دفع إسقاط تركيا طائرة روسية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي عند الحدود السورية أمس، العلاقات بين البلدين، إلى حافة الهاوية، بعد النبرة العالية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اتهم أنقرة صراحة بـ«التواطؤ مع الإرهاب»، فيما لم ترتسم بعد صورة المشهد الميداني على الأرض في ظل معلومات عن حصول مواجهة غير مباشرة بين البلدين في منطقة جبل التركمان الحدودية، التي تشهد مواجهات حامية منذ نحو أسبوع.
وفيما وصف بوتين إسقاط تركيا لطائرة (سو - 24) الروسية بأنه «طعنة في الظهر من جانب القوى المتواطئة مع الإرهاب»، وحذر في تصريحات حادة اللهجة من أن «روسيا لن تتسامح مع جريمة مثل مهاجمة الطائرة الروسية»، احتمت تركيا بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي عقد اجتماعا ليل أمس في أراضي تركيا، البلد العضو في الحلف. علما أن حادثة إسقاط الطائرة، تعد التصعيد الأكبر في العلاقة بين الحلف وروسيا، كونها المرة الأولى التي يتم فيها إسقاط طائرة روسية من قبل دولة في الحلف. وقالت مصادر تركية غير رسمية لـ«الشرق الأوسط» أن أنقرة فتحت حدودها أمام آلاف المتطوعين الأتراك الذي شاركوا في عمليات الدفاع عن مناطق جبل التركمان التي تسكنها أغلبية تركمانية سورية متحالفة مع أنقرة. وأشارت المصادر إلى أن كميات كبيرة من الأسلحة والمقاتلين وصلت خلال الأيام الماضية إلى المنطقة مما غير من وجهة المعركة فيها.
وأكد بوتين خلال استقباله أمس العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بأن «الطائرة الروسية لم تكن تشكل أي تهديد لتركيا بأي حال من الأحوال»، لافتًا إلى أنها كانت تقوم بعمليات قصف لمواقع بالقرب من اللاذقية، حيث تتمركز مجموعات من الإرهابيين غالبيتهم من أبناء القوقاز. ووجه الرئيس الروسي اتهامات مبطنة لتركيا بأنها تدعم المجموعات الإرهابية حين أشار إلى أن بلاده رصدت منذ زمن نقل كميات كبيرة من النفط من سوريا إلى تركيا، وهذا حسب قوله: «مصدر تغذية مالي كبير للمجموعات الإرهابية»، التي «تحظى إلى جانب ذلك بدعم جيوش بعض الدول». واستغرب الرئيس الروسي كيف تقوم تركيا بدعوة الـ(ناتو) لبحث الحادثة، قائلاً إنهم «يدعون لهذا الاجتماع وكأن الطائرة التي أسقطت تركية وليست طائرة روسية». وبعد تذكيره بأن بلاده كانت تنظر إلى تركيا على أنها ليست مجرد شريك بل وكدولة صديقة، استطرد بوتين محذرا وبلهجة صارمة من أنه «سيكون للحادثة تأثير كبير على العلاقات الروسية - التركية».
وفي المقابل، بدت تركيا وكأنها تحاول امتصاص صدمة الحادثة، لكنها أكدت في المقابل إصرارها على منع أي خرق لحدودها وأي تهديد أمني. وقالت مصادر رسمية تركية لـ«الشرق الأوسط» أن أنقرة مصرة على العلاقات الطيبة مع روسيا، لكنها لن تتهاون في مسألة أمن حدودها وسيادتها. وقللت المصادر من خطورة الحادثة التي وصفتها بأنها «معزولة»، مؤكدة أن ليس في نية تركيا الدخول في مواجهات مع أحد، لكنها متمسكة بالدفاع عن سيادتها. وأشار المصدر إلى أن تركيا نسقت مواقفها بعد الحادثة مع حلفائها في الـ«ناتو»، نافيًا أي تنسيق مع الأميركيين قبل العملية.
وقال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، إنه «يجب على العالم بأسره أن يعلم أننا سنقدم كل التضحيات، ونتخذ جميع التدابير عندما يتعلق الأمر بأمن حدودنا وحياة وكرامة مواطنينا، وينبغي تناول رد فعل قواتنا المسلحة الفوري لانتهاك الطائرات للأجواء التركية اليوم في هذا الإطار». وأضاف: «ليست لدينا أطماع بأراضي أي دولة أخرى، وعلى الجميع أن يدرك أنّ لتركيا حق الدفاع عن أمن أراضيها، لا سيما أننا نبّهنا إلى ذلك مرارًا، وأكدنا عليه خلال اجتماعنا الأمني الأخير، وإنّ رد تركيا على انتهاك أجوائها وأراضيها رغم التحذيرات المتكررة، حق قومي ودولي».
ودعا داود أوغلو المجتمع الدولي، لإطفاء النار في سوريا، مضيفًا: «رسالتنا واضحة حيال من يقصف تركمان «باير بوجاق»، وعرب حلب، وأكراد وعرب وتركمان إعزاز (مدينة في ريف حلب)، سواء كان النظام السوري، أو التنظيمات الإرهابية، أو أي عناصر خارجية، فالشعب السوري يستحق الحياة بسلام وكرامة مثل بقية الشعوب».
وأكد داود أوغلو أن «على العالم بأسره أن يكون مدركا وواثقا من أننا سنقوم بما يلزم، من أجل إحلال السلام في تركيا ومحيطها، وضمان ديمقراطية وطمأنينة وأمن بلادنا داخل حلقة النار هذه».
وترأس رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان ليلا اجتماعا أمنيا لبحث آخر التطورات في المنطقة حضره رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، ورئيس الأركان خلوصي آكار، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، وبعض الوزراء.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية استدعاءها الملحق العسكري في السفارة التركية في موسكو على خلفية «مهاجمة مقاتلات إف - 16 تابعة لسلاح الجو التركي طائرة سو - 24 - روسية وإسقاطها»، فيما طالب رومان خودياكوف العضو في مجلس الدوما عن الحزب الليبرالي الديمقراطي بإطلاق عملية برية لإنقاذ الطيارين الروس. وفي حديث له على واحدة من محطات الإذاعة الروسية أعرب البرلماني الروسي عن قناعته بضرورة بدء عملية برية واتخاذ كل التدابير اللازمة لتحرير الطيارين الروسيين من الأسر». ومن مجلس الدوما أيضًا طالب نيكولاي ليفتشيف نائب رئيس المجلس الوكالة الفيدرالية للنقل الجوي النظر في إمكانية وقف الرحلات الجوية بين روسيا وتركيا «إلى حين اتخاذ التدابير الشاملة لتفادي كل مصادر التهديد الإرهابي في المطارات التركية». وكتب ليفتشيف في خطاب وجهه إلى ألكسندر نيرادكو مدير وكالة النقل الجوي الروسية: «في ظل الظروف التي لا يمكن معها وصف علاقة تركيا مع (داعش) الإرهابي بأنها علاقات سلبية، هناك مخاطر كبيرة من احتمال تسلل مقاتلين من (داعش) إلى المطارات التركية، وهو ما قد يؤدي إلى رفع مستوى التهديد الإرهابي للطائرات الروسية». وقال ليفتشيف إنه لا بد من الحد من الخطر الذي قد يحدق بالمواطنين الروس في تركيا «ولهذا من المجدي وقف الرحلات الجوية مع تركيا وإجلاء الرعايا الروس من هناك، والتفكير باستدعاء سفيرنا من أنقرة للتشاور».
وفي خلفية ردود الفعل الأولية، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلغاء زيارة كانت مقررة له اليوم إلى أنقرة، وقال للصحافيين إنه لا بد من التأكيد على أن «التهديد الإرهابي الذي يتسرب عبر تركيا آخذ بالتنامي» و«دون الربط مع الحادثة التي وقعت اليوم» ويقصد حادثة إسقاط مقاتلات تركية للطائرة الروسية أمس. وأعرب لافروف عن يقينه بأن «مستوى الخطر الإرهابي في تركيا ليس أقل مما هو عليه في مصر»، مستطردًا أن وزارة الخارجية الروسية لهذا السبب تنصح المواطنين الروس بعدم السفر إلى تركيا.
إلى ذلك، قالت وزارة الدفاع الروسية إن نتائج تحليل بياناتها الخاصة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن المقاتلة الروسية لم تخترق الأجواء التركية. وأن طائرة «إف16» تابعة للسلاح الجوي التركي أسقطت الطائرة الروسية أثناء عودتها إلى قاعدة حميميم الجوية، بعد تنفيذها مهامها القتالية.
هذه الحادثة استدعت رد فعل سريع من جانب الخبراء والمحللين الروس أيضًا وطالب البعض بقطع العلاقات مع تركيا، وهناك من كرر الدعوات لإرسال قوات برية من أجل إنقاذ الطيارين الروس، وكانت هناك أصوات تدعو إلى التريث وترك الأمر للسياسيين يتخذون التدابير اللازمة بعد تحليل شامل لما جرى. أما المحلل السياسي مكسيم يوسين من صحيفة «كوميرسانت» فقد اعتبر أن حادثة الطائرة تبدو وكأنها عمل استفزازي متعمد، جاء في الوقت الذي تنتظر فيه موسكو الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لاتخاذ قرار حول إمكانية التعاون بين روسيا والغرب في الحرب على الإرهاب. ويرى يوسين أن هذا التطور لا يرضي إردوغان، لأن التعاون بين موسكو والغرب سيعني بقاء الأسد خلال المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يرفضه إردوغان، ولهذا «ستفعل تركيا كل ما بوسعها كي تنتهي العملية العسكرية الروسية في سوريا بالفشل وبحيث لا تتمكن موسكو من الاتفاق مع الولايات المتحدة وأوروبا على العمل المشترك في سوريا، وفق ما يرى المحلل السياسي الروسي مكسيم يوسين.
تركيا تسقط طائرة روسية وتحتمي بـ«الناتو».. وبوتين يتهمها بالتواطؤ مع الإرهاب
العملية تدفع العلاقات بين البلدين إلى حافة الهاوية.. ومواجهات بالواسطة بين الطرفين في سوريا
لقطات فيديو تظهر طائرة السوخوي الروسية من إصابتها حتى سقوطها في إقليم هاتاي بجنوب غربي تركيا أمس (رويترز)
تركيا تسقط طائرة روسية وتحتمي بـ«الناتو».. وبوتين يتهمها بالتواطؤ مع الإرهاب
لقطات فيديو تظهر طائرة السوخوي الروسية من إصابتها حتى سقوطها في إقليم هاتاي بجنوب غربي تركيا أمس (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










