبيا كان ينبغي القضاء على ظاهرة السلاح المنتشر، التي لا تعكس ما يطمح إليه الشعب الليبي الذي يصبو إلى الحرية وفرض الإرادة الشعبية التي تريد بناء دولة تستوعب الجميع، وهذا بكل تأكيد لن يحدث في ظل وجود السلاح، وإنما من خلال خريطة طريق تعبر عن إرادة الليبيين لا الميليشيات، وسيجد هذا دعما من الجميع.

* هل يعني ذلك ضرورة دعم الأطراف التي تقاتل الميليشيات الإسلامية؟
- لا يعني ذلك تدخل مصر، أو حتى الدول العربية في ليبيا، إنما من الواجب دعم الاعتدال، وتقوية الليبيين في مواجهة التطرف.

* هذا يقودني إلى السؤال عن الحرب السورية.. هل ترون أن هناك تغييرا في المواقف العربية نتيجة طول الأزمة؟
- كان هناك موقف عربي مما يحدث في سوريا، لكن الواقع الميداني تطور، وأعتقد أننا نحتاج إلى مراجعة هذا الواقع الجديد، لأننا نريد حلولا سياسية مع تجنب الحل العسكري. في الوقت نفسه نحرص على سوريا دولة موحدة، لا تقسّم أو تجزأ، لأن تقسيمها سيسبب مشكلات، ويخلق واقعا جديدا معقدا. نحن أيضا أمام معادلة الحفاظ على الواقع السوري ووجوب تصفية الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي ظهرت على ساحته.

* ولكن، ماذا بشأن بقاء الرئيس الأسد، خصوصا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية؟
- معالجة الأزمة السورية يجب أن تنطلق من نقاط ثلاث هي الأساس الذي يمكن البناء عليه، وهي كيفية الوصول إلى حل من دون تصعيد الموقف في سوريا أو تقسيمها ومن دون أن يكون هناك دور للجماعات التكفيرية. وحتى يتحقق هذا كله، لا بد أن يعمل الجميع على إيجاد حلول تحقق هذا الهدف.

* ولكن الجماعات المسلحة التي تتدخل في سوريا تشمل أيضا حزب الله؟
- التحالف بين سوريا وحزب الله معلوم ومعروف، وأي دعم من هذا الطرف للطرف الآخر مفهوم. وحده حل المشكلة السورية سوف ينهي العلاقة العضوية بين الطرفين، وبالتالي يمكن بعد ذلك حل بقية الملفات المرتبطة بالواقع المرير الذي يعاني منه الشعب السوري لأكثر من ثلاث سنوات.

* وماذا بشأن حركة حماس التي ترتبط بصلات عقائدية وتنظيمية مع الإخوان المسلمين؟
- ارتباطات حماس أوعقيدتها ليست مهمة بالنسبة لنا. المهم عندنا أن لا يؤثر كل ذلك في أمن مصر، وألا تستخدم العقيدة في الإضرار بأحد.
بالتأكيد، لا أحد يتصور أنه يستطيع أن يضر بأمن مصر أو العبث بمقدرات شعبها. هذا الملعب غير متاح. وللناس حرية اعتقاد ما يرونه، فنحن لا نتدخل في اختيارات أحد، ولكن لن نسمح في الوقت ذاته بالمساس بالأمن القومي لمصر.
يعرف الجميع أن المصريين لا يقبلون بكل ما يهدد أو يمس أمنهم، كما أن (حماس) موجودة منذ 2005، وخلال تلك الفترة ازدهرت تجارة الأنفاق وتهريب السلاح، وكانت لها أضرار كبيرة، ولم تتعرض لهم الدولة المصرية، لكن منذ بداية الأحداث الإرهابية في سيناء، كان هناك قرار حاسم بأن يتوقف كل ذلك. وأؤكد هنا بأننا لن نسمح بعودة الوضع كما كان، حماية للأمن القومي في مصر.

* ذكرتم أنه لن يكون هناك وجود لجماعة الإخوان المسلمين حال فوزكم بالانتخابات الرئاسية؟
- الشعب المصري لديه موقف منهم، هم وحدهم يتحملون مسؤولية هذه الحالة. الشعب المصري كان على استعداد في 3 يوليو أن يقبل بوجود الجميع، لكن تأييد الجماعة انتهى اليوم بشكل كامل.

* وماذا بشأن التنظيم الدولي؟ خصوصا أن بعض دول المنطقة أدرجت التنظيم على قوائم الإرهاب؟
- لقد بدا واضحا خلال الآونة الأخيرة التعاون الكامل بين الكتلة العربية الحية والقادرة على التأثير لاتخاذ هذا القرار المهم، الذي سيكون من بين نتائجه إنهاء وجود هذه الجماعة وطنيا ودوليا. أي بقايا تنظيم سيكون تأثيره محدودا. لكن علينا، في مصر ودول الخليج أن ننتبه لذلك.
نرى أيضا أن الواقع الجديد في المنطقة العربية يعيد تشكيل رؤية الغرب للإخوان وأمثالهم، ولدينا أمثلة لما يحدث في ليبيا وسوريا.

* شهدنا انكفاء مصر للداخل خلال الأعوام الماضية بسبب الأوضاع الداخلية. ما هو شكل السياسة الخارجية التي تسعون لتطبيقها في حال فوزكم؟
- لدينا سياسة منفتحة على الجميع، نحن نريد أن نتعاون ولا نرغب في الصدام مع أحد، شرط الاحترام المتبادل وابتعاد الآخر عن الصدام معنا. نهتم كثيرا بوحدة أمن مصر والخليج وكل الدول العربية، وهو أمر غير قابل للتجزئة. سنعمل على تعميق التعاون مع دول حوض النيل كعمق استرتيجي متبادل، ونرسخ التعاون مع كل دول العالم على أساس الندية والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشأن الداخلي.
أؤكد أيضا على توسيع خيارات التعاون لتحقيق المصالح القومية، فالعلاقات الاستراتيجية مع أميركا لا تتعارض أبدا مع القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
نحن ملتزمون بقضية فلسطين حتى تقام الدولة وعاصمتها القدس الشرقية، ومهتمون بالقارة الأفريقية والعلاقات مع الدول الإسلامية، وسنعمل على إدارة العلاقات الخارجية وفق رؤية ومنظور استراتيجيين يحققان المصالح المتبادلة للجميع.

* ما قراءتكم للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+ 1) هل أنتم مؤيدون أم معارضون؟
- نحن مع أي ترتيبات أمنية لا تمس أمن الخليج، باعتباره أمنا مصريا، ولا نسمح بالمساس به.

* ماذا بشأنكم أنتم في ما يتعلق بملف التكنولوجيا النووية؟
- الاستخدام السلمي للقدرات النووية تكفله المعاهدات الدولية، فهناك دول لديها تكنولوجيا متقدمة تمكنها من تصنيع قنبلة، ولكنها لم تفعل ذلك، والسؤال هنا هو: هل يمكن أن نصل إلى مستوى امتلاك المعرفة والقدرة النووية ونستخدمهما بشكل سلمي؟

* صرحتم بأن السعودية ستكون أول دولة تقوم بزيارتها رئيسا لمصر، ما الرسالة التي ستحملونها؟
- أولا، كل التقدير والاحترام لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، فهو ملك عربي حكيم وأصيل، ولهذا ذكرت بأن أول دولة أنوي زيارتها ستكون المملكة العربية السعودية. نريد أن نذهب لنقدّر رجل العرب وحكيمهم حق قدره، فلن ننسى مواقفه معنا وبيان دعمه لشعب مصر، الذي أحدث تغييرا في المعادلة وغيّر الكثير منها.
الشكر والتحية لحكيم العرب، وأؤكد على ضرورة تكامل مواقف البلدين في أوقات الشدة، وأن نكون معا دائماً، ولا نسمح بأن تتأثرعلاقتنا مرة أخرى.
ثانيا، إن خدمة أهداف الأمن القومي المصري والسعودي هي أن نتكامل.
إن الحس القومي العربي استدعانا لأن نكون متشابكين ونشد على أيدي بعضنا بعضا. نحن نحتاج لهذا دائما.
ذكرت في وقت سابق أن مصر لن تقف متفرجة أمام أي تهديد لأي دولة خليجية، وما بيننا «مسافة السكة»، وهذا يعني أنه في حالة أي عمل يهدد أي دولة وتم استدعاء مصر.. فورا نلبي - وأكرر «مسافة السكة».

* التحقت بالعمل ملحقا عسكريا لدى السعودية، ما ذكرياتكم خلال تلك المرحلة؟
.- ذكريات كثيرة ومؤثرة، منها زيارتي للفيصلية بعد افتتاحها. كما أتذكر الكرم السعودي والأكل المتميز والشخصية السعودية، التي أكن لها كل احترام.

* تزامنت زيارتكم لدولة الإمارات مع إجراء مناورات عسكرية مشتركة.. ما دلالة ذلك؟
- أريد التأكيد على أن هناك تعاونا عسكريا دائما منذ فترة طويلة، وتدريبات سنوية متبادلة، وسوف نستمر في المزيد من التدريبات، بحيث نعرف المسارح المختلفة للعمليات.

* منذ أكثر من عام وهناك عمليات تتعلق بمكافحة الإرهاب في سيناء ومناطق أخرى، هل تكتفون بالمعالجة الأمنية؟
- الأمر واضح ويجب أن ننتبه لخطورة الخريطة التي نراها الآن.
لا ننتظر أن يصل الإرهاب إلى بلادنا، ولا بد من المواجهة. من المهم وضع استراتيجية شاملة لتحصين عقول وقلوب أهالينا، كما سنعمل على تغيير الخطاب الديني الذي يسيء للإسلام، وذلك من خلال رؤية واستراتيجية عربية مشتركة لحل هذه المسائل.

* حلول مثل ماذا؟
– نهتم بمدارس علوم الدين، ونعيد الاعتبار للمدرسة التي تستدعي وسطية الإسلام، وتحصن العقول من التطرف.

* يظهر من تصريحاتكم أنكم مطلعون على أدبيات الإسلام السياسي؟
– لا أريد أن أسمى لك كتبا بعينها، هذا الموضوع محل بحث وقراءة سنين طويلة، وأنا أسأل «ليه كده»؟ منذ اغتيال الزعيم الراحل أنور السادات وأنا اشعر أن هناك شيئا خطأ، ومن يريد أن يتأكد عليه أن يقرأ الخريطة، ولذا وجب علينا كمسلمين أن نفكر لماذا حدث كل هذا، ولم نصحح الخطأ.

* ولكن كما تعرف حدثت مراجعات في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك – هل يعني ذلك عدم اقتناعكم بمنهج احتواء الإسلامين؟
- هناك فرق بين الذين يتخلون عن العنف ويلتزمون بالدستور والقانون، وبين الذين يتخلون فقط عن القيام بأعمال إرهابية من دون تغير في تفكيرهم، وبالتالي فالأمر يتطلب وضع استراتيجية شاملة، ومراجعة مستمرة حتى يتوقف التهديد.
نرى أن دور الأزهر مهم، وسوف يستمر قبل وبعد ما حدث وفي المستقبل، وأنه علينا أن نعمل على تحصين الشباب بالإسلام الوسطي الحقيقي، الذي يمنع انتشار التطرف، لأنه بغير ذلك سيظل التطرف والتشدد فكرا قائما، ولكن في حجمه الطبيعي.
للأسف ما يحدث يعطي انطباعا بأن هذا هو الواقع، وأن الدين هو التطرف. وفي ذلك خطأ وظلم كبيران.

* شهد الاقتصاد المصري تراجعا كبيرا، ما خطتكم في الإصلاح؟
- في البداية نحن درسنا نماذج مشابهة لمصر مثل البرازيل وغيرها من حيث الكتلة السكانية لاستخلاص بعض الدروس، ولكني في الوقت ذاته دائما أسأل الذين من حولي والعارفين بالشأن الاقتصادي: هل كانت لتلك الدول الظروف نفسها التي تشهدها مصر اليوم من ناحية الانتقال السياسي؟ لدينا تحديات كثيرة وسلبيات تحتاج إلى استراتيجية شاملة وطموحة، لتخرج مصر من دائرة الفقر ويخف العبء، وهذا يتطلب تفهما من الجميع.
لك أن تستحضر ما حدث في اليونان أخيرا، وقفت كل أوروبا معها ومرت من الأزمة، وكذلك الحال في البرتغال وإسبانيا.

* ماذا بشأن الدعم الحكومي؟
- هناك أغنياء وحتى سفارات أجنبية يحصلون على دعم، المواطن المصري المحتاج حقيقة أولى به.. أمور كثيرة يجب إعادة تنظيمها عبر ما أسميه الدعم الذكي.
يوجد هناك خطط كثيرة ومبادرات وأمثلة.. بلد مثل البرازيل هل كان لديها ثورات؟
هناك فعلا خطة، ولكن نتمنى أن يسمح المجال العام والمناخ بذلك.

* هل لديكم خطة للمائة يوم الأولى؟
- فكرة المائة يوم هي استدعاء لفكرة خارجية.
والمائة يوم الأولى تصلح كمعيار في الدول التي لديها استقرار سياسي ومؤسسات دولة قوية، ولم تشهد تهديدا كما جرى في مصر. يجب أن يشعر المصري بأن الوضع يتحسن في شهور قليلة وفي المجالات المختلفة.

* خلال ثورة 25 يناير واقتحام مبنى أمن الدولة. هل تسربت وثائق الدول المصرية وأسرارها؟
- لم يتم تسريب أسرار الدولة. نعم حدثت بعض السلبيات بسبب حالة الفوضى التي عمت آنذاك، لكن بعض المؤسسات مثل المخابرات والخارجية وغيرهما من مؤسسات الدولة لديها أسرارها، وهذه الظروف انتهت، ولن يُسمح أبدا بتهديد منشآت أمنية مرة أخرى، والاعتداء عليها مهما كان الثمن.

* في حال انتخابكم سيكون لديكم صلاحية العفو، فهل تنوي استخدامها مع الإخوان الذين صدرت بحقهم أحكام؟
- المشكلة أنهم يحتاجون إلى أن يصالحوا المصريين.. انزل إلى الشارع واسأل الناس.

* هل كنت تنوي الترشح للانتخابات الرئاسية وقت إعلان بيان 3 يوليو الذي أنهى حكم الجماعة؟
- لا، كان هناك ضغط شعبي كبير من أغلب المصريين. الإحساس بالخطر والتخوف من وقوع المواجهة دفعا الناس للمطالبة بانتهاء عهدهم، ولو كانت الأمور تسير بشكل سلس لما دفعت الناس لاستدعائي.

* ما الدول التي تنوي زيارتها بعد انتخابكم؟
- لا شك أن الأولوية ستكون للدول العربية، وسبق أن ذكرت المملكة العربية السعودية، وأنوي أيضا زيارة كل من الإمارات والكويت، ولا بد من زيارة الدول الأفريقية القريبة، لدينا أميال كثيرة لنقطعها.

* وماذا لو قدمت لك دعوة لزيارة البيت الأبيض؟
- سوف أقبل بالزيارة التي تفيد المصلحة القومية المصرية، ومصالح الشعب المصري، لا شك أن لدينا فهما مختلفا، ولدى البعض فهم مختلف، ولدينا فهم لما جرى للمرحلة الماضية، ولكن بوسعا القول إن الشهور الأولى التي تلت 30 يونيو، كان من الصعب على البعض في أميركا وأوروبا استيعاب ما جرى فيها أو تفهم الأسباب الموضوعية للتحرك الذي قام به الشعب المصري. ولكن شهدنا بعد ذلك بداية استيعاب تدريجي، ولا أقول إن ذلك الاستيعاب تحقق بالكامل، لأن خريطة الطريق لم تنتهِ بعد.

* ما تصوركم للبرلمان المقبل بعد الانتخابات؟
- آمل أن يكون البرلمان استمرارا للتجربة التي بدأت، ولديّ أمل كبير أن يخلق البرلمان المقبل، القواعد الأساسية للعمل وللتجربة التي تمكن الشعب من تحقيق تطلعاته.

* في السياسة العربية، تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم وعلاقته بنظرائه في سياسة الدول. هل ستطرح نموذجا مختلفا؟
- المفروض ألا تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم أو القائد أو أي شخصية منتخبة وخياراتها الشخصية على خيارات الدولة، فالأصل أن المصلحة القومية هي الأساس.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.