تقرير دولي: ارتفاع عدد ضحايا النزاعات في العالم رغم تراجع حدة بعضها

سقوط 167 ألف قتيل في 6 نزاعات بالعالم في عام 2015.. غالبيتهم في سوريا

تقرير دولي: ارتفاع عدد ضحايا النزاعات في العالم رغم تراجع حدة بعضها
TT

تقرير دولي: ارتفاع عدد ضحايا النزاعات في العالم رغم تراجع حدة بعضها

تقرير دولي: ارتفاع عدد ضحايا النزاعات في العالم رغم تراجع حدة بعضها

كشف تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، أمس، أن العام الماضي كان دمويًا رغم تراجع عدد النزاعات المسلحة، إذ «سقط نحو 167 ألف إنسان جراء ستة صراعات مسلحة كبرى، ثُلثهم في سوريا وحدها». وقال المعهد في تقريره السنوي الذي صدر أمس، حول دراسة النزاعات المسلحة التي يشهدها العالم، إن «النزاع المسلح الدائر في سوريا منذ سنة 2011 خلف 55 ألف قتيل في العام الماضي»، لافتا إلى أن «هذا العدد يبقى أقل من عام 2014، لكنه لا يزال يشكل 66 في المائة من العدد الإجمالي للضحايا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وثلثه على نطاق العالم».
وحسب التقرير السنوي الذي أعلن عنه، أمس، في لندن، فإن «80 في المائة من هؤلاء قتلوا في 6 صراعات مسلحة كبرى في سوريا وأميركا اللاتينية والمكسيك وأفغانستان ونيجيريا والعراق».
كما أشار الخبراء إلى أن «عدد الضحايا ارتفع بشكل سريع جراء النزاع في أفغانستان، حيث قتل 15 ألف شخص عام 2015، بالمقارنة مع 3500 ألف شخص عام 2103، حين كانت قوات (إيساف) الدولية تقدم المساعدة الأمنية للبلاد».
وقتل ثُلث هؤلاء في سوريا وحدها حسبما أبرز التقرير السنوي، حيث «بلغ عدد قتلى الحرب الأهلية في سوريا العام الماضي نحو 55 ألفا، في حين قتل أكثر من خُمس ضحايا الصراعات المسلحة في العالم العام الماضي في المكسيك أو أميركا اللاتينية».
وفقد عدد أقل من الناس حياتهم في دول أفريقية واقعة جنوب الصحراء الغربية، وذلك على الرغم من الحرب على منظمة «بوكو حرام» في نيجيريا.
وأظهر التقرير أن الحكومات في كل من العراق وسوريا والصومال واليمن نجحت عام 2015 في استعادة مناطق كانت تحت سيطرة متمردين، وحدث ذلك غالبا بمساعدة مدفعية أجنبية، حسبما قال رئيس المعهد، جون تشيبمان.
ونقل التقرير السنوي عن المدير العام للمعهد، جون تشيبمان، قوله إن «عدد اللاجئين والنازحين في العالم جراء النزاعات المسلحة ارتفع من 33 مليون شخص في عام 2013، و43 مليونا في عام 2014، إلى 46 مليونا في منتصف عام 2015 بحسب المعطيات المتوفرة».
واستعادت القوات الحكومية في العراق، وسوريا، ونيجيريا، والصومال، واليمن الأراضي التي كانت تحت سيطرة الجماعات الإرهابية المسلحة. ولقد تمكنت القوات الحكومية من إنجاز هذه الأهداف في غالب الأمر بمساعدة الحلفاء الأجانب، حيث أدى التدخل العسكري الروسي في سوريا إلى تمكين الحكومة السورية من التحول من الدفاع إلى الهجوم واستعادة 10 آلاف كيلومتر مربع من الأراضي، بما في ذلك البلدات والمدن إلى الجنوب والشرق من حلب، وبلدة القريتين في حمص، والأجزاء الاستراتيجية المهمة من درعا، واللاذقية، وحماه.
وأدى ارتفاع وتيرة الغارات التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق وسوريا إلى تحقيق مزيد من الانتصارات على الأرض، في حين أن القوات الإيرانية ساعدت في شن الهجمات مع القوات الحكومية، بما في ذلك عملية استعادة مدينة تكريت.
وفي نيجيريا، أعلن الجيش استعادة جميع البلدات التي سيطرت عليها من قبل جماعة بوكو حرام في عام 2014. وفي معرض القتال المضاد، كان الجيش النيجيري يتلقى المساعدة من قوة الاتحاد الأفريقي متعددة الجنسيات، التي تضم قوات من كل من تشاد والكاميرون والنيجر وبنين.
وفي الصومال، نفذت القوات المسلحة الوطنية الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي هجمات ناجحة ضد معاقل حركة الشباب في الجنوب. كما تمكنت القوات المسلحة من استعادة البلدات والقرى الواقعة في إقليم غيدو، وباكول، وباي. وشنت السعودية وحلفاؤها من دول الخليج الغارات الجوية ضد المتمردين في اليمن، ثم أرسلت المستشارين العسكريين والمدربين، ثم بالقوات العسكرية، لمساعدة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي على استعادة عدن وأربع محافظات أخرى من المتمردين الحوثيين.
وصعدت مصر وتركيا من قتالهما ضد الجماعات الإرهابية المسلحة، لكن من دون إحراز أي مكاسب إقليمية بارزة. فيما عزز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبضته على السلطة في البلاد وينفذ سياسة أكثر قوة وصرامة ضد الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء.
وردت الحكومة التركية على زيادة التهديدات الإرهابية بالدفع بمزيد من القوات العسكرية، وقصف معسكرات حزب العمال الكردستاني في الدول المجاورة، وتسعى لبسط سيطرتها على المدن الجنوبية الشرقية وانتزاعها من أيدي المتمردين. وتظهر قاعدة بيانات الصراعات المسلحة أن الضحايا المسجلين في تركيا عام 2015 كانت في أعلى ارتفاع لهم خلال 15 عاما، مما عاد بالبلاد مرة أخرى إلى مستوى العنف الذي كان مشهودا قبل اعتقال الزعيم الكردي عبد الله أوجلان.
ولاحظت «الشرق الأوسط» في الطبعة السابقة من مسح الصراعات المسلحة أنه منذ عام 2008 كان هناك انخفاض في عدد الصراعات النشيطة، لكن مع الزيادة المطردة في عدد الضحايا. وفي عام 2015، توقف الارتفاع السريع في عدد الضحايا، في حين استمرت جميع الصراعات الرئيسية النشطة. وعلى الصعيد العالمي، ارتفع عدد ضحايا الصراعات إلى 167 ألف قتيل. ونصف هذه الوفيات سجلت في الصراعات المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع زيادة تقدر بـ21 في المائة في دول أميركا اللاتينية.
وفي هذه المناطق، لا يزال عدد الضحايا مرتفعا للغاية مع وجود إشارات طفيفة على تحرك الصراعات نحو التهدئة أو التسوية. ووفقا لحساباتنا المحافظة، فلقد انخفض إجمالي عدد الوفيات في سوريا في عام 2015 إلى 55 ألف قتيل - ومع ذلك فإن هذا الرقم يساوي ثلث إجمالي الضحايا المسجلين على مستوى العالم. ولقد ارتفع عدد ضحايا الصراعات بصورة كبيرة في تركيا ومصر واليمن - وصولا إلى 2000، و3000، و7500 قتيل، على التوالي. ونقدر أن توقعات التسوية أو تخفيض حدة الصراع باتت أكثر بعدا عن التحقق في تلك الصراعات الثلاثة المذكورة، كما أن الصراع العراقي لن يشهد نهاية قريبة بحال، أو في الأراضي الفلسطينية، أو في لبنان. بينما أشاع وقف إطلاق النار في سوريا حالة من الأمل للوصول إلى تسوية سلمية، كما كانت آثار أربع سنوات من الحرب المشتعلة للتخلص من القوات الحكومية هناك، ولكن لدى خبراء المعهد الاستراتيجي بلندن الشكوك أن تنتهي الحرب الأهلية السورية في أي وقت قريب.
وحول تعلق الأمر بالصراع الأفغاني فقد سجل أكبر ارتفاع في عدد الضحايا وصولا إلى 15 ألف قتيل، في حين كان الرقم المسجل قبل عامين فقط لا يتجاوز 3500 قتيل، مما يؤكد تدهور الوضع الأمني في البلاد منذ الانسحاب التدريجي لقوات «إيساف الدولية». ويقول الخبراء إن عدد الوفيات ارتفع بشكل ملحوظ في معركة نيجيريا مع الإرهاب وجماعة بوكو حرام، وصولا إلى 11 ألف قتيل مقارنة بـ7 آلاف قتيل في عام 2004.
من جانبها، قالت أنستاسيا فورونكوفا، إحدى المساهمات في وضع التقرير، إنه «رغم تراجع عدد النزاعات المسلحة في العالم، إلا أن عدد الضحايا ارتفع كثيرًا».
وتضيف فورونكوفا: «لكن التقرير يكشف أيضًا أن عدد الضحايا في 2015 انخفض قليلاً عن العام الذي سبقه، فقد تراجع من 180 ألف إنسان إلى 167 ألفًا. ومن الضروري الإشارة إلى أن نصف عددهم ذهبوا ضحية النزاعات في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والحرب الأهلية في سوريا وحدها تسببت في مقتل نحو ثلث هذا العدد».



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».