أسف دولي لانسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان

هيلي حاولت «بلا جدوى» فرض إصلاحات ووقف الانتقادات للانتهاكات الإسرائيلية

نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)
نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)
TT

أسف دولي لانسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان

نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)
نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء أول من أمس الثلاثاء، انسحاب الولايات المتحدة من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي اتهمته المندوبة الأميركية الدائمة لدى المنظمة الدولية نيكي هيلي بأنه «مرتع للتحيز السياسي... وحامي منتهكي حقوق الإنسان» باستهدافه إسرائيل تحديداً، وتجاهله المجازر في بلدان أخرى، حسب تعبيرها، في خطوة أثارت أسف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمفوض السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين، وانتقادات من المنظمات الحقوقية عبر العالم.
ويمثل انسحاب الولايات المتحدة أحدث رفض أميركي للتواصل متعدد الأطراف بعد انسحابها من «اتفاق باريس» للمناخ والاتفاق النووي مع إيران. كما انسحبت من اليونيسكو، وأوقفت تمويل صندوق الأمم المتحدة للسكان، وخفضت مساهمتها المالية في وكالة «غوث» للاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا). ويأتي كذلك بعدما انتقد مجلس حقوق الإنسان واشنطن بسبب فصلها الأبناء القاصرين للمهاجرين غير الشرعيين عن ذويهم الذين يتطلعون للحصول على لجوء بعد دخولهم البلاد من المكسيك.
وأعلنت هيلي هذا القرار من واشنطن، حيث كان يقف إلى جانبها وزير الخارجية مايك بومبيو. وذكرت بأنها سافرت إلى مقر مجلس حقوق الإنسان في جنيف قبل عام للمطالبة بإجراء إصلاحات، ولكن دون جدوى. وقالت: «نتخذ هذه الخطوة لأن التزامنا لا يسمح لنا بأن نظل أعضاء في منظمة منافقة، تخدم مصالحها الخاصة وتحوّل حقوق الإنسان إلى مادة للسخرية». وأضافت: «للأسف صار واضحاً الآن أن دعوتنا إلى الإصلاح لم تلق اهتماما»، موضحة أن «منتهكي حقوق الإنسان لا يزالون يخدمون وينتخبون في المجلس». وأشارت إلى أن «الأنظمة اللا إنسانية في العالم لا تزال تفلت من التدقيق، ويواصل المجلس تسييس وتكبيل البلدان ذات السجلات الإيجابية لحقوق الإنسان في محاولة لصرف الانتباه عن المعتدين في صفوفهم»، عادّةً أن المجلس «ظل لفترة طويلة حامياً لمنتهكي حقوق الإنسان ومرتعاً للتحيز السياسي».
وجادلت هيلي بأن الولايات المتحدة أمضت عاماً في سعيها إلى إصلاحات، «لكن عيوب المجلس تعمقت»، مشيرة إلى انتخاب جمهورية الكونغو الديمقراطية لعضوية المجلس خلال العام الماضي، رغم حملة الإصلاح الأميركية، دليلا على أنه لا يمكن إصلاح المجلس. وكذلك لفتت إلى أن المجلس أخفق في عقد جلسة واحدة بشأن فنزويلا، وهي عضو في المجلس، أو إيران رغم سحق مظاهرات المعارضة بطريقة لا تعرف الرحمة. وقالت: «عندما لا يستطيع مجلس ما يسمى (حقوق الإنسان) أن يتصدى للتجاوزات الهائلة في فنزويلا وإيران، ويرحب بجمهورية الكونغو الديمقراطية عضوا جديدا، فالمجلس لا يستحق اسمه».
وكذلك نبهت إلى استمرار وجود «البند 7» من جدول الأعمال، وهو برنامج دائم على جدول أعمال المجلس، ومخصص حصراً لمناقشة انتهاكات حقوق الإنسان من الجانب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقالت إن «التركيز غير المتناسب على إسرائيل والعداء الذي لا ينتهي تجاهها دليل واضح على أن المجلس يحركه التحيز السياسي، وليس حقوق الإنسان».
وتوفر الولايات المتحدة الحماية لإسرائيل منذ أمد بعيد في الأمم المتحدة. وباستشهادها في قرار انسحابها بما تقول إنه تحيز ضد إسرائيل، فإن إدارة الرئيس ترمب قد تزيد من حجج الفلسطينيين بأن واشنطن لا يمكن أن تكون وسيطاً محايداً بينما تستعد لطرح خطة سلام للشرق الأوسط. وصوّت المجلس الشهر الماضي لصالح إجراء تحقيق في سقوط قتلى بقطاع غزة، واتّهم إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة. وصوّتت الولايات المتحدة وأستراليا وحدهما بـ«لا».
وانتقدت هيلي «البلدان التي عبّرت عن قلقها بشأن المجلس، لكنها لا تزال أعضاء فيه، مما يوحي بأن تلك البلدان تفتقر إلى الشجاعة»، بحسب تعبيرها. وقالت: «كل بلد اجتمعنا معه يوافقنا، من حيث المبدأ وخلف الأبواب المغلقة، على أن مجلس حقوق الإنسان بحاجة إلى تغييرات كبيرة منهجية دراماتيكية. ومع ذلك، لم يكن لدى أي بلد آخر الشجاعة للمشاركة في معركتنا». وانتقدت روسيا والصين وكوبا ومصر لعرقلتها الجهود الأميركية الرامية إلى إصلاح المجلس «المنافق والأناني». وقالت: «انظروا إلى عضوية المجلس، فسترون ازدراء مروعاً للحقوق الأساسية».
ويجتمع مجلس حقوق الإنسان 3 مرات في العام لبحث الانتهاكات الحقوقية في أنحاء العالم. وكلّف محققين مستقلين ببحث الأوضاع في دول منها سوريا وكوريا الشمالية وميانمار وجنوب السودان، وقراراته ليست ملزمة قانوناً، لكنها تحمل سلطة أخلاقية.
ومن الإصلاحات التي كانت تضغط الولايات المتحدة من أجل تبنيها، تسهيل طرد الدول ذات السجل السيئ في مجال حقوق الإنسان، ويلزم حاليا تصويت بأكثرية الثلثين في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 دولة لتعليق عضوية إحدى الدول.
بدوره، قال بومبيو إن «مجلس حقوق الإنسان يمكّن الإفلات من الانتهاكات بإعفاء المخالفين من المسؤولية، من خلال الصمت، وبالتنديد دون وجه حق بمن لم يرتكبوا جرماً». وأضاف أن «الدول تواطأت بعضها مع بعض لتقويض الطريقة الحالية لاختيار الأعضاء». وعدّ أن «انحياز المجلس المتواصل والموثق بشكل جيد ضد إسرائيل تجاوز الحدود». وأفاد بأنه «منذ تأسيسه، تبنى المجلس عدداً من القرارات التي تدين إسرائيل تفوق تلك التي أصدرها على دول العالم مجتمعة».
وأكد بومبيو وهيلي أن الولايات المتحدة ستبقى على رأس المدافعين عن حقوق الإنسان. لكن في نظر كثيرين، يعكس القرار موقف الرئيس دونالد ترمب الرافض للأمم المتحدة وللتعددية في العمل الدبلوماسي بشكل عام.
وتعليقاً على هذا الانسحاب الأميركي، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن هيكل حقوق الإنسان بالأمم المتحدة «يقوم بدور مهم للغاية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان في أنحاء العالم»، وقال إنه كان يفضل لو بقيت الولايات المتحدة في المجلس.
أما المفوض السامي لحقوق الإنسان، فعدّ أن القرار «خبر مخيب للآمال، إنْ لم يكن مفاجئاً. بالنظر إلى وضع حقوق الإنسان في عالم اليوم، كان يتعين على الولايات المتحدة أن تكثف جهودها بدلا من أن تتراجع».
وكان المفوض السامي انتقد سابقاً سياسة ترمب في مجال الهجرة. وقال: «نعتقد أن سعي أي دولة لردع الأهالي عبر التسبب بإيذاء الأطفال بهذه الطريقة، أمر غير مقبول».
وأعرب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ميروسلاف لايتشاك، عن الأسف إزاء القرار الأميركي، مذكراً بأن «مجلس حقوق الإنسان، الذي أنشئ عام 2006، هو الجهة الرئيسية بالأمم المتحدة المكلفة تعزيز وحماية الحقوق والحريات الأساسية للجميع، كما أنه يمنح صوتاً للناس بكل أنحاء العالم، بمن فيهم الأكثر ضعفاً». وقال إنه بالنظر إلى التحديات الدولية في العصر الحالي، فقد تأكدت قناعته بأن «العمل الجماعي من أجل عالم أفضل، سيستفيد من الحوار والتعاون».
وانتقدت الجماعات الحقوقية إدارة ترمب لعدم جعلها حقوق الإنسان أولوية في سياستها الخارجية. ويقول المنتقدون إن هذا يوجه رسالة مفادها أن الإدارة تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في بعض بقاع العالم.
وحذرت 12 جماعة حقوقية، ومنها «هيومن رايتس فيرست» و«أنقذوا الأطفال» و«كير»، من أن انسحاب واشنطن «سيجعل من الصعب تعزيز أولويات حقوق الإنسان ومساعدة ضحايا الانتهاكات حول العالم». وقال مدير «برنامج حقوق الإنسان» في «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية»، جميل دكوار، إن اتباع ترمب «سياسة الانعزالية المضللة إنما يضر بالمصالح الأميركية فحسب».
وقال المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» كين روث إن «مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يلعب دوراً مهماً في دول مثل كوريا الشمالية وسوريا وميانمار وجنوب السودان، لكن كل ما يهتم به ترمب في ما يبدو هو الدفاع عن إسرائيل».
في المقابل، رحب المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون بالقرار الأميركي، ووصفه بأنه «شجاع».
وعندما أنشئ المجلس عام 2006، قاطعته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش. وفي عهد الرئيس باراك أوباما، انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة الولايات المتحدة في المجلس لدورتين متتاليتين؛ وهو حد أقصى للدورات المتتالية. وبعد غياب عام، انتخبت واشنطن مجدداً في 2016 لفترتها الثالثة الحالية.
والولايات المتحدة حالياً في منتصف فترة عضوية مدتها 3 سنوات في المجلس الذي يضم 47 عضواً. وقال مسؤولو الأمم المتحدة إن الولايات المتحدة أول عضو ينسحب من المجلس.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».