الرياض تدخل صناعة الجمال والمال

أول أسبوع موضة يفتح الأبواب أمام المصممين المحليين نحو العالمية

بعض من الحضور أثناء حفل الافتتاح لأسبوع الموضة (أ.ف.ب)
بعض من الحضور أثناء حفل الافتتاح لأسبوع الموضة (أ.ف.ب)
TT

الرياض تدخل صناعة الجمال والمال

بعض من الحضور أثناء حفل الافتتاح لأسبوع الموضة (أ.ف.ب)
بعض من الحضور أثناء حفل الافتتاح لأسبوع الموضة (أ.ف.ب)

عندما تناهى إلى أسماع العالم أن الرياض ستحتضن أول أسبوع موضة في تاريخها، قامت أوساط الموضة ولم تقعد لحد الآن. أولاً تحسباً لنتائجه وثانيا فضولا لتفاصيله وأحداثه. بعد تعثر خفيف أدى إلى تأجيله، انطلق منذ يومين بحفل كبير تخللته مناقشات عن أهمية الموضة في العالم عموما وما تعنيه للسعودية خصوصا. بالنسبة للأميرة نورا بنت فيصل آل سعود، الرئيس الفخري لمجلس الموضة العربية (AFC)) فإن الحدث جزء من حركة تاريخية ستذهب إلى حد بعيد في تطوير صناعة الأزياء في المملكة العربية السعودية. من جهتها أشارت كارولين راش، الرئيس التنفيذي لمجلس الأزياء البريطاني إلى أهمية «خلق بيئة يمكن أن يزدهر فيها رواد الأعمال الشباب» وأضافت بتفاؤل: «سنرى في المستقبل القريب نظاماً إيكولوجياً مختلفاً في الرياض».
كان من الواضح خلال حلقة النقاش أن أسبوع الموضة العربية في الرياض ليس عن الموضة كأزياء وألوان. قد تكون دورته الأولى عملية يراد من ورائها جس نبض العالم، لكن النتائج كانت سريعة وكبيرة إذا أخذنا بعين الاعتبار ردود الأفعال العالمية والحركة التي يشهدها بهو فندق الريتز كارلتون، حيث حطت العديد من وسائل الإعلام وحيث نصبت خيمة كبيرة تحتضن أكثر من 13 عرضا. فمع إطلاق أول أسبوع موضة في العاصمة الرياض تكسب الموضة شهادة جديدة بأنها صناعة مهمة لا يستهان بها، ليس لأنها تُلمع صورة أي بلد تُقام فيه وتُعرف بثقافته وحضارته فحسب بل أيضا لأنها قد تُدر ملايين، إن لم نقل مليارات، الدولارات على الاقتصاد المحلي في حال تم التعامل معها بشكل جيد. وهذا ما تجسده رؤية السعودية لـ2030 المتمثلة في استغلال قوة المملكة الاستثمارية لتنويع الاقتصاد وتحقيق استدامته وأيضا التفاعل مع العالم بشكل إيجابي. ثم إن الموضة كما نوهت الأميرة نورا في كلمتها الافتتاحية «لغة عالمية يتقنها الجميع».
وهذا يعني أنها واحدة من الوسائل التي يمكن استعمالها للانفتاح على العالم. فهي صناعة محركة للمال والجمال على حد سواء، حسبما تعرفه العواصم العالمية المتمرسة في هذا المجال بمن فيهم الاتحاد الأوروبي الذي انتبه منذ بضعة أعوام إلى أن أوروبا تضم أكثر من 850.000 شركة متخصصة في الموضة وتوفر أكثر من 5 ملايين وظيفة، وبالنتيجة تشكل 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي ونسبة عالية من صادراته، الأمر الذي دفعه لإنماء هذا القطاع وإنعاشه أكثر بحلول عام 2020.
السياسة نفسها تنتهجها عواصم عديدة أطلقت أسابيع خاصة بها، بغض النظر عن مدى قوتها وتأثيرها، المهم بالنسبة لها أن تفرض نفسها على الخريطة فيما أصبح الآن يعرف بـ«البراندينغ» بمعنى تلميع الصورة. فبينما كان أمل الدول النامية في القرن العشرين أن تحذو حذو البلدان المتقدمة ببناء المصانع وتطوير صناعاتها، فإن أملها الآن منصب على تجميل صورتها لجذب المستثمرين وصناع الترف. ما شجع الحكومات على دعم هذه الأسابيع أن ثمارها غنية ولا تكلفهم ما يُكلفه بناء محطة توليد كهرباء أو تنظيم الأولمبياد أو كأس العالم مثلا. وهذا ما أكدته كارولاين راش، الرئيس التنفيذي لمنظمة الموضة البريطانية بتصريحها في عدة مناسبات بأن صناعة الموضة في لندن تساعد على جذب المستثمرين، وفي جعل العاصمة البريطانية مركز جذب تجاري يتجسد في افتتاح مصممين عالميين محلات رئيسية لهم فيها.
الساسة البريطانيون أكثر من فهموا اللعبة وخاضوها بحنكة. تارة بفتح أبواب المقر الوزاري، «10 داونينغ ستريت» لوسائل الإعلام خلال الأسبوع، وتارة بحضورهم بعض العروض. بل وشجعوا أفرادا من العائلة المالكة مثل الأمير تشارلز على افتتاح بعضها، ومؤخرا الملكة إليزابيث الثانية، التي حضرت الأسبوع في بادرة غير مسبوقة منذ أن اعتلت العرش البريطاني. العملية بالنسبة لبريطانيا ليست تلميعا بقدر ما هي تجارية بحتة. فالأسبوع يدر على الاقتصاد المحلي أكثر من 26 مليار جنيه إسترليني ويوظف آلاف الناس. وحسب التقارير التي تنشرها منظمة الموضة البريطانية، فهو أهم من قطاع صناعة السيارات. ولا يختلف الأمر في إيطاليا حيت تحقق دار غوتشي وحدها أرباحا تقدر بـ3 مليارات يورو في السنة، كذلك دار برادا و«دولتشي أند غابانا» وغيرها من البيوت الإيطالية الكبيرة. أسبوع نيويورك بدوره يحقق لنيويورك وحدها ما يقرب من 540 مليون دولار أميركي، نحو 40 مليون دولار منها تذهب لصالح المطاعم، و30 مليون دولار لسائقي التاكسيات وإيجار السيارات الخاصة وباقي وسائل النقل، و56 مليون دولار للفنادق.
حتى أسبوع طوكيو الذي انطلق حديثا يدر على اقتصاد البلاد نحو 93 مليون يورو ويجذب نحو 50.000 زائر في الفترة التي يقام فيها، بينما يحقق أسبوع شانغهاي 90.5 مليون يورو. ويأتي الإقبال ومن ثم تنامي كل من أسابيع طوكيو وشانغهاي والهند كونها تتوفر على مصانع إنتاج ضخمة يعتمد عليها الغرب.
أما في أوروبا فإن مدريد تأتي في المرتبة الثالثة من حيث حصدها الأرباح بعد نيويورك ولندن. فأسبوعها يجذب 55.033 زائر، في كل موسم ويولد دخلا إجماليا قدره 104.5 مليون يورو، وهو رقم لا يمكن الاستهانة به إذا أخذنا بعين الاعتبار أن إسبانيا تعاني من ركود اقتصادي كبير منذ سنوات. في عام 2017 شهدت عروضا لنحو 43 مصمما إسبانيا وعالميا، ورغم أنه أقل من عدد المشاركين في ميلانو أو باريس، إلا أنه يتفوق عليهما من ناحية تحقيقه ربحا أكبر. السبب أن من يحضرونه ليسوا من النوع الذي يريد نفش ريشه واستعراض نفسه أمام الكاميرات فقط، بل من النوع الذي يريد أن يُبرم الصفقات.
ورغم أن نيويورك ولندن وميلانو وباريس لا تزال العواصم التي تتصدر خريطة الموضة، فإن نجاحها شجع عواصم أخرى على اقتحام هذا الميدان. فالملاحظ أنه ما إن تنتهي دورة الموضة العالمية في العاصمة الباريسية حتى تُطلق موسكو أو طوكيو أو شانغهاي أسابيع خاصة بها. بل يمكن القول إنه بات لكل عاصمة أسبوعها تقريبا، مثل برلين ولاغوس وكازاخستان ولاهور وإسلام آباد وكوبنهاغن وزنجيبار وجنوب أفريقيا وغيرها. كلها أمل في جني بعض المداخيل والانتعاش السياحي. فالمسألة تتعدى عروضا يستعرض فيها المصممون إبداعاتهم من الأزياء والإكسسوارات، إلى تحريك الفنادق والمطاعم ووسائل المواصلات وما شابه من خدمات يحتاجها الضيوف الوافدون إليها. وقد يقول البعض إن إطلاق أسبوع الموضة بالرياض لا يخضع لهذه المعايير والتطلعات، لأنه من جهة يمثل سوقا مهمة، وثانيا لأن عيون العالم كله عليه «تسويقيا» على الأقل، لكنه بالنسبة لسمو الأميرة نورة بنت فيصل آل سعود الرئيس الفخري للمجلس فإنه ضرورة تأخرت بعض الشيء لكنها تتماشى حاليا مع رؤية 2030 «فالسعودية تتمتع بثروات تتعدى البترول... لدينا مآثر ومعالم تاريخية، كما لدينا شباب له طاقات عالية للإبداع والعطاء، وهذا ما نريد أن يعرفه العالم عندما يأتي إلى الرياض». فالأسبوع فرصة للتعرف على الثروات الفنية والمعمارية والتاريخية، مثل الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى، وغيرها من المعالم الثقافية والحضارية للبلاد التي لا يعرف عنها الغرب الشيء الكثير.
وتكتسب الرياض أهمية أخرى تستمدها من كون 70 في المائة من سكان المملكة من الشباب. وإذا كانت بعض الدول النامية، مثل تركيا وجورجيا وغيرهما، تستعمل أسابيع الموضة للترويج لنفسها كمراكز لصناعة الأقمشة أو الدباغة وغيرها من الصناعات المحلية التي تطمح لإنتاجها أو تصديرها، فإنها بالنسبة للسعودية شيء مختلف. فهي تدخل المنافسة كوسيلة للانفتاح على الغير من خلال خلق مساحة من الحرية للإبداع، متسلحة بقوتها الشرائية التي تثير لعاب صناع الموضة والترف ومراهنة في الوقت نفسه على تعطش مصمميها لإبراز قدراتهم وللتحليق للعالمية. أمل ما يُحسب لها في كل هذا، نيتها في إنماء هذا القطاع بخلق بنيات تحتية مثل معاهد لتدريسها والبحث عن مصادر إنتاج تستثمر فيها حسب تعليق جاكوب أبريان، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجلس الأزياء العربي، بأن الهدف من الأسبوع يتمثل في «تحقيق نتائج طويلة المدى بتطوير بنية تحتية ملائمة في كل العالم العربي، من خلال البحث عن موارد محلية وعالمية وبناء مشاغل والاستثمار في حرفيين وورشات دباغة، وما شابه من أمور تصب في إطار الموضة خصوصا والاقتصاد عموما».
ولا يخفي أحد أنه رغم إمكانيات المملكة الشرائية ومكانتها العالمية فإن المنافسة كبيرة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك ما لا يقل عن 52 أسبوع موضة في العالم تقريبا. بعض الدول لا تكتفي بأسبوع واحد بل تُحفز المنافسة بين مدنها حتى تضمن حصة من الكعكة العالمية، مثل مدريد وبرشلونة في إسبانيا، وساو باولو وريو دي جانيرو في البرازيل، وميلبورن وسيدني في أستراليا، شانغهاي وبكين في الصين، ونيويورك ولوس أنجليس في الولايات المتحدة. غني عن القول إن بعضها لا يزال يتعثر وبعضها الآخر يحبو أولى خطواته ولم يصل بعد إلى مرحلة النضج، لكن الحكومات تُسنده بكل قواها.
لكن البداية تشير إلى أن أسبوع الرياض بدأ أقوى من غيره باختصاره الكثير من المراحل. فعُملته الرابحة تكمن في كونه سوقا يعرفه الغرب جيدا ويقدر فيه أنه يعشق الترف ويتنفسه إلى حد ما. لهذا ليس غريبا أن يثير إعلان العاصمة الرياض عن أول أسبوع موضة لها اهتماما عالميا وصل إلى حد أن المنظمين اضطروا لتأجيله حتى يستطيعوا استقبال ضيوف لم يريدوا تفويت هذه المناسبة التاريخية على أنفسهم: السيدة ليلى عيسى أبو زيد، المديرة العامة لمجلس الأزياء العربي في المملكة العربية السعودية أكدت هذا الأمر بقولها: «منذ الإعلان المبدئي في شهر فبراير (شباط)، حظي الأسبوع باهتمام كبير من الضيوف الدوليين الراغبين في الحضور. ونظراً لأهمية هذه المحطّة التاريخية للمملكة، فإن مجلس الأزياء العربي، بالتعاون مع هيئة الترفيه العامة والمصممين المشاركين، اتخذوا بشكل جماعي خطوات لتأجيل الحدث حتى نتمكّن من استقبال جميع الضيوف القادمين من كل أنحاء العالم، الأمر الذي يتطلّب منا بعض الوقت الإضافي».
واحد من أسباب هذه اللهفة لحضوره، أن السوق السعودية تداعب خيال الغرب منذ زمن بعيد. فعدا أنها إحدى أهم الأسواق التي يُعول عليها لتحريك صناعتها، فإنها كان لحد الآن مُغلقة لا يعرف عنها الشيء الكثير سوى تلك الصورة التي ترسخت في الذهن أنه زبون جيد من الدرجة الأولى. حاولوا مغازلته بشتى الطرق بما في ذلك الاستعانة بأبنائه من خلال تعاونات مع فنانين محليين ومدونين لسبر أغواره والتقرب إلى ثقافته.
من جهتها، تريد الرياض أن تقول للعالم إن الموضة لن تكون مجرد مادة استهلاكية بالنسبة لها، وإن أبناءها لا يفتقدون إلى الموهبة والقدرة على الابتكار، وكل ما يحتاجون إليه هو الإلمام بالجانب التجاري. وهذا ما يمكن تجاوزه بتوفير معاهد أكاديمية تُسلحهم بثقافة متينة تُسندهم، كما هو الحال في نيويورك أو ميلانو أو لندن. وهذا ما أشارت إليه الأميرة نورة عند الإعلان عن الخبر في لندن في شهر فبراير الماضي بقولها: «إن الوقت بات مناسبا لكي تُظهر السعودية وجوهها الفنية والإبداعية والثقافية للعالم»، و«الأهم من هذا حان الوقت لكي نقول إننا لسنا مجرد مستهلكين، بل نتمتع بقدرات هائلة للعطاء على كل المستويات».


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.