سباق على الجنوب السوري بين التسوية والتصعيد... وإيران «عقدة» الحل

واشنطن تنصح المعارضة بضبط النفس... وتعويل على قمة محتملة بين ترمب وبوتين

نازحون جنوب سوريا (نبأ)
نازحون جنوب سوريا (نبأ)
TT

سباق على الجنوب السوري بين التسوية والتصعيد... وإيران «عقدة» الحل

نازحون جنوب سوريا (نبأ)
نازحون جنوب سوريا (نبأ)

سباق محموم على الجنوب السوري بين التصعيد العسكري من جهة، وترتيبات دولية - إقليمية من جهة ثانية. قوات الحكومة استأنفت قصف ريف درعا بـ«البراميل المتفجرة» ما دفع آلاف المدنيين إلى التوجه إلى الحدود الأردنية، لكن الاتصالات الدبلوماسية لا تزال قائمةً على أمل الوصول إلى ترتيبات بناء على الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني.
اتجاه الاتصالات هو القمة المحتملة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال الجولة المرتقبة لترمب إلى أوروبا. هو سيشارك في قمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في بروكسيل في 10 و11 الشهر المقبل ثم يزور لندن. وهناك طرح عقد القمة في فيينا. ويقوم مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بزيارة إلى لندن الاثنين قبل التوجه إلى موسكو لاختبار مدى إمكانية عقد قمة ترمب - بوتين.
وسيكون اتفاق «خفض التصعيد» في الجنوب أحد المواضيع المطروحة على الأجندة الأميركية - الروسية خصوصاً أن الرئيسين كانا باركا كل خطوة من الاتفاق العام الماضي. وأمس، وجهت واشنطن رسالة نصية إلى قادة فصائل الجنوب فيها: «نحن في حكومة الولايات المتحدة الأميركية نعمل حالياً للحفاظ على وقف إطلاق النار من خلال القنوات الدبلوماسية، ونبذل جهوداً جبارة في سبيل تحقيق ذلك. نتوجه إليكم الآن لنؤكد على ضرورة عدم الرد على الاستفزازات، لأن القيام بذلك لا يؤدي سوى إلى تسريع السيناريو الأسوأ للجنوب السوري وتقويض جهودنا. فكروا بعائلاتكم وأبناء شعبكم وافعلوا كل ما في وسعكم من أجل حقن الدماء».

وتابعت الرسالة: «النظام من دون أدنى شك، يحاول استفزازكم بالأرتال والتصريحات لإيجاد ذريعة لمهاجمة الجنوب، ولا يمكن أن نعطيه هذا العذر. وفي حين أن فصائل الجنوب تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس، فإننا نشدد على أن عليها أن تحرص بشدة على منع أي هجمات استباقية عبر خط التماس بينما نعمل دبلوماسياً لإيجاد حل للوضع في الجنوب. وختاماً، نقدر عالياً صبركم وصمودكم وتعاونكم في هذا الوقت الصعب».
وعلى عكس التصريحات العلنية من الخارجية الأميركية التي تضمنت تحذير دمشق بـ«رد صارم» على الهجوم الجنوبي، تحض الرسالة العملياتية الآتية من الميدان قادة الفصائل على «ضبط النفس». إذ إن المسؤول السياسي في السفارة الأميركية في عمان، كان بعث في مارس (آذار) الماضي رسالة إلى «جبهة الجنوب»، فيها: «ما يحدث في الغوطة الشرقية مأساة ووصمة عار على مرتكبي هذه الهجومات البشعة كما أنه يثير للقلق الدولي الشديد. وللأسف، فإن النظام السوري وروسيا لا يتعاونان من أجل وقف العنف في الغوطة وتخفيف الألم عن المدنيين بل العكس».
وتابعت: «نتفهم شعوركم بالغضب الشديد لما يحدث، وأنكم تودون تخفيف معاناة أهلكم السوريين في الغوطة، لكن اتفاق الجنوب هو معاهدة شبه ثابتة بفضل تعاونكم وبفضل الإرادة الأميركية في الحفاظ عليها، ولو على منطقة واحدة للمعارضة المعتدلة لتكون ربما في المستقبل الطريق للحل الشامل في سوريا. إن إشعال حرب الآن ضد النظام في الجنوب سيعطي للنظام وروسيا الذريعة المطلوبة لأن يقتل المزيد من المدنيين واحتلال المزيد من الأراضي وكسر الهدنة التي من خلالها نستطيع أن نفاوض الروس من أجل الحل... نحضُّكم على ضبط النفس، والتفكير ملياً في أهلكم من المدنيين، وعدم إعطاء الذرائع للنظام لقصفكم والقضاء على آخر معقل للمعارضة المعتدلة في سوريا».

- اتفاق ثلاثي
جرى الإعلان عن وقف النار جنوب غربي البلاد في 7 يوليو (تموز) لعام 2017، بواسطة وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون في أعقاب الاجتماع الذي ضم الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في مدينة هامبورغ. ودخل الاتفاق حيز التنفيذ الفعلي بعد يومين من ذلك الاجتماع.
وجاء إعلان وقف النار بعد أشهر من المفاوضات ين الدبلوماسيين الأميركيين والروس والأردنيين، الذين واصلوا ضبط تفاصيل الاتفاق عبر اجتماعات لاحقة. وفي أغسطس (آب) الماضي، وافقت أميركا وروسيا والأردن على إنشاء مركز عمان للمراقبة بهدف الإشراف المشترك على وقف إطلاق النار في سوريا. وفي 8 نوفمبر (تشرين الثاني) وقعت الأطراف الثلاثة المذكورة على مذكرة مبادئ لإضفاء الطابع الرسمي على شروط الاتفاق المبرم. وتم التصديق على مذكرة المبادئ تلك عبر بيان لاحق صادر عن الرئيسين ترمب وبوتين اللذين اجتمعا على هامش مؤتمر التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي في نوفمبر في فيتنام.
وبحسب تقرير لـ«مجموعة حل الأزمات الدولية» أول من أمس، أسفر خفض التصعيد عن هدوء تام استمراراً للصمت المطبق منذ عام 2015، ذلك عندما أبرم الأردن اتفاقاً مع روسيا في أعقاب التدخل العسكري الروسي في سبتمبر (أيلول). وتخلل هذا الهدوء الجنوبي بعد أعمال العنف خلال الفترة السابقة على خفض التصعيد، إذ اندلع قتال عنيف لمدة شهور في عاصمة محافظة درعا التي تحمل الاسم ذاته قبل أن ينتهي إلى طريق مسدود ثم توقف أعمال العنف مجدداً. وفي تلك الأثناء، كان المعتقد أن هذه النتائج تؤكد على استحالة مواصلة التقدم العسكري لأي من الأطراف المتناحرة، ومن ثم إثبات مبرر آخر قوي لخفض التصعيد المخطط له.
عملياً، أدَّى خفض التصعيد إلى تجميد أعمال العنف على خطوط الجبهة الجنوبية الغربية، ثم إنشاء منطقة عازلة خالية من المقاتلين الأجانب المدعومين من قبل إيران. وعلى طول خط منطقة خفض التصعيد، من المفترض للمنطقة العازلة أن تمتد بطول 5 كيلومترات من خط الاتصال بين القوات الحكومية السورية وقوات المعارضة، وبطول 10 كيلومترات من الحدود الأردنية وحتى خط الهدنة الذي يلامس مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل. وناقشت الأطراف المعنية خفض التصعيد توسيع منطقة الـ5 كيلومترات إلى 20 كيلومتراً في المرحلة الثانية من المفاوضات، وغير أنها لم تضع اللمسات النهائية بالنسبة لذلك الترتيب، كما أن الأطراف المعنية التزمت أيضاً بالانسحاب النهائي للقوات الأجنبية من تلك المنطقة.

- لحظة القرار... وخسائر
بعد سيطرة قوات الحكومة على غوطة دمشق وريف حمص، بقيت ثلاثة جيوب: (شمال شرق) حيث يوجد التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا، (شمال غرب) حيث تقيم قوات تركية بموجب اتفاق آستانة، (جنوب غرب) حيث ليس هناك وجود عسكري داعم للمعارضة. وبات توقع أن قوات الحكومة ستذهب إلى هذه المنطقة وقال الرئيس بشار الأسد إن دمشق أمامها خياران في التعامل مع الجنوب الغربي من البلاد: «إما المصالحة، أو التحرير بالقوة». وأرسل النظام بالفعل قوات إلى الجبهات الجنوبية، بما في ذلك الوحدات المعاونة. وكانت هذه التعزيزات كافية لدفع وزارة الخارجية الأميركية إلى الإعراب بتاريخ 25 مايو (أيار) عن قلقها من التقارير الواردة بشأن العمليات العسكرية الوشيكة لنظام الأسد في جنوب البلاد.
بحسب تقرير مجموعة «حل الأزمات الدولية»، لا يزال هناك وقت متاح من أجل التوصل إلى حل تفاوضي من شأنه تفادي وقوع هجوم عسكري مدمر ومفعم بالمخاطر الكبيرة. وقد تكون الظروف مواتية في هذه المرحلة: إذ أبدت روسيا حساسية واضحة إزاء المصالح الإسرائيلية والأردنية، كما أعربت عن الرغبة في جذب الولايات المتحدة نحو ترتيب سياسي يصب في صالح الأهداف الروسية في سوريا. إذ هددت إسرائيل بشن الهجمات العسكرية في حالة اقتراب العناصر الموالية لإيران من مرتفعات الجولان المحتلة، وهي الأعمال العسكرية التي قد تسبب تهديداً للنظام الحاكم السوري وتعصف ببعض المكاسب العسكرية المحققة لدى دمشق وموسكو من التدخل العسكري الروسي في سبتمبر العام 2015. كما يبقى احتمال قائم (وإن كان طفيفاً) بشأن التدخل العسكري الأميركي ردّاً على هجمات النظام السوري، استناداً على الأقل إلى بيانات وزارة الخارجية الأميركية في 25 مايو و15 يونيو (حزيران).
وفي غياب الاتفاق سيكون البديل المفتَرَض هو شن هجوم عسكري سوري واسع النطاق مدعوم من روسيا وستكون نتائجه هي الأسوأ بالنسبة لكل الأطراف المعنية بالصراع. وسيكون الهجوم كارثيّاً بالنسبة لسكان جنوب غربي البلاد.
وبصرف النظر عن سكان الجنوب السوري أنفسهم، فإن مؤيدي قوات المعارضة السورية هم الأكثر عرضة للخسارة. وتجازف إسرائيل بإهدار جميع الضمانات الدائمة والمنهجية بشأن الوجود والدور الإيراني الذي كان بوسعها التفاوض عليه مسبقاً، مهما كانت حالة عدم اليقين أو ضعف التأثير الذي تعتبره حيالها، بحسب التقرير. والأردن معرَّض بصور خاصة إلى التدفقات العارمة لجموع اللاجئين التي تسبب زعزعة استقرار البلاد والناجمة عن الهجوم العسكري السوري الوشيك في جنوب البلاد.
وعلاوة على ما تقدَّم، وبالنظر لما وراء خفض التصعيد المؤقت، يحتاج الاقتصاد الأردني إلى عقد الروابط السياسية والتجارية القوية والمنتظمة مع سوريا. ومن شأن المصالح الأردنية والإسرائيلية - وبالتالي مصالح الولايات المتحدة - أن تلقى أفضل استفادة ممكنة عبر الانتقال السلمي ومنظم للسلطة في جنوب غربي سوريا، وليس عن طريق المواجهات العسكرية المريعة التي قد تتيح للمتطرفين الفرصة بالعودة إلى واجهة الأحداث، وتشجيع النظام السوري الحاكم على الاعتماد على الميليشيات ذات الصلة بإيران، وجلب إسرائيل إلى آتون الصراع ناهيكم عن الولايات المتحدة كذلك.
وقال التقرير: «لدى النظام السوري وحلفاؤه ما يخسرونه أيضاً من الأعمال العسكرية في جنوب البلاد. سيتحقق النصر العسكري وفق تكاليف باهظة من الناحية المادية والبشرية وتدمير المزيد من البنية التحتية في البلاد، وإنهاك الآلة العسكرية والمدنية في الوقت الذي تحاول فيه سوريا إعادة البناء».
في المقابل، إن من شأن الاتفاق المسبق على نزع «عسكرة استيلاء النظام السوري على جنوب غربي البلاد أن يقلل، ولكن ليس بالكامل، من احتمال شعور إسرائيل بالقلق حيال ما تتصور أنه الدور الإيراني الذي يدفعها إلى التدخل ضد النظام السوري وحلفائه، الأمر الذي قد يشعل صراعاً إقليمياً موسَّعاً في المنطقة. للحرب المفتوحة ديناميتها غير الخاضعة للتحكم والسيطرة، لا سيما على طول خط الهدنة شديد الحساسية سياسيا في مرتفعات الجولان»، بحسب التقرير.
وفي الأثناء ذاتها، يُعتَبَر الأردن شريكاً سياسياً واقتصادياً ضرورياً بالنسبة إلى سوريا، وإن أسفرت أعمال العنف عن موجات جديدة من اللاجئين السوريين الذين يعملون على زعزعة استقرار الأردن، أو يثيرون القلاقل والاضطرابات في مدن وقرى شمال الأردن ذات الصلة بالروابط العائلية مع جنوب غربي سوريا. وأفاد التقرير: «وإن لم تحصل إسرائيل على ضمانات كافية قبل التفاوض من روسيا بشأن الدور الإيراني في إطار الدولة السورية المستعادة، فإن ذلك الأمر يثير مخاطر قيام إسرائيل بالأعمال العسكرية المدمرة في وقت لاحق. الأمر الذي يعني الجنوب الغربي السوري الأقل استقرار، وبالتالي سوريا الأقل استقراراً كذلك».

- استقرار مؤقت
في ظلِّ الاتفاق المتفاوض عليه بشأن الجنوب الغربي السوري، يمكن لجميع الأطراف الوفاء بالحد الأدنى الممكن من احتياجاتها، أو على أدنى تقدير تفادي سيناريوهات أسوأ الحالات المعنية بكل منها. وفي هذا السياق، ينبغي على رعاة خفض التصعيد في الجنوب السوري إعادة المفاوضات الثلاثية إلى مرحلة ما وراء إطار عمل مركز عمان للمراقبة المشار إليه، ذلك باستخدام اتفاق خفض التصعيد القائم والعمليات ذات الصلة به باعتبارها وسيلة الوصول إلى اتفاق أكثر تطوراً واستدامة. وتبدو الخطوط العريضة للاتفاق واضحة بصورة نسبية، حتى وإن كانت التفاصيل، بما في ذلك التوقيت وآليات التنفيذ، لا تزال قيد التفاوض حتى الآن. أولاً، ورغم كل شيء، تحتاج كل الأطراف إلى إسناد مبدأ خفض التصعيد والمحافظة على وقف إطلاق النار.
يُمكن للحل المؤقت بشأن المحافظة على خفض التصعيد أن يكون بمثابة اقتراح من جانب الأردن: الانتقال لما بعد وقف إطلاق النار المبدئي بهدف التركيز على «الاستقرار». ويستلزم النموذج الأردني للاستقرار، والمعرف على نطاق واسع، وجود برمجة برعاية دولية تعيد الخدمات العامة والأداء الاقتصادي الاعتيادي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وتسهيل التجارة عبر خطوط التماس، وكذلك التجارة عبر الحدود مع الأردن، والارتباط التدريجي بين مؤسسات الخدمات المحلية وأجهزة الدولة السورية. ومن شأن ذلك أن يشمل أيضاً مجموعة موسعة من أصحاب المصالح الدوليين، بما في ذلك دور أكبر لروسيا، إن كان يهدف فقط إلى طمأنة موسكو بشأن منطقة الاستقرار، وأنه لا يُقصد من ورائها أن تكون مقدمة لترتيبات إقليمية أكثر ديمومة تماثل التقسيم.
وتكون النتيجة هي التكامل الإداري والاقتصادي التدريجي في هذه المناطق ضمن المناطق الأوسع التي يسيطر عليها النظام السوري. وقال التقرير: «ينبغي على الأطراف الثلاثة التفاوض بشأن شروط إعادة فتح معبر نصيب وتأمين الطريق الممتد لمسافة 18 كيلومتراً من المعبر الحدودي وحتى مدينة درعا تحت إشراف ورعاية النظام السوري. ومن شأن إعادة فتح نصيب أن يكون أوضح الأدلة على الالتزام المتجدد من جميع الأطراف بشأن خفض التصعيد الثلاثي».
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن «الاستقرار» على المدى القريب قد يكون بطيئاً وأقل إرضاء من الزحف العسكري المنتصر عبر مناطق الجنوب الغربي. ومع استمرار المفاوضات، رغم كل شيء، فإن أفضل الخيارات المتاحة بالنسبة لدمشق هو التحلي بالصبر والسماح للأردن بصياغة المنهج الأفضل دراسة والأوعى إدارة، بحسب «الأزمات الدولية».

- ماذا عن الحل؟
أفاد تقرير «الأزمات الدولية» بأن الخطوط العريضة للاتفاق «واضحة بصورة نسبية: عودة الدولة السورية إلى كامل مناطق الجنوب الغربي، وعودة الجيش السوري إلى الحدود السورية، وإقامة منطقة عازلة موازية لخط الهدنة في الجولان وتكون منطقة خالية من القوات الموالية لإيران، وإعادة العمل باتفاقية الفصل بين القوات الإسرائيلية السورية لعام 1974، بما في ذلك إعادة نشر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. ومن حيث التفاصيل، فهناك مساحة جيدة للتفاوض. وتشتمل المفاوضات على توقيت وآليات الاتفاق، ولكن هناك أيضاً تساؤلات مثل: ما الذي تعنيه عبارة: عودة الدولة السورية؟».
كان الحد الأدنى لشروط دمشق بشأن «المصالحات» السابقة هي: عودة رموز الدولة السورية، عودة الشرطة المدنية السورية، التي يحتمل أن تضم مواطنين محليين، خروج المتطرفين وغيرهم ممن يرفضون الاتفاق، أو ممن تعترض دمشق على وجودهم، دمج قوات المعارضة المحلية في الوحدات العسكرية النظامية السورية، كمجموعات كاملة في بعض الأحيان، تسوية الأوضاع القانونية للسكان المحليين، بما في ذلك تسجيل التجنيد بفترة سماح قابلة للتفاوض، وعودة الحكم المحلي والإدارة البلدية، مع موظفين من الموالين للنظام، وفي بعض الحالات مع الأعضاء السابقين في المجلس المحلي المعارض، الذين يخدمون تحت إمرة حاكم المحافظة.
كانت هذه هي الشروط المستخدمة سابقاً في الجيوب المحاصرة في الداخل السوري، من دون وجود راعٍ حقيقي معاكس للتفاوض في مواجهة دمشق وحلفائها. وبالنظر إلى الالتزام المتواصل من قبل الرعاة الثلاثة لخفض التصعيد حيال الاتفاق والأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الجنوب الغربي السوري لكل من الأردن وإسرائيل، فإن مساحة التفاوض بشأن الشروط في الجنوب الغربي قد تكون أرحب.
من شأن الاتفاق المتفاوض عليه أن يكون مرضياً إلى حده الأدنى بالنسبة لدمشق وحلفائها إذا ما أراد النظام السوري الامتناع عن شنِّ الهجوم العسكري على جنوب غربي البلاد. ولكن ينبغي للاتفاق أن يكون مناسباً إلى أقصى درجة بالنسبة إلى قوات المعارضة وغيرهم من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وفي حدود ما هو معقول ومقبول. وقال: «من المتوقَّع ألا يرحب كثير من المواطنين السوريين داخل جنوب غربي البلاد، الخاضع لسيطرة المعارضة، بعودة الدولة السورية التي يقودها النظام الحاكم، تحت أي شروط كانت. ومع ذلك، فإن الاتفاق الذي لا يفي بتطلعاتهم ولكن يمكنه، إلى أقصى درجة ممكن، استيعاب وتهدئة مخاوفهم، من شأنه الحد من المقاومة المسلحة وإراقة المزيد من الدماء بلا طائل».

- عودة رقيقة
وتحدث التقرير عن نماذج عدة لـ«عودة الدولة» خلال السنوات السبع الماضية بين «الدولة الرقيقة» أو «العميقة». إذ هناك بعض السوابق لـ«المصالحات» التي تنصُّ على انتشار الشرطة العسكرية الروسية، واستبعاد أجهزة النظام الحاكم الأمنية، لفترة مؤقتة على الأقل. وضمن ترتيبات «الدولة الرقيقة»، فإن الفصائل المحلية المسلحة، والشرطة المدنية السورية، وفرقة من الشرطة العسكرية الروسية، يمكنها المشاركة في المحافظة على الأمن والنظام. والوجود الروسي مهم نسبيّاً من أجل تسهيل عودة أجهزة الدولة السورية، وردع محاولات الاعتداء والانتقام، وطمأنة كل من السكان المحليين والبلدان المجاورة. وسوف تكون النتيجة شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية تحت السيطرة الرسمية للدولة السورية، والبناء نحو مزيد من اندماج وتكامل الجنوب في ظل الدولة.
وعلى الاتفاق أن يشمل فرض الحد الأدنى من القيود على الحركة المدنية والوصول التجاري إلى هذه المناطق، الأمر الذي من شأنه تنشيط الاقتصاد المحلي ويُسهِم في التعافي الاقتصادي الوطني السوري وإعادة بناء البلاد. وينبغي إتاحة الخيار أمام المعارضة والرجال في سن الخدمة العسكرية لتلبية متطلبات الخدمة الإلزامية في مناطقهم، سواء في الجيش الوطني السوري، أو القوات المعاونة، أو الشرطة المدنية المحلية، أو الأدوار الاقتصادية المدنية الحيوية في الزراعة أو التعمير، وليس في الوحدات العسكرية المنتشرة في ميادين بعيدة لقتال قوات المعارضة الأخرى.
وقال التقرير: «في سيناريو المصالحة، سوف تستفيد المصالح الأردنية وكثيراً في حالة دمج الشركاء السابقين إداريّاً ضمن الدولة والوحدات المسلحة المحلية الخاضعة لسيطرة الحكومة في دمشق، بدلاً من مواجهة القوة العسكرية الغاشمة، أو (الإخلاء) القسري الذي يدمر التركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي في هذه المناطق. وسوف يستفيد الأمن الأردني من الجنوب الذي يعيش سكانه ضمن عائلاتهم وعشائرهم في مجتمع جنوبي سلمي وصحي نسبيّاً، وبالتالي يكونون أقل عرضة للاستمالة من قبل المجرمين، والمتطرفين، أو الجماعات الموالية لإيران. وبالنسبة إلى المعارضة والمدنيين المعارضين أيضا، من المهم ألا يتم اقتلاعهم من منازلهم ومجتمعاتهم للعثور على مأوى في إحدى المناطق السورية الأخرى الفقيرة والنائية والخاضعة لسيطرة المعارضة».
لكن التحدي هو «مدى رغبة روسيا والقيادة السورية، أو مقدرتهما، على إبعاد العناصر الموالية لإيران من الجنوب الغربي للبلاد المتاخم لخط الهدنة في مرتفعات الجولان تحت أي ترتيب يمكن التوصل إليه. من شأن التهديد بشن الهجمات الإسرائيلية الجديدة أن يُثني إيران وحلفاءها المحليين عن دخول مناطق الجنوب الغربي السوري، لا سيما في الوقت الذي تتعرض فيه إيران للضغوط السياسية والاقتصادية الجديدة والمكثفة على الصعيد الإقليمي».
وخلص التقرير إلى أن «الصراع منخفض الكثافة بين إسرائيل وإيران سيستمر لبعض الوقت، في سوريا وعلى صعيد المنطقة بأسرها، لكن القتال لأجل الجنوب الغربي السوري يجب ألا يكون الشرارة التي تشعل أتون الصراع والحرب المفتوحة. هناك أساس واضح لاتخاذ القرار بشأن الحل التفاوضي غير العنيف في الجنوب السوري. ولكن مثل هذه التسوية تتطلب دفعة دبلوماسية قوية من جميع الأطراف. بدلاً من السماح للوضع بالانحراف عن مساره، ينبغي عليهم استغلال الفرصة السانحة واستخدام الوقت المتبقي في الوصول إلى اتفاق مشترك».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.