العراق: تحالف مفاجئ بين كتلتي الصدر والعامري

TT

العراق: تحالف مفاجئ بين كتلتي الصدر والعامري

أعلن زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، دخول كتلة «سائرون»، المدعومة منه، في تحالف مع كتلة «الفتح»، بزعامة هادي العامري، وذلك في مؤتمر صحافي مشترك مساء أمس (الثلاثاء) في مدينة النجف. وشكل تحالف الكتلتين مفاجأة لكثيرين في العراق.
وقال الصدر إن «تحالف كتلته مع الفتح جاء من ضمن الفضاء الوطني، وسيحافظ على التحالف الثلاثي بين الحكمة وسائرون والوطنية»، مضيفاً أن «ما حصل في حرق للصناديق (صناديق الاقتراع في جانب الرصافة ببغداد) يعد جريمة نكراء، وسيكون لنا موقف بعد إعلان النتائج».
من جانبه، قال رئيس تحالف «الفتح»، هادي العامري، إن «أبواب تحالفه مع (سائرون) مفتوحة أمام الجميع»، مؤكداً أنه «لا مشكلة لدينا مع إعادة العد والفرز اليدوي، على أن يكون بنسبة 5 أو 10 في المائة».
وقبل 3 أيام، أعلن عن تفاهم أولي بين تحالف «سائرون» المدعوم من قبل مقتدى الصدر، مع تيار «الحكمة الوطني» بزعامة عمار الحكيم، وائتلاف «الوطنية» بزعامة إياد علاوي. وفي سياق هذا التحالف الذي أعلن أمس في النجف، تم عملياً استبعاد ائتلاف «النصر» بزعامة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، و«دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.
من جهته، أكد الناطق باسم تحالف «سائرون»، الدكتور قحطان الجبوري، في تصريح إلى «الشرق الأوسط» أن «ما تم الإعلان عنه إنما يأتي في سياق الجهود التي يبذلها السيد مقتدى الصدر الذي تولى طوال السنوات الماضية الدفع باتجاه عملية الإصلاح والتغيير»، وأضاف أن «هذا التحالف يأتي أيضاً في إطار الانفتاح على الجميع من أجل تكوين الكتلة الأكبر التي تنبثق عنها حكومة أبوية شاملة».وجاء إعلان التحالف بين الصدر والعامري في وقت سُجّل تحرّك إيراني يقوده قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري، قاسم سليماني، وآخر أميركي يقوده السفير دوغلاس سيليمان، على خط «أزمة صناديق الاقتراع» التي تعرضت للحرق في جانب الرصافة ببغداد، وسط مطالبات بإعادة إجراء الانتخابات التي كرّست الانقسام في «البيت الشيعي». وتحاط تحركات قاسم سليماني في العراق بكثير من السرية والغموض، بحيث لا يحمل أي من زياراته طابعاً رسمياً معلناً. وتبرر جهات وأطراف تدافع عن جهوده في العراق تحركاته بالقول إنه يعمل بصفة مستشار لدى الحكومة العراقية، منذ احتلال تنظيم داعش المحافظات الغربية من البلاد قبل سنوات.
ولا تضاهي جهود الجنرال الإيراني سوى جهود السفير الأميركي في العراقي دوغلاس سيليمان، الذي يقوم هو الآخر بجولات مكوكية، سواء بين قادة الكتل السياسية العراقية المختلفة في بغداد، أو بين بغداد وأربيل، أو داخل إقليم كردستان بين الأحزاب والأطراف الكردية.
ويقول سياسي وأكاديمي عراقي مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «جهود سليماني لا تزال حتى الآن تدور في إطار البيت الشيعي، في محاولة منه لإعادة ترميمه وترتيبه من جديد، بعد كل الخلافات التي عصفت بين أبرز قياداته». وأضاف طالباً عدم الإشارة إلى اسمه: «الزيارة الأولى للجنرال سليماني بعد الانتخابات صبّت تحديداً في هذا الإطار؛ بحيث يعود التحالف الوطني ككتلة أكبر هي التي تهيمن - حتى طبقاً لنتائج الانتخابات الجديدة - على الحراك السياسي في العراق، بما في ذلك ترشيح رئيس الوزراء»؛ لكنه أضاف أن جهود سليماني «اصطدمت بعوائق كثيرة».
ويبرز داخل البيت الشيعي أكثر من تيار متنافس. فهناك تيار (سائرون) المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، و(النصر) بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، مقابل اتجاه (ائتلاف الفتح) بزعامة هادي العامري، الذي يضم معظم فصائل (الحشد الشعبي)، و(دولة القانون) بزعامة نوري المالكي الذي تراجع كثيراً في الانتخابات الأخيرة. «بينما لا يزال (تيار الحكمة الوطني) بزعامة عمار الحكيم، بمثابة بيضة القبان بين هذه الكتل التي باتت ذات توجهات مختلفة»، بحسب وصف السياسي والأكاديمي العراقي.
ويرى المصدر ذاته أن «حريق صناديق الرصافة (الذي شمل أصوات المقترعين في الانتخابات) يطال نتائج نحو 40 مقعداً من مجموع مقاعد محافظة بغداد... وجل هذه المقاعد لكتل شيعية بارزة، مثل (سائرون) و(بدر) و(العصائب) و(دولة القانون)، وهو ما يعني حصول مشكلة كبيرة ما لم يجر تداركها. وبالتالي، فإن الزيارة الحالية التي قام بها سليماني إلى بغداد تهدف إلى تطويق أزمة الصناديق؛ بحيث لا تحصل مشكلات بين الكتل الشيعية... ومن ثم تحديد ملامح الكتلة الأكبر في البرلمان المقبل، التي من المتوقع أن تتضح معالمها بعد العيد».
في غضون ذلك، قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن «إعادة الانتخابات ليست من صلاحيات البرلمان والحكومة وهي بحاجة إلى أمر قضائي». وأشار العبادي، خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي الذي عقده أمس، إلى أن «التحقيق الأولي في حادث حرق مخازن صناديق الاقتراع في الرصافة يشير إلى أنه متعمد». ويتطابق كلامه مع اتهام مماثل أطلقه وزير الداخلية قاسم الأعرجي بشأن «تعمّد» عملية حرق مخازن المفوضية. وكانت وزارة الداخلية أعلنت، أول من أمس، إلقاء القبض على موظف في المفوضية وثلاثة عناصر من الحراس على خلفية حادث الحريق.
من جهة أخرى، عيّن مجلس القضاء الأعلى 16 قاضياً موزعين على قضائي الكرخ والرصافة في بغداد، إلى جانب 14 محافظة عراقية عدا إقليم كردستان. وأوكل المجلس إلى القضاء في كردستان مهمة تعيين القضاة هناك، وسيتولى القضاة الجدد إدارة مكاتب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في المحافظات بدلاً عن مفوضية الانتخابات التي جوبه عملها بالتشكيك وعدم رضا الأطراف الخاسرة.
ويقول الكتاب الرسمي الذي أصدره مجلس القضاء، أول من أمس، إن قرار تعيين القضاة جاء «تنفيذاً لقانون التعديل الثالث من قانون انتخابات مجلس النواب» الذي صدر الأسبوع الماضي وقرر إيقاف عمل مجلس المفوضية والاستعانة بقضاة لإدارة عملية العد والفرز اليدوي لصناديق الاقتراع، بعد أن أجرتها مفوضية الانتخابات بطريقة إلكترونية.
من جانبه، أكد رئيس المحكمة الاتحادية مدحت المحمود، في بيان مقتضب أمس، أن «المفوضية طلبت إجراء عاجلاً بإصدار أمر ولائي لإيقاف تطبيق التعديل الثالث لقانون الانتخابات، أي إيقاف عمل القضاة المنتدبين الـ9 في المفوضية، لحين بت المحكمة الاتحادية العليا بدستورية ذلك»، مبيناً أن «المحكمة ستقوم بما يلزم من إجراءات لحسم الطعن على عجالة وفق القانون».
وكانت المحكمة الاتحادية أصدرت حكماً «ولائياً» قضى بإيقاف إجراءات استفتاء انفصال إقليم كردستان في 18 سبتمبر (أيلول) الماضي، لحين حسم الدعاوى المقامة بعدم دستورية قرار الاستفتاء، لكن الإقليم مضى في قراره وأقام الاستفتاء في 25 من الشهر نفسه.
بدوره، لا يستبعد خبير في الشأن القضائي إمكانية نقض المحكمة الاتحادية لقانون مجلس النواب المتعلق بالانتخابات: «نظراً للخروقات التي رافقت عملية إقراره»، على حد قوله. ويرى الخبير الذي طلب عدم كشف اسمه أن «القانون يشكل سابقة خطيرة ويؤسس لإعطاء فرصة لمجالس النواب اللاحقة بالتدخل السياسي في الانتخابات». وتابع أن مجمل تحركات مجلس النواب الأخيرة «مشوبة بعيوب تعارض المصالح، لأن معظم المصوتين على قانون الانتخابات من النواب الخاسرين». ورأى أن «مجلس القضاء الأعلى ملزم بتطبيق القانون الصادر عن مجلس النواب حتى لو انتهت رسمياً ولايته (البرلمان) مطلع يوليو (تموز) المقبل».
وحول قرار البرلمان إيقاف عمل مفوضية الانتخابات واستبدالها بهيئة للقضاة، لفت الخبير القضائي إلى أن «مجلس مفوضين أكثر استقلالاً من مجلس يضم القضاة»، ذلك أن «مجلس المفوضين مكون من 9 مرشحين للأحزاب المتنافسة في الانتخابات، وهؤلاء يدافعون ربما عن مصالح الأحزاب والجهات التي رشحتهم، أما مجلس المفوضين المكون من قضاة، فإنه يخضع إدارياً إلى رجل واحد هو رئيس مجلس القضاء وما في ذلك من خشية على المصير والرزق الوظيفي».
ولا يستبعد الخبير أن «يخضع مجلس القضاة إلى المحاصصة مثلما خضعت المفوضية، لذلك نرى أن مجلس القضاء عين القضاة الثانويين في المحافظات ولم يعين القضاة التسعة ورئيسهم، لأن الأمر في تقديري يخضع إلى ترضيات سياسية».
ويتفق الخبير القانوني جمال الأسدي مع الرأي القائل بإمكانية قيام المحكمة الاتحادية الاتحادية بنقض قانون مجلس النواب العراقي الأخير المتعلق بالانتخابات. ويقول: «البيان المقتضب الصادر عن رئيس المحكمة الاتحادية مدحت المحمود يشير إلى أن الأمر محسوم وقد أصدرت أمرها الولائي بإيقاف عمل المفوضين القضاة وستحسم قرارها خلال أيام». ويشير الأسدي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «القضاء أدخل نفسه في خصومة مع المؤسسات الأخرى عندما أخذ على عاتقه إدارة العملية الانتخابية وهو بذلك أصبح الخصم والحكم». ولا يستبعد خضوع عملية تعيين القضاة في مجلس المفوضين إلى «الترضيات الحزبية والسياسية». ويعتبر أن «عمل مفوضية الانتخابات أفضل بكثير لأن القرارات تصدر عن مجلس المفوضين، بعكس قرارات القضاة التي تصدر بشكل فردي ومرتبطة برئيس مجلس القضاء».
أمنياً، أعلن الناطق باسم قيادة شرطة نينوى النقيب أحمد العبيدي، أمس، مقتل 27 شخصاً بينهم نساء وأطفال بانفجار 3 منازل مفخخة في البلدة القديمة بالموصل (400 كيلومتر شمال بغداد)، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ).
وقال العبيدي إن «27 شخصاً بينهم نساء وأطفال قتلوا اليوم (أمس) إثر انفجار 3 منازل مفخخة في منطقة الشهوان بالبلدة القديمة بالموصل». وأوضح أن «المنازل الثلاثة التي انفجرت تعود لعوائل عادوا مؤخرا للبلدة القديمة حيث لم يتمكن الجهد الهندسي العراقي من معالجة وإبطال مفعول المتفجرات داخل هذه المنازل».



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.