«غوانتانامو بريطاني» لاحتجاز المتطرفين

غيما وزير الدولة البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: خطط لإنشاء 3 مراكز شديدة الحراسة بمناهج «مناصحة»

«غوانتانامو بريطاني» لاحتجاز المتطرفين
TT

«غوانتانامو بريطاني» لاحتجاز المتطرفين

«غوانتانامو بريطاني» لاحتجاز المتطرفين

ينظر البرلمان البريطاني حاليا تعديل قانون يسمح بإنشاء سجن شديدة الحراسة يودع فيه الأصوليين وأخطر العناصر الإرهابية في البلاد المدانين بالتخطيط وارتكاب جرائم إرهابية أو من يشكلون تهديدا للأمن القومي. كذلك سيستقل السجن الجديد السجناء الذين ينشرون آراء تشجع أو تحرض على الإرهاب أو تعكر الصفو العام أو تدعو لاعتناق الفكر المتطرف وسط زملائهم في السجون العادية.
ومن المقرر بدء تشغيل السجن الجديد المخصص للمتطرفين والذي أطلق عليه بالفعل «غوانتنامو المملكة المتحدة» بمنطقة «إتش إم بي فرانكلاند» بمدينة درهام الشهر المقبل. واختير هذا السجن تحديداً نظراً لإيوائه لعدد كبير من عتاة المجرمين بالفعل، ومن المقرر إضافة وحدتين مشابهتين إضافيتين لسجون أخرى في غضون الأسابيع المقبلة. وصرح وزير مصلحة السجون، سام غيما، في رسالة بريدية لـ«الشرق الأوسط»: يجب محاربة أي نوع من التطرف، ولذلك سعينا لعزل كل من يمثل خطرا لمنع امتداد تأثيرهم إلى باقي السجناء.
وتعتبر هذه المراكز جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى التعامل مع الإرهاب داخل السجون لضمان سلامة وأمن السجناء وكذلك عامة الناس. وبعد إيداع هؤلاء السجناء تلك المراكز الجديدة، سيخضع المسجون لمراجعة كل ثلاثة أشهر ليقرر المسؤولون بعدها مستوى الخطر الذي يمثله؛ هل تراجع؟ وحينها يمكن إعادته إلى السجن العادي أو سيستمر في المركز الجديد شديد الحراسة.
جاءت فكرة استحداث المراكز الجديدة نتاج توصيات لجنة حكومية مستقلة قامت بالتفتيش على عدد من السجون وقدمت توصية بهدف القضاء على التطرف في السجون، وبالفعل استجابت الحكومة وشرعت في التنفيذ.
وتعتبر المراكز الجديدة جزءاً من استراتيجية كبيرة تشمل استحداث وحدة مستقلة تحت اسم «وحدة الأمن والنظام ومكافحة الإرهاب» تكون مسؤوليتها رصد التهديدات الإرهابية المتزايدة والتعامل معها.
كذلك استحداث وحدة جديدة تضطلع بتحليل المعلومات الاستخباراتية، وتوجه النصح للقائمين على السجون في إنجلترا وويلز بشأن التعامل مع تهديدات محددة، والقيام بتدريب العاملين بالسجون على منع استجابة السجناء لإغواء التطرف.
وتشمل الوصايا الجديدة، منع دخول المطبوعات التي تحرض على الإرهاب، واستبعاد كل من يثبت تطرفه الديني داخل السجون العادية.
وتؤكد الإجراءات الجديدة على أهمية تدريب الضباط داخل السجون على كيفية ملاحظة السجناء من أصحاب الميول المتطرفة والإبلاغ عنهم، وإخضاع الأئمة والوعاظ للفحص قبل السماح لهم بالعمل في السجون.
وفي السجن الجديد، سيكون للسجناء الإسلاميين قائمة طعام من اللحم الحلال، وسيحوي كل عنبر جهاز تلفزيون وألعاب كومبيوتر، ومشروبات غازية ومقرمشات.
من جهته، قال وزير الدولة البريطاني لمصلحة السجون سام غيما التابعة لوزارة العدل رداً على أسئلة «الشرق الأوسط» إن هناك خططاً لإنشاء 3 مراكز شديدة الحراسة بمناهج مناصحة لاحتواء الأصوليين المتطرفين أولها سيكون داخل سجن فرانكلاند في مقاطعة درهام البريطانية، بالإضافة إلى مركزين آخرين شديدي الحراسة لاستضافة المتشددين لمنع تجنيد متشددين داخل السجون البريطانية.
وقالت مصلحة السجون البريطانية رداً على أسئلة «الشرق الأوسط» إن عدد الدعاة المسلمين في السجون بأنهم نحو 100 مستشار ديني في وظيفة مستدامة، ونحو 120 داعية بشكل موسمي، وقال إنهم جميعا يخضعون لاختبارات وإجراءات تؤهلهم كدعاة يعرفون كيف يتعاطون مع السجناء المسلمين. إلى ذلك اعترف الشيخ صلاح الأنصاري المستشار في مؤسسة كويليام لمكافحة التطرف في بريطانيا في اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط» بوجود عناصر للتجنيد من قبل المتشددين في السجون حتى في السجون شديدة الحراسة مثل بيل مارش البريطاني الذي احتجز فيه من قبل أبو حمزة المصري (مصطفى كامل مصطفى) الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في سجن ميسوري شديد الحراسة في أميركا بتهم الإرهاب، وعمر محمود عثمان «أبو قتادة الفلسطيني» لسنوات قبل ترحيله إلى الأردن. ويضيف الأنصاري في السجون بين (الإسلاميين) في العادة هناك شخصية «كاريزمية» تتمتع بقوة الشخصية والتأثير، قادرة على جذب السجناء المسلمين نحوها، ومن هنا يسهل التأثير على السجناء وجذبهم نحو أفكار المتشددين. ويعرب الأنصاري عن اعتقاده أن عدد الدعاة في السجون غير كاف مع العدد المتزايد من السجناء المسلمين، مشيراً إلى أن كثيراً من الدعاة غير مدرب أيضاً، بما فيه الكفاية دينيا وفكريا على مواجهة مشكلات التطرف وتجنيد الأصوليين داخل السجون. وقال إن بعض الدعاة يعتنق الفكر «الديوبندي» مع فكر غير قادر على احتواء التصورات المعاصرة، والأفضل هو تطبيق مناهج المناصحة والتأهيل، التي طبقت في عدد من الدول العربية من أبرزها السعودية.
إلى ذلك، قال الدكتور محمد الشرقاوي الذي عمل من قبل في مصلحة السجون البريطانية كداعية وواعظ: «بعد 15 عاماً قضيتها في العمل في السجون البريطانية كان معظمها في خدمة السجناء المسلمين في تلك السجون لا سيما من كان منهم متهما في قضايا الإرهاب والتطرف»، مضيفاً: «كنت في سنوات عملي الأولي قد أعددت برنامجاً للحد من العودة للجريمة» مما حدا بإدارة السجون إلى طلب عمل برنامج للرد على أفكار المتطرفين أو المتشددين وقد قمت بتطبيق هذا البرنامج على عدد من المسجونين في هذه القضايا في عدد من السجون المشددة لمدة ستة أشهر وقد كلفت الإدارة أحد المكاتب الإدارية بعمل دراسة ميدانية لمن تم تطبيق البرنامج عليهم وكانت نتيجة الدراسة مذهلة، حيث أثبتت الدراسة أنه ليست فقط أفكارهم التي قد تغيرت، بل إن ملامح وجوههم ونظرتهم للحياة والمجتمع قد تغيرت أيضاً». وأضاف الشرقاوي في عنابر المتطرفين والمتهمين بالإرهاب: «هناك أفكار متشددة بين السجناء والسبيل الوحيد لمقاومة مثل هذه الأفكار وتغيير آيديولوجيتهم هو مقارعة الفكر بالفكر وليس الفكر بالسيف، وقد أثبت التاريخ أن الفكر لا يقاوم إلا بالفكر وأن إلقاءهم خلف الأسوار المشددة لن يغير من أفكارهم بل يكلف الدولة المزيد من الأموال لرعايتهم، ويمكن اختزال التطرف في السجون بإسناد الأمر إلى المتخصصين الذين يمكنهم مقارعة حجج المتطرفين بالحجج العقلية من الكتب السماوية المعترف بها والتي يؤمن بها الجميع على السواء كما حدث ذلك في مصر وكما يحدث في السعودية الآن في برامج المناصحة.
من جهته، يتذكر ياسر السري (أبو عمار المصري) مدير «المرصد الإسلامي» بلندن وهو هيئة حقوقية تهتم بأخبار الأصوليين حول العالم ثمانية شهور قضاها في سجن بيل مارش شديد الحراسة في مزاعم تورطه بقضية اغتيال أحمد شاه مسعود زعيم التحالف الشمالي الأفغاني قبل يومين من هجمات سبتمبر (أيلول) عام 2001، خلال الفترة التي قضاها في السجن، من أكتوبر (تشرين الأول) 2001 إلى مايو (أيار) 2002 قبل تبرئته وإخلاء ساحته، في عنبر الفئة الأولى بالسجن، والذي أطلق عليه الحراس «عنبر بن لادن، لأنه كان يحتجز فيه مشاهير السجناء ببريطانيا الذين ينتظر محاكمتهم بتهم التطرف».
وأضاف أبو عمار: «إن التضييق كان على أشده في عنبر الفئة الأولى بسجن بيل مارش، بلندن، وكان يسمح بوقت قليل فقط للمشاركة في صلاة الجمعة». وتطرق إلى أن أغلب الحرس كانوا لا يحبذون الخدمة في «عنبر بن لادن» خوفا من التأثير على أحوالهم النفسية».
وتذكر أبو عمار زميله في «عنبر بن لادن» السجين فيصل الجامايكي الذي رحل لاحقا إلى بلاده، بالعقاب الذي نزل عليه لأنه في خطبة الجمعة المراقبة في السجن استشهد بآية قرآنية تقول: «الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم». وقال: «الحبس الانفرادي في العنبر كان يقترب من 23 ساعة في اليوم، وساعتين فقط للفسحة».
إلى ذلك، تذكر الدكتور هاني السباعي مدير مركز «المقريزي للدراسات بلندن» سجن بيل مارش الذي احتجز فيه عقب اعتقاله في عملية «التحدي» عام 1998، مع مجموعة من الأصوليين المصريين منهم أسامة حسن، وإبراهيم عيدروس (اتهم في قضية تفجير السفارتين وتوفي لاحقاً بعد خروجه من السجن)، وسيد عبد اللطيف، وسيد معوض. وقال السباعي إن «بيل مارش» سجن نموذجي أشبه بغابة إلكترونية، والسجن كان في الأساس لاحتجاز عناصر الجيش الجمهوري الآيرلندي، واحتجز فيه لاحقا أبو حمزة المصري وعادل عبد المجيد، كلاهما معتقلان الآن في أميركا، وأبو قتادة، وبابر أحمد، ورشيد رمضة مسؤول الجماعة الإسلامية في أوروبا، ويعتبر رمضة أقدم الإسلاميين الذين احتجزوا في هذا السجن قبل ترحيله، إلى فرنسا». وأوضح السباعي أن أكثر ما كان يضايقه في سجن بيل مارش هو كثرة التفتيش من قبل الحراس، كلما هم لتلقي زيارة أو لقاء محاميه، وأشار إلى أنه كثيرا ما كانت تحدث مشكلات كلما همت الحارسات بتفتيشه، لأن ذلك يتعارض مع معتقداته الدينية».
من جهة أخرى، حذّرت رابطة ضباط السجون البريطانية من مغبّة استنساخ تجربة سجن غوانتنامو الأميركي بعد خطة حكومية ترمي إلى عزل من يوصفون بمتشددين في عنابر خاصة داخل السجون. وأبدى ستيف غيلان، الأمين العام للرابطة، معارضته الشديدة لتأسيس مثل هذه العنابر الخاصة، قائلاً إن مثل هذا النوع من العزل يعطي هؤلاء المسجونين نوعاً من المصداقية بين أقرانهم، فضلاً عن تسييس المساجين. وأضاف غيلان، أن هناك تخوفاً من أن يسعى بعض الأشخاص لارتكاب أمورٍ معينة كي يتم تحويلهم لمثل هذه الوحدات والعنابر لينالوا مصداقية.
كما أضاف لقناة «سكاي نيوز» البريطانية أن نسبة ضباط السجون قد تقلّصت بنسبة 35 في المائة، مقارنةً بما كان عليه الوضع عام 2010، نتيجة تخفيض الميزانيات.
وكانت مصادر الداخلية البريطانية ذكرت أنه لا يجب أن يتم السماح بـ«استمرار تسميم بعض المسجونين لأقرانهم بآيديولوجيات داخل السجون». كما أشارت إلى خطورة أن يتحول من تصفهم بالمسجونين لمتطرفين أكثر تأثيراً عندما يصبحون مع بعضهم بعضا، لذلك ينبغي إبعادهم عن بعض أيضاً كي لا يتعاونوا على إحداث مشكلات، على حد قولها.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.