ليس من قبيل المبالغة القول إن هوليوود برمتها جاءت لتحتفي بالسينما وبنفسها في مدينة تورونتو. لا حصر ممكناً لأسماء الممثلين والمنتجين والمخرجين الذين حطوا هنا. وإذا ما كان مهرجان «كان» السينمائي المعروف يفتخر بأكثر من 10 آلاف ضيف يؤمونه كل سنة (بينهم نحو 4000 إعلامي) فإن مثل هذا العدد يتكرر في مدينة لديها القدرة على أن تتنوّع في شتّى مصادرها وتبقى كذلك طوال السنة.
مهرجان تورونتو الذي بدأ دورته الجديدة (تأسس سنة 1976) في الثامن من هذا الشهر ويستمر حتى التاسع عشر هو ذروة احتفالاتها، لكن مزيجاً مثالياً من التعايش جنباً إلى جنب بين أهل المدينة وحياتهم اليومية على مدار السنة، وبين أهل المهنة السينمائية في جوانبها كافة. حين الخروج إلى شوارع المدينة أنت لا تزال فرداً عاديا يمر بكل ما تعرفه أي مدينة من ملامح وخصائص. ليس بعيداً عنك سيارة ليموزين سواء تهبط منها أنجلينا جولي كما لو كانت تقصد متجر أزياء في شارع روديو في لوس أنجليس.
من بين سواها من الممثلين والممثلات الموجودين جورج كلوني، إيثان هوك، روزمند بايك، كرستين بايل، مارغوت روبي، جسيكا شستين، هال بيري، كيت وينسلت، ستانلي توشي، راتشل ماكادامز، نيكول كيدمان، جنيفر لورنس، ليام نيسون، مات دامون، آرمي هامر، هيلين ميرين، جيم كاري، كولين فارل، جوليان مور وعشرات آخرين.
بين هيفاء وهاني
عربياً هذا المهرجان الذي لم يكن يستقطب إلا القليل من العرب في شتى المهن، وذلك لنحو 12 سنة مضت، يموج بالمشتركين فيه كل يبحث عن ضالته: المخرجة السعودية هيفاء المنصور عرضت في اليوم الثاني من المهرجان (وبينما كان هذا الناقد ما زال في مهرجان فينيسيا) فيلمها المنتـظر «ماري شيلي» مع إيلي فانينغ بدور الكاتبة الشهيرة (مؤلفة «الدكتور فرنكنستين»). بمراجعة بعض ما تمت كتابته من مقالات نقدية حوله وجدت قليلاً من الآراء المعجبة والكثير من تلك المناوئة.
كذلك مرّ المخرج الفلسطيني من هنا عندما عرض فيمله الجديد «الجبل بيننا» مع إدريس ألبا وكايت وينسلت على شاشات هذا المهرجان في أيامه الأولى.
كلاهما، هيفاء المنصور وهاني أبو - أسعد، يتوخيان طبعاً عرضاً مسبقاً للعروض التجارية التالية قبل نهاية السنة لكن في حين أن عروض «الجبل بيننا» تنطلق في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) فإنه لا يوجد موعد محدد بعد لعرض فيلم المخرجة المنصور في الأسواق التجارية (ولو أن عروضه اللندنية متأخرة حتى السادس من يوليو (تموز) العام المقبل).
عبد الحميد جمعة، انتشال التميمي، علاء كركوتي، محمد حفـظي هم من بين الأسماء العربية الكثيرة التي تحضر تورونتو إما بهدف اختيار الأفلام إلى مهرجاناتها وإما التعامل مع الأفلام التي قامت بإنتاجها كما الحال مع «الشيخ جاكسون» لعمرو سلامة.
من ناحية أخرى، تتجه التقديرات إلى أن فيلم غويلرمو دل تورو سيحوز جائزة المهرجان المحتفى بها أكثر من سواها (علماً بأنه لا يوزع جوائز رسمية) وهي جائزة الجمهور. لقد وصل تورونتو مستحوذاً على جائزة مهرجان فينيسيا الأخير والمدينة تعرف المخرج جيداً كونه عاش فيها، كما أن أفلامه في السنوات العشر الأخيرة عرضت ضمن دورات هذا المهرجان.
في هذا النطاق يرتاح المهرجان ونقاده وسينمائيوه من حالة الترقب التي عادة ما تسود المهرجانات ذات لجان التحكيم وجوائزها. هذا يضيف إلى مهرجان تورونتو ما يواكب تحرره ويناسب انفتاحاته غير المحدودة. وهذا ما يتيح للموجود التركيز على الأفلام ذاتها أكثر من محاولة استطلاعه مستقبلها.
البحث عن فيلليني
هذه الأفلام تتوزع على أقسام مختلفة في مقدمتها قسم «الاحتفاء» الذي يضم فيلمي الافتتاح والختام. الأول كان الفيلم البريطاني «تنفس» وهو من إخراج الممثل (العراقي الأصل) أندي سركيس، والثاني سيتمثل في الفيلم الفرنسي «هذه هي الحياة»، وهو بدوره من إخراج فرنسي ذي أصل لبناني اسمه أوليفييه نقاش.
الأفلام الأخرى الواردة هنا هي اثنا عشر فيلماً من بينها فيلما هيفاء المنصور وهاني أبو أسعد بالإضافة إلى الفيلم الجديد «مولباوند» الذي يمكن إضافته إلى تلك الأعمال المتكاثرة حول العنصرية في أميركا ولو أن الأحداث تدور في أواخر الحرب العالمية الثانية عند عودة جنديين أميركيين شاركا في القتال ليجدا نفسيهما في قتال من نوع آخر في أميركا.
القسم الثاني هو «التقديم الخاص» وهذا يضم فيلمي افتتاح وختام هذا القسم. الأول تمثل في فيلم «ليدي بيرد» وهو دراما خفيفة نسائية المنوال إذ أخرجته الممثلة غريتا غرويغ مع سبع ممثلات في الأدوار السبعة الأولى ومن بينهن سواريز رونان وجوردان رودريغيز ولوري متكالف.
الفيلم الثاني هو «أم!» لدارن أرونوفسكي مع بطلته المفضلة جنيفر لورنس وميشيل فايفر وخافييه باردم وإد هاريس.
لكن لجانب هذين القسمين وحشودهما من الأفلام تتوزع مئات قليلة من العروض كفيلة بإبقاء المهرجان نافذة بانورامية على مشاغل أهل السينما. المهرجان ما زال يعرض أفلاماً منتقاة من مهرجانات أخرى، لكن هذا بات الحجم المحدود من عروضه منذ سنوات.
ففي البداية عُـرف المهرجان بكونه «مهرجان المهرجانات» أساساً حيث كان يقصد أن يلملم أفلامه من كل المهرجانات الكبيرة الأخرى (أوروبية، أميركية وآسيوية). الفكرة ما زالت مناسبة لمهرجان جديد، لكن تورونتو تجاوزها بنجاح مؤكداً بذلك على بداية مرحلة جديدة مفادها أن عليه أن يصبح المحطة الأولى بين محطات السينما حول العالم.
لكن الإقبال لا يمكن أن يتوزّع بين كل الأفلام المعروضة بالتساوي لذلك فإن حضور الأفلام الصغيرة أو تلك الفنية يبقى - غالباً - محدوداً بالقياس مع الإقبال على ما يعتبره المهرجان قائمة أولى هو فخور بها كونها تحتوي على العدد الأكبر من الأفلام المحتفى بها.
من هذا الخضم كانت حصيلة هذا الناقد حتى الآن، تسعة أفلام، علماً بأنه وصل في اليوم الثالث من المهرجان. والفيلم الأول الذي طالعه كان «في البحث عن فيلليني» لمخرج جديد اسمه تارون لكستون. دراما خفيفة حول فتاة أميركية شابة (تقع الأحداث في مطلع التسعينات) شغوفة بأعمال السينمائي الراحل فديريكو فيلليني وتعتبره «فناناً واقعياً» (هل كانت تقصد فيلليني أم روسيلليني!).
«ساندريللا القطة» للإيطالي أليسندرو راك هو أيضاً عن رحاب الخيال وهو فيلم أنيميشن فاتني في فينيسيا والتقطه في تورونتو. أما فيلم أندي سركيس (اسمه ارتبط بشخصية غولوم في سلسلة «سيد الخواتم»، ثم بشخصية القرد المحارب سيزار في سلسلة «كوكب القردة» الحالي فهو دراما اجتماعية مع كلير فوي وأندي غارفيلد يواجهان تحديات تكوين الأسرة المعاصرة.
الأكثر فنية بين كل هذه الأفلام هو «شراهة»، فيلم من مقاطعة كوبيك للمخرج روبير إيبرت حول رجل يصرف جل وقته في تعقب وصيد الزومبيز في عالم مستقبلي ليس بالبعيدة.