عروض الأزياء تحلق إلى الفضاء

توجه يزيد قوة كلما زادت الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية

من عرض «سان لوران»
من عرض «سان لوران»
TT

عروض الأزياء تحلق إلى الفضاء

من عرض «سان لوران»
من عرض «سان لوران»

في شهر فبراير (شباط) الماضي وعندما اختار المصمم كارل لاغرفيلد ديكوراً مستقبلياً لتشكيلته لخريف 2017 وشتاء 2018، كانت الإشارة واضحة، وهي أن السفر إلى كواكب أخرى سيكون من الوجهات المهمة هذا الموسم. لم يقتصر الأمر بالنسبة له على تنصيب صاروخ ضخم وسط «لوغران باليه» تم إطلاقه في آخر العرض، وشمل إكسسوارات تستوحي خطوطها من ملابس ركاب الفضاء وأزياء بألوان معدنية تتباين بين الماسي والرصاصي تغطي العارضات من الرأس إلى أخمص القدمين أحياناً.
هذا التوجه إلى المستقبل تابعناه في عروض أخرى كثيرة، فيما يبدو كأنه مؤامرة حاكها المصممون فيما بينهم لإغوائنا. ظهر مثلاً في عروض كل من «باكو رابان»، و«سان لوران»، وجي. دبيلو أندرسون، و«بالنسياجا» وكريستوفر كاين. هذا الأخير مثلاً مزج المعدني بخيوط من الصوف تحسباً لشتاء بارد. حتى خط الـ«هوت كوتير» لم يسلم من هذه الموجة. ففي عرض آريس فان هيربن المعروفة بأسلوبها الاستكشافي والجريء، ظهرت العارضات كأنهن كائنات من كوكب آخر في فساتين مصنوعة من الصلب المقطع بالليزر لتأخذ شكل دانتيل. هذا عدا عن الأكتاف المُقببة كأنها دروع. مصمم دار «باكو رابان» جوليان دوسينو يرى أن المسألة طبيعية. فالتفكير في المستقبل يدخل في صميم عمل كل مصمم، كونه يبدأ في تصميم تشكيلاته قبل عام من عرضها. هذا بحد ذاته «فعل مستقبلي» يستبق به المصممون ما ستكون عليه الموضة. من جهتها، ترى محلات «براون» أن الألوان المعدنية لمسة مُرحب بها. فهي تُدخل السعادة على النفس كما أنها هروب من واقع تشوبه كثير من الاضطرابات. وقد لمست المحلات إقبالاً ليس على الألوان المعدنية والبراقة، بل أيضاً على التصاميم المبتكرة لا سيما في مناسبات السهرة والمساء عندما يكون التفرد هو المطلوب.
اللافت أن هناك فرقاً ملموساً في طريقة تناول هذه التيمة بين الماضي والحاضر. في السابق كان المصممون يركزون على الأقمشة أولاً وأخيراً، باستعمال الـ«بي في سي» أو رقائق معدنية، وربما النيوبرين والألمونيوم إلى جانب تقنيات ثلاثية الأبعاد، أما الآن فهم يأخذون طريقاً قد تكون أسهل وأضمن بالمقارنة، بتركيزهم على التقنيات والألوان أولاً ثم بعض التفاصيل والإكسسوارات. السبب يعود إلى حاجتهم إلى تسويق هذه التصاميم وليس مجرد استعراض قدراتهم وخيالهم من خلالها. دار «باركو رابان» التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأسلوب المستقبلي منذ الستينات من القرن الماضي، قدمت مجموعة من الأزياء استعملت في بعضها سلاسل بدل الخيوط لحياكتها. أما المصمم جي. دبليو أدرسون مصمم دار «لويفي» الإسبانية فركز على الأكمام التي تبدو كأنها أجنحة مستعدة للإقلاع، بينما قدم ديمنا فازاليا، مصمم دار «بالنسياغا» تنورة مصنوعة من مواد تُستخدم عادة في السيارات.
لحسن الحظ أن أسلوب الـ«سبور» كان عنصراً قوياً تمازج مع هذا التوجه ليخفف من تعقيدات التصاميم ومنحها خفة وانطلاقاً في الوقت ذاته. بالنسبة للبعض الآخر، من أمثال أليساندرو ميشال مصمم دار «غوتشي» وأنطونيو فاكاريللو مصمم «سان لوران» فقد خففا من الجرعة المستقبلية بربط ابتكاراتهما بالماضي. فأجواء عروضهما تأخذنا إلى «ديسكوهات» السبعينات والثمانينات أكثر مما تأخذنا إلى المريخ أو القمر باستثناء ألوانها وبريقها. أليساندرو ميشال أضاف أيضاً جرعة طرافة عليها بكتابته رسائل مثل «الغد أصبح في هذه اللحظة أمساً» و«ماذا سنعمل بكل هذا المستقبل» على بعض القطع. من جهته، قدم أنطونيو فاكاريللو نحو 100 قطعة، فيما يمكن اعتباره من أطول العروض. قسمه إلى قسمين، القسم الأول شمل قطعاً يعرف أنها ستروق لزبونات الدار من الشابات تحديداً. أما القسم الثاني فجاء أكثر جُرأة وبعد أن اعتقد الكل أن العرض انتهى، لتطل علينا العارضات من جديد في أزياء تبرق وتلمع من الرأس إلى أخمص القدمين في بعض الإطلالات. معظمها كان مناسباً للسهرة والمساء وحفلات الكوكتيل وواضح أنها مستقاة من موضة الثمانينات من القرن الماضي، لكن بالنظر إلى طولها وتصاميمها وبريقها فإن إمكانية دخولها مناسبات النهار مفتوحة على الآخر، بمجرد تنسيقها مع ألوان أخرى. كما أن خطوطها وتفاصيلها المستقبلية أنقذتها من الإغراق في الحنين إلى الماضي.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الموضة ليست وليدة الساعة، إذ ظهرت في الستينات على يد باكو رابان وأندريه كوريج وغيرهما، وتزامنت آنذاك مع بداية سباق غزو الفضاء بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي الذي دام تقريباً من عام 1957 إلى 1975.
حالياً يرد البعض أسباب العودة إليها إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة. فكتب التاريخ تشير إلى أن الهروب إلى المستقبل يزيد عندما تكون هذه الأوضاع غير مستقرة، بدليل أن «فرانكشتاين» التي يمكن اعتبارها أول رواية من الخيال المستقبلي لكاتبتها ماري شيلي كتبت في عام 1818 وكانت بمثابة إسقاط الثورة الفرنسية على أحداث كانت تعيشها أوروبا في تلك الفترة.
وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أي إبان الحرب العالمية الأولى، كتب أيتش. جي ويلز عدة كتب تتناول استكشاف الفضاء. فعلى ما يبدو أن الاضطرابات تجعل الناس يُفكرون بالمستقبل أكثر من ذي قبل في محاولة للهروب من الحاضر. ولا يقتصر الأمر هنا على الموضة بل أيضاً على الأدب والسينما، وهو ما تؤكده أفلام صدرت أخيراً، نذكر منها «ذي وولكينغ ديد» و«بلايد رانر 2049» و«حرب النجوم»، إلى جانب أفلام مماثلة يتم العمل على تصويرها حالياً، وستصدر في الخريف المقبل.
ثم لا ننسى أن التكنولوجيا غيرت كثيراً من المفاهيم، بما فيها ثقافة الموضة. فالثورة الرقمية أصبحت لغة الجيل الجديد، وبالتالي بات على الكل تعلمها وإتقانها لمواكبة تسارع إيقاع العصر. بل أصبح من الضروري استباق المستقبل بنسج قصص من الخيال يمكن تسويقها على شكل أزياء وإكسسوارات. كل ما علينا القيام به هو إدخالها إلى خزاناتنا واستعمالها بالطريقة التي يحلو لكل واحد منا تأويلها بها. بعض هؤلاء المصممين يطرحونها بشكل سريالي، لا سيما في الإكسسوارات كما هو الحال بالنسبة لعرض «شانيل» أو بشكل بسيط من خلال قطع صغيرة، قد تكون مجرد كنزة أو قميص أو تنورة. فالمستقبل قد يكون واعداً أو ملاذاً، لكن الهروب إليه لا يجب أن يأتي على حساب الحاضر وما يتطلبه من تسويق هذه المنتجات.


مقالات ذات صلة

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

لمسات الموضة آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

في ليلة الأوسكار منحت المجوهرات جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)

أبرز مجوهرات النجمات في حفل توزيع جوائز الأوسكار

آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)
آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)
TT

أبرز مجوهرات النجمات في حفل توزيع جوائز الأوسكار

آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)
آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

الدورة الثامنة والتسعون من حفل توزيع جوائز أوسكار لم تكن عادية. كان بريقها أقوى من طبول الحرب. فقد جاءت في وقت سياسي واقتصادي غير مريح، وبينما تواجه صناعة الموضة والترف عدة انتكاسات. في هذا السياق لعبت الأزياء والمجوهرات دور الترياق، كأنها لحظة انفصال مؤقت عن واقع مثقل بالأخبار غير المطمئنة. في هذه الليلة منحت جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً، وليس أدل على هذا من عقد يقدر سعره بـ35 مليون دولار تألقت به الممثلة كايت هادسون. فكل هوليوود، رجالاً ونساءً تألقوا بكل ما هو ذهب وألماس.

كل هوليوود تألقت بالذهب والألماس (رويترز)

آن هاثاواي مثلاً اختارت عقداً من مجموعة «إكليتيكا» من دار «بولغاري»، يتوسطه ألماس أصفر فاخر ويتجاوز مجموع وزن أحجاره 35 قيراطاً، نسقته مع فستان زهري من دار «فالنتينو» يستحضر زمن هوليوود الذهبي. تيانا تايلور تميزت أيضاً بإطلالة مؤثرة جمعت فيها فستاناً من دار «شانيل» وعقداً مرصعاً بأكثر من 18 قيراطاً من الألماس من دار «تيفاني آند كو». كذلك الممثلة تشيس إنفينيتي، التي تألقت في «تشوكر» من «ديبيرز لندن» بلغ مجموع وزن أحجاره أكثر من 57 قيراطاً. مرصع بألماس أصفر فائق الشدة بوزن 9.06 قيراط، ونسقته مع أقراد كلاسيكية من الألماس الأبيض، وهلم جرا.

تشيس إنفينتي وعقد من «ديبيرز لندن» (أ.ف.ب)

فبعد أن لعبت دور «كومبارس» للأزياء لسنوات طويلة، كانت المجوهرات في هذه الليلة تهمس بالقصة الأعمق: قصة الحرفية والندرة والتشبت بالإرث، وهو ما جعلها البطلة التي خطفت الأضواء إلى حد أنها اخترقت أناقة الرجل أيضاً من خلال ساعات فخمة و«بروشات» وخواتم وغيرها. بالنسبة للمجوهرات الخاصة بالنجمات، فقد كانت أكثر تنوعاً وسخاءً من ألوان الأحجار والتصاميم والقطع. لكن النصيب الأكبر كان للعقود التي تلتف حول العنق وكأنها تعانقه. أي ما يُعرف بـ«التشوكر»، والذي اعتمدته أغلب النجمات مع فساتين من دون أكتاف أو حمالات حتى يبرَز جماله.

كايت هادسون وعقد يقدر بـ35 مليون دولار من دار «غاراتي» الإيطالية (رويترز)

كايت هادسون، كانت الأكثر جذباً للأنظار، لأنها اختارت أن تكون قصتها إيطالية بكل التفاصيل. ففستانها من مجموعة «جيورجيو أرماني بريفيه» ومجوهراتها من دار «غاراتي». العقد والقطع المرافقة له ضمت ما يقارب 41 قيراطاً من الماسات الخضراء، وهي من أندر الألوان في عالم الألماس. وتقدر قيمة هذه المجموعة بـ35 مليون دولار.

أما أوديسا أزيون، فاختارت مساراً مختلفاً، يجمع بين الطابع البوهيمي العصري والوعي البيئي، إذ ارتدت عدة طبقات من عقود الألماس المزروع مخبريا من «باندورا» مع فستان من مجموعة «فالنتينو» للـ«هوت كوتور». وتجدر الإشارة إلى أن هذه المجوهرات ظهرت في مناسبة سابقة حين ارتدتها باميلا أندرسون في حفل «الميت غالا» عام 2024. إعادة ظهورها في حفل الأوسكار منحها بُعداً مستداماً وكأنها تواصل رحلتها عبر المناسبات.

زوي سالدانا وعقد من «كارتييه» (أ.ب)

زوي سالدانا مالت إلى أناقة كلاسيكية معاصرة، فارتدت فستاناً أسود من الدانتيل من «سان لوران» نسقته مع عقد من دار «كارتييه» مصنوع من البلاتين المرصع بالياقوت الأحمر والماس، وبتصميم هندسي مستهلم من الآرت ديكو.

إيل فانينغ وعقد من «كارتييه» (أ.ف.ب)

إيل فانينغ هي الأخرى اختارت «كارتييه» لتضمن التألق في مناسبة لا تقبل غير ذلك. اختارت فستانا باللون الأبيض صممته خصيصاً لها سارة بيرتون، مصممة دار «جيفنشي». أما العقد فعمره أكثر من مائة عام، إذ يعود تصميمه إلى عام 1904. مُرصَع بألماس دائري وقابل للتحول بحيث يمكن تفكيكه وارتداؤه كقطع مختلفة.


«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
TT

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي فينتشنزو قد عُيِّن مديراً إبداعياً للدار عام 2022، ليُصبح أول مصمم من خارج عائلة «إيترو»، يتولى هذا الدور منذ تأسيسها عام 1968. فالدار حينها كانت تسعى لتجديد دمائها ودخول المنافسة العالمية بلغة معاصرة، مع الحفاظ على إرثها المعروف بنقشاته الغنية وأقمشته الفاخرة.

المصمم ماركو دي فينتشنزو (إيترو)

خلال فترة قيادته، حاول المصمم الإيطالي أن يُعيد قراءة مفرداتها الكلاسكية، ولا سيما نقشة البايزلي التي أصبحت مرادفاً لهوية الدار، وصاغها لعدة مواسم بلغة أكثر حداثة تجمع بين الألوان الجريئة والتصاميم الديناميكية. امتدت هذه المقاربة إلى مختلف أقسام الدار، من الأزياء الجاهزة للرجل والمرأة وأيضاً الإكسسوارات ومنتجات أسلوب الحياة، في محاولة لترسيخ اسم «إيترو» بوصفه علامة تتجاوز حدود الموضة إلى مفهوم أوسع.

اعتمد المصمم على إرث الدار ونقشاته ليصوغه بلغة معاصرة (إيترو)

ورغم أن اسم ماركو دي فينتشنزو لم يصل إلى مرحلة النجومية، فإن سيرته الذاتية تقول إنه قبل انضمامه إلى الدار، شغل في دار «فندي» منصباً بارزاً في قسم المنتجات الجلدية، وكسب الكثير من الاحترام. كما أسس علامة خاصة به استخدم فيها الألوان والأنسجة بشكل مُكثَّف، وهو ما لفت اهتمام «إيترو» من الأساس.

في بيان الوداع، لم تُعلن الدار عن اسم المدير الإبداعي المقبل، واختارت أن تُركِّز على رحيله، بأن أعربت عن امتنانها له وعلى «تفانيه وإسهاماته الإبداعية خلال السنوات الماضية، متمنية له التوفيق في مشروعاته المقبلة».

ومع رحيله تدخل الدار مرحلة جديدة، في وقت تواجه فيه صناعة الموضة تحديات كبيرة، أدت إلى حركة واسعة من التغييرات في المناصب الإبداعية لدى عدد من دور الأزياء الكبرى.


عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».