جون سيمبسون لـ «الشرق الأوسط» : كلما غطيت الحروب كرهتها أكثر

مسيرة 52 عاماً من توثيق النزاعات ولقاء الزعماء عبر شاشة «بي بي سي»

أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
TT

جون سيمبسون لـ «الشرق الأوسط» : كلما غطيت الحروب كرهتها أكثر

أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)
أثناء تصوير تقرير «بانوراما» من الموصل عام 2016 - عند مخبأ صدام حسين في العراق عام 2003 (ألبوم جون سيمبسون)

قادتني النادلة في مقهى فندق «اللاندمارك» بحي «مارليبون» اللندني إلى طاولته المعتادة في الزاوية. سبعيني إنجليزي أنيق. فاجأني جهاز «ماك بوك» على الطاولة أمامه. كان يطالع مقالاً ما. استقبلني بابتسامة. بعد التحية، تقمص دور المحاور تلقائياً وبكل عفوية متناسياً أنني أنا من جئت أطرح الأسئلة عليه. ثم تنبه وقال، أفضّل إدارة المقابلات فقصص الناس وتوثيق الحقائق شغفي.
بالنسبة لجون سيمبسون، الصحافة ليست مهنة، بل هي تلبية نداء. فعندما كان في سن الـ15، قرأ رواية «1984» لجورج أورويل، واتخذ قراراً بأن يكون دوما في معسكر الذكريات، يكتب الحقيقة والتاريخ في السجلات العامة.
منذ انطلاقته، ارتبط اسمه بهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». مسيرة 52 عاماً عاش خلالها مغامرات في أكثر من 120 دولة، وطل على الشاشة لتغطية 47 حربا. كادت أن تباغته المنية 10 مرات، ومات أحد أفراد طاقمه أمام عينيه في تفجير بالعراق. كلما تقدم بالسن، كره الحرب أكثر. إلا أنه يرفض أن تحكمه تجاربه المفجعة وتأسر ذكرياته.
روى لي حادثة تسلله متخفيا وراء شادور إلى أفغانستان، وأطلعني على تفاصيل اكتشافه لمجزرة صبرا وشاتيلا. وعندما استرجع محاولة زائفة لإعدامه في ضواحي بيروت، شعرت بأنني كنت هناك. سألته عن لقاءاته وحواراته مع قادة العالم فتغزل بمانديلا، وأشاد بالملك حسين، وهجا الخميني، وشخّص القذافي بالجنون.
لا يمكن اختصار مسيرة المراسل الدبلوماسي وصحافي القضايا الشائكة بأرقام وأحجيات، إلا أن حوارا معه سمح لي بنافذة إلى صحافة أهمها أنسنة السياسة. وفيما يلي نص الحوار:

> غطّيت عشرات الحروب، وأصبحت من أهم المراسلين الحربيين بريطانيا وعالميا. هل كان هذا هدفك؟
- لا أعتبر نفسي مراسلا حربيا. أنا مراسل دبلوماسي، ويحدث أن أضل طريقي إلى الحروب. عملت مع «بي بي سي» 52 سنة، غطّيت خلالها 47 حربا. أرى نفسي شخصا يهتم بالسياسة كثيراً. والحروب أبغض أشكال السياسة، ولهذا أغطيها. لا يحبذ كثيرون من الصحافيين تغطيتها، ولكنني لا أمانع ذلك. أنا ومارتن بيل (مراسل حربي بريطاني) وآخرون، قبلنا بالتكليفات. مهمّتي تغطية أي حدث كان، من حرب إلى ثورة.
> المراسلة الحربية البريطانية الراحلة كلير هولينغوورث لم تكن تصطحب معها في حقيبة ظهرها إلى الحروب، إلا جوارب وفرشاة أسنان. فماذا تأخذ معك؟
- كلير أكثر ترتيبا مني. كمّية الأمتعة التي أحزمها كثيرة. أحرص دائماً على أخذ مشغل للموسيقى وكتاب ضخم. فالمراسل لا يعرف ما ينتظره، قد يُعتقل أو يتوقّف، وإن لم يكن لديك كتاب تقرأه، سيكون الأمر مروعا. غالباً ما أنسى فرشاة أسناني وحتى الجوارب، ولكن من المستحيل أن أنسى الموسيقى أو الكتاب.
> في كتابك الأخير «اخترنا الحديث عن الحرب والنزاع» تُصنّف الحروب إلى حروب قذرة، وحروب بالوصاية، وغيرها. برأيك، هل تغيّر مفهوم الحرب اليوم؟
- في زمن كلير هولينغوورث ومارثا غيلهورن (مراسلة حربية نشطت في القرن العشرين)، كان النّزاع بين القوى الكبرى. والأمر لا يزال ملموسا في سوريا وغيرها، حيث تتنازع القوى الكبرى وتقوم بتمويل الجهات المتنازعة وتسليحها لدعم آيديولوجية ما أو فكر ديني أو أجندة سياسية معينة في أراض ليست لها. أعتقد أنّ مفهوم الحروب المباشرة بين القوى قد تلاشى، وآخر مثال حي على ذلك، كان هجوم الرئيس العراقي الرّاحل صدام حسين على إيران في عام 1980.
> أطلقت حلقة خاصة في برنامج «بانوراما» في «بي بي سي» عام 2016. وقدمت توقعاتك تجاه أميركا منعزلة بقيادة الرئيس دونالد ترمب. ما تقييمك للمشهد اليوم علما بأن مؤتمر ميونيخ الأمني مطلع العام الجاري، أستنتج أنّ الدبلوماسية قد ماتت؟
- أعتقد أنّ هذا الاستنتاج عن الدبلوماسية خاطئ. فهي كل ما نملك، إنّها حبل الإنقاذ الذي يجنّبنا الكوارث. في بعض الأحيان قد تصمت أصوات الدبلوماسية، ولكنّها لا تختفي. بعد تغطيتي لـ47 حرباً على مدار 52 سنة، باتت الحروب تثير غضبي. وزاد هذا الغضب مع تقدّمي بالسن، كما زادت كراهيتي للحروب. لم يكن هذا الغضب بهذه الحدة في سنوات عملي السابقة.
> كم من مرة واجهت الموت؟
- قمت بتوثيقها. في عام 2016، أُدخلت إلى المستشفى بسبب فشل كلوي، وكنت محظوظا أنني تعافيت. أمضيت أياما على سرير المرض، ومن غرفتي في المستشفى فكرت بعدد المرات التي كادت تودي بحياتي. الفشل الكلوي كان المرة العاشرة. الموت فعلا لمسني. لم تكن الرصاصة التي طارت من هنا وهناك، بل الطلقة التي اخترقت حائطا بجانبي. ولم يكن رصاصا حيا فقط، بل قنابل وسكاكين واعتداء جسديا من قبل جماعات إما في آيرلندا الشمالية أو في إيران، وثلاث مرات في لبنان، وغيرها. أعي تماما شعور رؤية المنية بعيوني، صراحة، الشعور ليس بدرجة الإرباك والخوف التي يتوقعها المرء.
> إذن هل تعتبر خسارة أحد أفراد طاقمك أكثر فجعة؟
- بالتأكيد، وبشدة. عندما قتل مترجمي الشاب في عام 2003 خلال غزو العراق، لم أعد أرى أي سبب لاستمرار حياتي، بعدما خسر هو حياته. كان واقفا على مقربة مني، وقتها اخترقت شظايا القنبلة جسده السفلي باترة قدميه ومنهية حياته، بينما اخترقت شظية قدمي لكنّها لم تود بحياتي. ما حصل لم يكن عادلا.
> هل تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)؟
- لا. لا أعتقد ذلك. لدي أصدقاء عانوا منه، لذا أعرف أنّه مرض حقيقي، ولا أنكره، لكنّه لم يصبني. لا أنكر أنّني مررت بتجارب صعبة، وكان لها تأثير علي بالتأكيد، لكن، لا أؤمن بالسماح لها باستنزافي. تعود بي أحيانا مواقف معينة مررت بها، ولكنّها ليست مؤذية بل هي ذكريات. من أقوى التجارب التي أتذكّرها بتفاصيلها إلى اليوم، هي عندما خضعت إلى إعدام زائف في ضواحي بيروت خلال الحرب الأهلية في ثمانينات القرن الماضي. كنت متأكدا حينها أنّ المسدس كان فارغا، ولكنّها كانت تجربة أشعرتني بالموت. أجبروني وقتها على الركوع، بينما وجه شاب المسدس إلى عنقي. أتذكر التجربة بتفاصيلها. تركز نظري على الأرض الرملية التي تناثرت فوقها أعقاب السجائر. المنظر الكئيب هذا كان آخر مشهد ستراه عيناي. وفي لحظتها، ضغط على الزناد وبالفعل كان المسدس فارغا. ضحك جميع من كانوا حولي فشعرت بالغضب. لا أخفي أنّ تلك الذكريات حفرت في ذهني لكنّها لا تتحكم بي ولا تحكمني، وهذا هو المهم.
> هل تفضل أن يقابلك أحد، أو أن تُجري أنت الحوار؟
- أفضل أن أقابل وأطرح الأسئلة، لا أحب الإجابة أنا.
> هل يعود السبب لأنّك تفضل سماع القصص عوضا عن رواية تجاربك؟
- نعم. لا أحب الحديث كثيراً. وعندما أجلس بحضرة أشخاص يسهبون في الحديث، أترك لهم مجال السرد وأستمع إليهم.
> من مقولاتك: «الصحافة ليست مهنة بل هي تلبية نداء». لماذا إذن أصبحت صحافيا؟
- الصحافة ليست منظمة كفاية لتكون مهنة. اخترت أن أصبح صحافيا لأسباب نبيلة، مع أنني أرى السخرية في وضع مصطلحي «صحافة» و«نبل» في جملة واحدة. عندما كنت في سن الـ15 قرأت «1984» لجورج أورويل وكان كتابا رائعا. أخذني مبدأ أنّه بإمكاننا أن نمحو الحقيقة عن طريق إتلاف الوثائق والجرائد والذكريات. لذا تأكدت أنني، من خلال أي طريق أسلكه، سأكون دوما في معسكر الذكريات، وليس مع الذين يحاولون منعها. الأهم هو توثيق الحقائق والأحداث في سجل العامة، وإفادة الناس بالحقائق كما هي. المثال على ذلك يقبع في الصين، حيث حاولت حكومة بكين على مدار العقود أن تنكر المجزرة التي وقعت في ميدان تيانانمن. كنت هناك حينها، ورأيت المذبحة بأم عيني. ولذا، كلما التقيت سياسيا صينيا سألته عن المذبحة، حتى لو شكل السؤال بعض الحرج أو المضايقة له. لا يجب أن نسمح لأنفسنا بنسيان الحقيقة.
> في كتابك الأخير، تذكر أن نيلسون مانديلا كان أطيب شخص قابلته. حدثنا عن تلك المقابلة.
- نيلسون مانديلا أعظم شخص قابلته، قد يكون رأيي مبتذلا، ولكنّها الحقيقة. عظمته أتت من تواضعه وإنسانيته. كان طبيعيا، وفتح لي المجال لأطرح عليه كل ما يخطر على بالي من دون أن يهان. سألته عن الفساد في جنوب أفريقيا. موضوع حساس لكنّه تطرق إليه بوضوح. كان صريحا وصادقا متقبلا أن بعض وزرائه في ذلك الحين كانوا فاسدين. في معظم الأحيان، لا نرى هذه السمات في الحكام.
> من من الآخرين الذين قابلتهم رسخوا في ذاكرتك؟
- قابلت الكثير من الناس خلال السنين. بعضهم كان مذهلا، وآخرون لا. بالنسبة لي، تهمني علاقة الشخص مع الحقيقة. هذه العلاقة هي التي تفرّق ما بين الشخصية الجادة والسياسي المهتم فقط بالدفاع عن نفسه. خلال فترتها في رئاسة الوزراء ببريطانيا، كنت أقابل الراحلة مارغريت ثاتشر كثيرا. كانت شخصية صعبة للحوار. وكانت حادة الذكاء ومطلعة جدا. ومعها لم يكن هناك حيز للخطأ، لأنّها كانت تُصحّح لك. لم أحبها كثيرا كإنسانة، ولكنّني كنت معجبا بها. قابلت الكثير من القادة العرب على مدار السنوات منهم بشار الأسد.
> ما كان رأيك ببشار الأسد؟
- قابلته عام 2006، أي قبل الحرب بسنوات. في تلك الفترة بدأ لي طبيب عيون من شمال لندن أكثر من كونه رئيسا سوريا. طرحت عليه العديد من الأسئلة الصعبة، وأجاب عليها كلّها. كان فريق عملي والمنتج تحديداً، قلقين جداً من جرأة الأسئلة خصوصا عندما سألته عن الرجل الأول في سوريا الذي يدير البلاد إن كان هو أو شقيقه أو عمه. لو قابلت بشار الأسد اليوم سيكون الحوار مختلفا وسأسأله عن الاختراقات الشنيعة التي ارتكبها بقوانين الحرب، وسلسلة من أسوأ أمثلة الاعتداءات على المواطنين في التاريخ الحديث. يحمل بشار عبء ذنب ذلك.
> من قابلت أيضا من القادة العرب؟
- قابلت الراحل معمر القذافي عدة مرات، وفي كلّ مرّة كنت أعتقد بأنه على الأرجح مجنون. وحتى اليوم، لا أستطيع أن أفهم كيف استطاع الاستمرار كل تلك السنين. كانت آراؤه غريبة وعشوائية إلى حد الجنون. قابلت أيضا الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. كان حاد الذكاء. المقابلة كانت جميلة فعلا، وبعدما انتهينا راودني شعور بالارتياح والسعادة لأنّ فرصة مقابلته تسنت لي، وقلما يترك سياسي مثل هذا الشعور داخل الصحافي. لن أنسى مقابلتي مع العاهل الأردني الملك عبد الله التي كانت رائعة. لقاءاتي المفضلة على الإطلاق ولأسباب كثيرة كانت مع الملك الراحل حسين بن طلال. كان رجلا ساحرا، وورث أبناؤه هذه الصفة عنه. تشمل القائمة أيضا الكثير من رؤساء وزراء لبنان الذين يتغيرون دائما. كما كان لدي اهتمام خاص بإيران. وللأسف اليوم، فإن خدمة «بي بي سي» الفارسية أرعبت حكومة طهران، وباتت تمنع أي صحافي منها السفر إلى هناك. لكنّني أتمنّى العودة حتى في إجازة، حيث انغمست بالحضارة وتعلمت اللغة الفارسية وقابلت الخميني.
> ما رأيك بالخميني؟
- الخميني عالق في الماضي. كل ما يهمه أحداث ولت، منها الشاه ووالده والدور الذي لعبه الغرب في إيران في ذلك الزمان. وهمه الآخر كان محاربة صدام حسين، وبعيدا عن ذلك كانت حياته فارغة. كان دوماً على مسافة مع من يحاوره، يرفض أي نوع من العلاقات. بعدها خلفه رفسنجاني، كان لديه حس فكاهة وكان أكثر وعيا بالحقائق العالمية، ومقابلته كانت أكثر إمتاعا.
> ماذا عن رؤساء الولايات المتحدة؟
- لم أكن معنيا كثيرا بتغطية الشأن الأميركي، فلدى «بي بي سي» مكتب ضخم وكادر كبير هناك، لذا لم تستدعني الحاجة للسفر إلى هناك. ولكنّني قابلت الكثير من الرؤساء منهم بيل كلينتون وجورج بوش الأب. والتقيت أوباما ورغم أنّه كان ذكيا جدا، إلا أنّه لم يكن من «الوزن الثقيل». شعرت أنّه حاول جاهدا كسب ودّي. كنت من القليلين الذين لم يتحمسوا كثيرا في بداية رئاسته. هو رجل نزيه بلا شك، لكنّه ليس رئيسا جيدا برأيي.
> عادة ما تضحي «بي بي سي» بأن تكون هي الأولى في نشر الخبر في سبيل التأكد من مصداقيته وقلما تحقق الهيئة سبقا صحافيا. ما رأيك بذلك؟
- الهيئة لا تحب نشر قصص يُحصّلها مراسل واحد لديها، وهي تشعر بنوع من الارتياح عندما ينقل الخبر من قبل جريدة أو منبر آخر. مثال على ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982. كنت أنا وزميلي في «بي بي سي» أول من اكتشفها. واستطعنا إذاعة مقاطع وصور لعشرات الجثث المرمية. لم تكن «بي بي سي» سعيدة بالانفراد بخبر المذبحة، ولكن «رويترز» سرعان ما نشرت الخبر أيضا. أؤمن برسالة الهيئة وإلحاحها على نشر أخبار دقيقة دائما، لكن حذرها الشديد يغضبني أحيانا. فعلى سبيل المثال، خلال إحدى مهماتي الأخيرة في العراق، وثّقت حالات عيوب خلقية عند أطفال في بلدة صغيرة. وأكّد الأطباء عليها، وكان الوصول إلى تلك البلدة تحديا كبيراً، فقد كانت تشهد غزوا من مقاتلي تنظيم داعش حينذاك. ولكنّنا استطعنا الوصول والتقاط الكثير من الصور للأطفال، وأثبتنا أنّ تلك العيوب الخلقية قد يكون سببها أسلحة استخدمها الجيش الأميركي قبل انسحابه من هناك. وكانت «بي بي سي» قلقة جدا من التقرير، لكنّنا نشرناه أخيرا.
> سيرتك مليئة بالمخاطر. منها في أفغانستان. حدثنا عنها.
- خضت مخاطر جنونية عدة في أفغانستان، بعضها لم أخطط له ولكنّه حدث. في عام 1989 عندما كانت القوات الروسية تنسحب من هناك، وتم تهريبي أنا ومصوري إلى كابل من قبل إحدى الجماعات المسلحة، لم نكن نعي مدى خطورة ذلك. وقد أُفشي أمرنا إلى الشرطة السرية وعلقنا في اشتباك مسلح. استطعنا الهروب ولكن حاوطتنا جثث عناصر الشرطة الذين هجموا على المنزل الذي كنا نختبئ به. وبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، طوّقت طالبان أفغانستان كليا، وهدّدت بقتل أي صحافي يتسلل إلى البلاد. لكنّني لا أحب أن يملي علي شخص القوانين ولا أن يمنعني من فعل شيء، لذا بحثت عن طريقة لدخول أفغانستان. وبالفعل تعرفت على جماعة من مهربي البضائع من باكستان إلى أفغانستان، وقبلوا تهريبي بشرط واحد، وهو ارتداء الشادور الأفغاني، فقبلت.
> ما كان شعورك عندما ارتديت الشادور؟
- كان مروعا. الشادور انتزع مني قوتي وشعرت بنفسي مستكينة. واستغربت من سرعة تأثيرها على تصرفاتي، أصبحت أتلقّى الأوامر وأُطيعها، الأمر الذي تتعرض له النساء الأفغانيات.
> هل تشعر بأنّه يجب عليك أن تحارب داخل «بي بي سي» لتُرسل لتغطية الأحداث؟
- هذا صحيح معظم الأحيان. ففي مؤسسة ضخمة مثل «بي بي سي» لدى المرء الكثير من المنافسين، فهي بيئة تنافسية. وكان علي دائماً، أن أبذل جهدي، وأتّبع طرقا متعددة من التنمر للجوء إلى علاقاتي، الأمر الذي قلل من شعبيتي بين زملائي. أمر مؤسف، لكن هنالك أمور أكثر أهمية من الشعبية.
> كنت أول مراسل لدى «بي بي سي» توظف خدمة «الأونلاين» لنقل الأخبار. صحيح؟
- نعم. ولكن كنت سباقا في أمر يشعرني بفخر أكبر. كنت أول مراسل في العالم يخرج ببث مباشر وحي من وسط القتال، وكان هذا في أفغانستان عام 2001.
> نرى أنك تواكب التطور التكنولوجي ولديك حساب موثق ونشط على «تويتر» وأكثر من 50 ألف متابع. لماذا؟
- يجب على المرء مواكبة التغيرات. زميلي في «بي بي سي» لا يزال يعتمد على الآلة الكاتبة إلى اليوم. لكنّني أرى ضرورة التماشي مع الموجة، وعدم فعل ذلك يعرضك للنسيان. أحب «تويتر» ولكنّني لست جيدا على «فيسبوك». التكنولوجيا مهمة جداً خصوصاً في مجال صناعة التلفزيون، وعلي المواكبة. فعندما يصبح المرء في سني من السهل أن يتوقّف عن ذلك، ولكنّني أدفع نفسي للمواصلة دائما.
> ما هي أهم نصيحة توجهها للصحافيين الشباب؟
- نعيش اليوم في عالم متغير، فقد قلّت شعبية أخبار الجرائد والتلفزيون والراديو. لم يعد يطلب الناس الأخبار والمعرفة بل يفضلون البقاء في قاعاتهم لسماع صدى آرائهم عوضا عن التعرف على الآراء المختلفة. على الصحافيين الشباب بالذات، محاربة هذه الظاهرة. الصحافة ستموت إن اخترنا كتابة وبث ونقل الأخبار التي ترضي الناس. التحدث أصعب اليوم لأنّ الصحافة المؤسساتية في انحدار. ونحن بأمس الحاجة للدم الشّاب في المرحلة المقبلة. الصحافة ليست مهنة مربحة ماديا، ولن تُغني من يمتهنها. ولا بدّ على من اختارها أن يبقى صادقا لصوته وألا يصبح صوتا لأحد آخر.
> ما مشروعك المقبل؟
- قرّرت خوض عالم الخيال وأعمل حاليا على كتابة رواية عن روسيا. لكنّ عملي التلفزيوني هو الأولوية. سافرت قبل 25 سنة إلى البرازيل وعلى أطراف الأمازون عثرت على قبيلة نائية ليست على صلة بالعالم الخارجي. أريد العودة إلى هناك قريبا لأرى ما حدث لأهالي القبيلة، وآمل أنّهم لا يزالون على حالهم، ولا يرتدون قمصان «مانشستر يونايتد».

 



حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».