لماذا تأجل الانتعاش الاقتصادي في تونس؟

ما تحقق دون المأمول

وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)
وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)
TT

لماذا تأجل الانتعاش الاقتصادي في تونس؟

وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)
وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)

وعدت الحكومة التي يقودها يوسف الشاهد، التونسيين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية، وأكدت أن اهتمامها سينصب خلال هذه الفترة على الملفات الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل، بيد أن ما تحقق حتى الآن ما زال دون المأمول؛ وهو ما طرح عدة أسئلة عن الأسباب التي أعاقت الانتعاش الاقتصادي في تونس بعد نجاحها النسبي في المرور من زوابع ثورة 2011 على المستوى السياسي، فما الذي أعاق الإقلاع الاقتصادي، ولماذا بقيت معظم محركات الاقتصاد معطلة «تسمع منها جعجعة دون أن ترى طحينا»؟
أكثر من خبير في المجال الاقتصادي والمالي أكدوا صعوبة تحقيق الحكومة التونسية ما وعدت به خلال هذه السنة، فالاحتجاجات الاجتماعية أعاقت تدفق النفط والغاز من حقول الجنوب، وهو ما أعاق التطور الاقتصادي المحلي، ومعظم المؤشرات الاقتصادية على مستوى التصدير، وكذلك الإنتاج، بالنسبة لمادة الفوسفات وغيرها من القطاعات، باتت تتوق لبلوغ مؤشرات 2010، وهو ما يجعل الإقلاع لن يحدث في القريب العاجل وسيبقى مؤجلا إلى فترات زمنية مقبلة.
- النتائج الاقتصادية
على مستوى النتائج الاقتصادية المسجلة خلال الأشهر الماضية من السنة الحالية، حققت تونس نسبة نمو في حدود 1.9 في المائة خلال النصف الأول من 2017، مقابل واحد في المائة فقط خلال الفترة ذاتها من سنة 2016.
أما نسبة النمو الاقتصادي خلال الثلاثي الثاني من هذه السنة فقد بلغت 1.8 في المائة، ويعود هذا النمو المسجل بالأساس إلى نمو القطاع الفلاحي بنسبة 3.8 في المائة (وهذا مرتبط بالعوامل المناخية) والخدمات المسوقة بنسبة 4.2 في المائة، والخدمات غير المسوقة بنسبة 0.2 في المائة. وبقيت مساهمة القطاع السياحي وعمليات التصدير، وهما قطاعان مدران للعملة الصعبة، دون تطور فعلي مؤثر على مستوى النتائج الاقتصادية التي عرفتها تونس خلال الأشهر الماضية من هذه السنة.
- تفويت الفرصة
الحصاد العملي للشاهد وحكومته بقي يراوح مكانه في حدود تناول المشكلات والحديث عن الرغبة في حلّها، فيما لم توضع خطّة عمليّة لحلحلتها ولو جزئيا؛ بل إنّ نقطة ضعف الحكومة كانت واضحة جدّا من خلال تفويتها فرصة تاريخية؛ هي المؤتمر الدولي للاستثمار الذي نظّمته تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 والذي حظي بدعاية إعلامية فاقت المعهود، ولكنه لم يحقّق شيئا يذكر على أرض الواقع.
لقد تلقّت حكومة الشاهد في هذا المؤتمر تعهدات ودعما وهبات كفيلة بتحقيق نسبة نموّ في حدود 4 في المائة سنة 2017 لو تمّ الاشتغال برصانة واحتراف لتفعيلها مع احتمال قوي ببلوغ نسبة 7 في المائة في أفق 3 سنوات.
وقد شارك في المؤتمر أكثر من ألفي فاعل اقتصادي تونسي وأجنبي، وكان من المفترض أن تنطلق تونس بمعيّة شركائها في إنجاز 64 مشروعا عموميا، و34 مشروعا مشتركا بين القطاعين العام والخاص، و44 مشروعا خاصّا، تشمل 20 قطاعا حيويّا في البلاد.
وتمّ توقيع اتفاقيات بنحو 10 مليارات دينار، وهو ثلث ميزانية الدولة التونسية، وتعهدت قطر بمنح تونس مليارا و250 مليون دولار، وتعهدت باريس بضخّ 250 مليون يورو كلّ سنة على مدى 5 سنوات، وتعهدت تركيا بدعم تونس بـ600 مليون دولار؛ منها ثلث منحة، وثلث في الاستثمار، وثلث على شكل قروض، عدا المساعدات العينية بالتجهيزات والآليات. كما تعهدت الكويت بمنح تونس قرضا ميسّرا بـ500 مليون دولار، فيما دعمت كندا بلادنا بـ24 مليون دولار، وتعهدت السعودية بدعم قدره 800 مليون دولار؛ من ضمنها هبة بـ100 مليون دولار.
هذا؛ وقّدمت سويسرا اعتمادات بـ250 مليون دينار لتشغيل الشباب على مدى 5 سنوات، وأعلن البنك الأوروبي للاستثمار توفير تمويلات بقيمة 2.5 مليار دولار على مدى 5 سنوات، ومنح البنك العالمي تونس مليار دولار على مدى 5 سنوات، وأعلنت الشركة المالية العالمية (تابعة للبنك العالمي) عن توفير 300 مليون دولار لدعم القطاع الخاص في بلادنا، وأعلن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي عن تمويل مشاريع عمومية في تونس بقيمة 3.3 مليار دينار... وغير ذلك من التعهدات والمنح.
الخبير الاقتصادي، عز الدين سعيدان، يقول إن «الوضع الاقتصادي والمالي لتونس يزداد صعوبة، وأي تأخير لصندوق النقد الدولي في صرف القسط الثالث من القرض قد يعرض تونس لمخاطر أزمة مالية خانقة».
قال الوزير السابق ونائب رئيس جامعة دوفين بباريس (فرنسا) إلياس الجويني: «تونس توجد اليوم وسط إعصار مدمر ينعكس جليا في انخرام (عجز) ميزانية الدولة وما يتطلبه ذلك من اللجوء إلى اقتراض تزداد تكلفته باستمرار».
كشفت وثيقة حول تنفيذ ميزانية الدولة للنصف الأول من سنة 2017، عن تطور موارد الاقتراض في ميزانية الدولة بنسبة 62.4 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2016؛ إذ تمكنت البلاد من تعبئة قروض بقيمة 5273 مليون دينار.
وتونس اليوم تعد غارقة في حزمة من الأزمات المالية والاقتصادية، وحين تطرح الحلول الوطنية الممكنة والواقعية، تتجاهلها الحكومات المتعاقبة ما بعد سقوط النظام السابق، ولم تشكل حكومة الشاهد استثناءً في ذلك، بل أكدت مرّة أخرى أنها امتداد للفشل نفسه في حكومة الصيد، من خلال لجوئها إلى صندوق النقد الدولي للاستدانة، وأيضاً من خلال إقرارها مشروع قانون المالية الذي هو من صنيع صندوق النقد الدولي.
غير أن النقطة الإيجابية في كل هذا الوضع الاقتصادي المأزوم هي تضاعف حجم التحويلات المالية المتأتية من مداخيل التونسيين المهاجرين ومساهماتهم، بشقيها النقدي والعيني، في ما بين سنتي 2006 و2016، ليتحول من 2010 ملايين دينار إلى 3913 مليون دينار سنة 2016 (أكثر من 70 في المائة منها تحويلات نقدية)، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام كمعدل سنوي. وتساهم هذه التحويلات بنحو 20 في المائة من الادخار الوطني. وقد لعبت هذه التحويلات دوراً مهماً في تعديل ميزان المدفوعات، من خلال امتصاصها قرابة 37 في المائة من عجز الميزان التجاري، كما مثلت مصدرا مهما للعملة الصعبة بمقدار 32 في المائة من «المقابيض» الصافية منها. وحققت تونس نسبة نمو في حدود 1.9 في المائة خلال النصف الأول من سنة 2017، مقابل واحد في المائة خلال الفترة ذاتها من سنة 2016؛ حسب ما أعلن عنه الرئيس المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء، الهادي السعيدي.
وأفاد، خلال ندوة صحافية عقدها بقصر الحكومة بالقصبة، بأن نسبة النمو بلغت خلال الثلاثي الثاني من هذه السنة 1.8 في المائة، مشيرا إلى أن «النمو المسجل نتيجة أساسا لنمو القطاع الفلاحي بنسبة 3.8 في المائة، والخدمات المسوقة بنسبة 4.2 في المائة، والخدمات غير المسوقة بنسبة 0.2 في المائة».



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.