يوسف الشاهد: ما حققته حكومة الوحدة الوطنية غير كافٍ إذا قارناه بانتظارات الشعب

رئيس الحكومة التونسية أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إلا بطفرة اقتصادية

يوسف الشاهد (رويترز)
يوسف الشاهد (رويترز)
TT

يوسف الشاهد: ما حققته حكومة الوحدة الوطنية غير كافٍ إذا قارناه بانتظارات الشعب

يوسف الشاهد (رويترز)
يوسف الشاهد (رويترز)

قال يوسف الشاهد، رئيس الحكومة التونسية، إن بلاده ستعرف انطلاقة اقتصادية مهمة خلال الفترة المقبلة، وعزا الاحتجاجات الاجتماعية الحالية والخلافات الحادة بين الحكومة ونقابة العمال إلى تخلي الحكومة خلال السنوات الأولى، التي تلت ثورة 2011، عن الملفات الاقتصادية، وتوجيه الاهتمام أكثر نحو إرساء المؤسسات الدستورية.
واعتبر الشاهد، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في تونس العاصمة، أن المشكل الرئيسي، الذي تواجهه تونس في الوقت الراهن، مشكلة البطالة وتوفير الشغل للتونسيين. ودعا المستثمرين في الخليج العربي إلى استئناف استثماراتهم في تونس خلال المنتدى الدولي للاستثمار المنتظر عقده يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، مؤكدا أن الحكومة هيأت الظروف المناسبة للاستثمار من خلال وضع ترسانة من القوانين ذات الطابع الاقتصادي. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار.
* كيف تقيمون اليوم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في تونس؟
- يمكن اختصار الإجابة في كلمة «لا بأس». فبعد أكثر من سنوات من اندلاع الثورة، استكملنا بنجاح عمليات البناء المؤسساتي، وأرسينا ركائز العمل الديمقراطي، وكان العمل الأساسي متمحورا حول الجوانب السياسية والأمنية.
لكن بعد ذلك استفقنا لنكتشف أن هذه الجوانب، ورغم أهميتها الكبيرة، لا تكفي لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خصوصا أن الملفات الاقتصادية تركت جانبا طوال السنوات الماضية، ولذلك جاء الآن الدور عليها، رغم أنها متشعبة ومعقدة للغاية. لكن لدينا أمل كبير في تجاوز هذه الظروف الاستثنائية في تاريخ تونس.
* هل تعتبر أن المشكل الرئيسي في تونس حاليا سياسي أم اجتماعي واقتصادي؟ أم مشكلات متداخلة؟
- كما قلت، فقد نجحت ثورة 2011 في ضمان الانتقال السياسي، ولكن تبقى الرهانات الاجتماعية والاقتصادية ذات أهمية مضاعفة، على اعتبار أن التونسيين بحاجة إلى تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحسين الخدمات الحياتية، وهي كلها قضايا كبرى تتطلب إمكانات مالية ضخمة.
* ألهذه الأسباب أنتم مقدمون على تنظيم منتدى دولي لجلب الاستثمارات الخارجية إلى تونس؟
- بالفعل. فنحن نعمل منذ فترة تسلمنا أعباء السلطة على ترسيخ صورة جديدة عن تونس لدى مختلف الأطراف الاقتصادية الفاعلة، سواء على مستوى محلي أو دولي. ونحن على يقين بأن تونس تملك اليوم مختلف عوامل النجاح الاقتصادي والاجتماعي، بعد النجاح في تأمين الظروف السياسية والأمنية المناسبة، تماما مثل ما هو موجود في معظم الدول الديمقراطية.
* لكن ما الذي يميز الوجهة التونسية عن غيرها من دول المنطقة؟ وهل بلغت تونس مرحلة الاستقرار السياسي الفعلي الذي يشجع المستثمرين على التوجه إليها باطمئنان؟
- أنا لا أقول إن تونس حققت الاستقرار الكامل، لكنها تبقى وجهة تنافسية مهمة على مستوى القارة الأفريقية، وذلك بفضل اليد العاملة المتخصصة، والقرب الجغرافي من أوروبا، وتوافر المنتجات ذات الجودة. ولهذه الأسباب هناك أكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة استثمارية أجنبية تنشط في تونس. أضف إلى كل هذا فإن تونس باتت اليوم وجهة ديمقراطية بالنسبة للمستثمرين، الذين يجدون فيها ضمانات ضد التعسف والتسلط واستغلال النفوذ.
* لكن ثمار التحول السياسي لم تظهر بعد على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وما زالت البلاد تعيش على وقع الاحتجاجات والمطالب المتكررة بالزيادة في الأجور؟
- كل ما أنجزناه من قوانين مشجعة على الاستثمار والاستقرار سيعطي ثماره في القريب العاجل، وربما يمثل المنتدى الدولي للاستثمار المزمع تنظيمه نهاية هذا الشهر انطلاقة فعلية للملفات الاقتصادية. لقد هيأنا كل ظروف النجاح، على غرار القانون الجديد للاستثمار، وقانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وقانون دفع النمو الاقتصادي، ولكل هذه الأسباب لا نظن أن النتائج الإيجابية ستتأخر كثيرا. ونحن نعترف أننا بددنا وقتا طويلا في الانتقال السياسي الذي ركزنا عليه كثيرا، ولكن تلك ضريبة الانتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر أكثر عدالة ومساواة.
* وهل هناك بوادر مشجعة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي رغم أن ميزانية 2017 لا تزال موضوع تجاذب قوي مع نقابة العمال؟
- لاحظنا خلال الأشهر الماضية عودة القطاع السياحي إلى الانتعاش، واسترجاع إنتاج مادة الفوسفات لبعض مؤشراتها الإيجابية، وهذا أمر مشجع وستظهر ثماره قريبا. وأعتقد أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن تحقيقه إلا بطفرة اقتصادية فعلية تغير حياة التونسيين.
* وماذا عن دور الاستثمارات الخليجية في دفع التنمية في تونس، خصوصا أن كثيرا من المستثمرين الخليجيين أبطأوا نسق استثماراتهم بعد ثورة 2011 في انتظار ضمان الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي؟
- دعونا رجال الأعمال الخليجيين إلى المشاركة الفعالة في المنتدى الدولي للاستثمار، واليوم نرى أن دولة قطر أصبحت من بين الشركاء في الإعداد وتنظيم هذه المناسبة الاقتصادية الدولية. وقد قابلت مؤخرا عددا من المستثمرين من دول الخليج العربي الذي أعربوا عن دعمهم لتونس. وخلال الفترات الأخيرة توجه وزير الخارجية التونسي إلى بعض دول الخليج، وعلى رأسهم السعودية والإمارات وقطر، وقد لاقت زيارته اهتماما كبيرا من قبل المستثمر الخليجي.
* ما حقيقة علاقة تونس بصندوق النقد الدولي في ظل الانتقادات الكثيرة الموجهة إلى الحكومة بتنفيذ تعليمات هذه المؤسسة المالية الدولية بما يهدد الاستقرار الاجتماعي؟
- علينا أن نعرف أن كل الدول تتعاون مع صندوق النقد الدولي، باعتبارها أعضاء مساهمين في هذا الهيكل المالي، ومن حقها الانتفاع بمزاياه عند الاقتراض والبحث عن تمويلات مالية. وما نراه من حوار اجتماعي بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل (كبرى نقابات العمال) أعتبره عنصرا إيجابيا يؤكد انفتاح تونس على مكوناتها كافة، وأنا متفائل كثيرا بالتوصل إلى حلول للخلافات الحاصلة بين مختلف الأطراف.
لقد ساهمت نقابة العمال طوال تاريخها في الحراك الاجتماعي، وساهمت بفاعلية في ضمان الانتقال السياسي في تونس، ومن المنتظر أن تبعث برسائل إيجابية لإيجاد حل لمشكلات الزيادات في الأجور، التي لم نلغها. ولكن دعونا إلى تأجيلها إلى حين انفراج الوضع الاقتصادي.
* تحدثتم كثيرا عن بوادر تحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، لكن هناك نحو 630 ألف عاطل عن العمل، مع نسبة نمو اقتصادي ضعيفة لا تزيد على 5.1 في المائة، فكيف يمكن الخروج من هذه الوضعية؟
- إن الهدف من الدعوة إلى تأجيل الزيادات في الأجور، والرفع من مساهمات بعض المهن على مستوى الجباية، هو تحسين الموازنات المالية العمومية، ومن ثم الالتفات إلى مشكلات البطالة والتنمية والتفاوت بين الجهات. ولتحقيق هذه الانطلاقة الاقتصادية سعينا خلال المنتدى الدولي للاستثمار إلى تقديم مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وأجرينا دراسات دقيقة لعدة مشاريع، أهمها مشاريع البنى التحتية والطاقات المتجددة، ونحن ننتظر تفاعلا إيجابيا معها من قبل المستثمرين العرب والأجانب.
* لكن تجربة تونس مع الوعود الدولية في مجال الدعم الاقتصادي لم تكن إيجابية بعد ثورة 2011، حيث تلقت عدة وعود لكنها بقيت حبرا على ورق.
- هذا صحيح، غير أن المناسبة الجديدة ستكون مختلفة، ذلك أن الحكومة التونسية ستتقدم بمشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وستركز على المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، ونحن ننتظر إمضاءات وإعلانات صريحة بتمويل تلك المشاريع من قبل المشاركين في المنتدى الدولي للاستثمار، ولدينا ثقة تامة بنجاح هذا المنتدى في جلب استثمارات مهمة إلى الاقتصاد التونسي.
* توليتم رئاسة الحكومة قبل نحو ثلاثة أشهر، ما تقييمكم لنتائج هذه الفترة؟
- واجهت حكومة الوحدة الوطنية كما هائلا من الصعوبات، واعتمدت لغة الحوار في علاقتها مع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية، ومرت كل مؤسسات الدولة بفترة صعبة. لكن لدينا ثقة كبرى في تجاوز هذه الصعوبات.
* نفيتم قبل تسلمكم رئاسة الحكومة ترشحكم لهذا المنصب، لكنكم قبلتم به عندما كلفكم الرئيس التونسي بصفة رسمية، ما الذي دفعكم إلى القبول؟ وهل ندمتم على توليكم هذه المهمة الصعبة؟
- لولا وجود تلك الصعوبات لما جاءت حكومة الوحدة الوطنية، التي أشركت أكثر من طرف سياسي ونقابي في تركيبتها. لقد كنت خلال تلك الفترة وزيرا للشؤون المحلية ومنضما للعمل الحكومي والسياسي، وقد لبيت الواجب نظرا للوضع الصعب الذي تمر به تونس، ولمصلحتها ومن أجلها دخلنا العملية السياسية وقبلنا التحدي، ولن نندم أبدا على قرارنا خدمة تونس.
* لكن فترة توليكم الحكم عرفت عدة انتقادات، بما يوحي أن حكومة الوحدة الوطنية لم تحقق الشيء الكثير.
- هناك انتقادات، ولكن بالتوازي مع ذلك هناك صعوبات جمة. ونحن نعتقد أننا حققنا كثيرا من النتائج الجيدة. فقد أعدنا إنتاج الفوسفات في مناجم المظيلة (جنوب غربي) بعد أشهر طويلة من انقطاع الإنتاج، وتوصلنا عبر الحوار إلى حلول مع عدد من الاحتجاجات الاجتماعية، على غرار اعتصام شركة «بتروفاك» البريطانية العاملة في مجال المحروقات، كما عالجنا مشكلة النظافة، وعملنا على تحسين عدة مؤشرات اجتماعية واقتصادية. لكن هذه النتائج غير كافية إذا قارناها بمستوى انتظارات التونسيين.
لقد واجهنا صعوبات مختلفة، ولكن ما يهمنا اليوم هو عدم توقف آلة الإنتاج، من خلال اعتماد الحوار في المقام الأول، وتطبيق القانون في حال عدم نجاح الحوار. لقد حققنا ما نقدر عليه، وهو مهم مقارنة مع حجم التحديات.
* برأيكم ما أهم مشكل تعاني منه تونس؟
- اهتمامنا منصب حاليا على التشغيل، لأنه المشكل الأساسي والأهم، وأعتقد أنه أكثر أهمية من أي خلاف سياسي أو اجتماعي في البلاد. ونحن على وعي كبير بأن حل معضلة البطالة في صفوف الشباب سيقينا كثيرا من المشكلات والمصاعب والإفرازات غير المحبذة، ومن بينها ظاهرة الإرهاب والانحراف السلوكي بمختلف درجاته.



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».