المشهد الثقافي الليبي ما بعد القذافي

كتاب: ليس أمامنا سوى المنفى أو مواجهة المقصلة

الروائية نهلة العربي
الروائية نهلة العربي
TT

المشهد الثقافي الليبي ما بعد القذافي

الروائية نهلة العربي
الروائية نهلة العربي

يتبدى السؤال حول مصير المثقف الليبي في معركته مع السلطة، وتحديداً فيما يتعلق بحرية الكتابة وفضاء التعبير بعد مرور 7 سنوات من منعطف فبراير (شباط) 2011، ذا طابع استباقي قياساً بعمر التحولات الكبرى للشعوب، فالوقت، كما يقول قسم من المثقفين الليبيين اللذين قابلناهم، ما زال مبكراً ومخاض الأحداث حافل بالمتغيرات، بينما يروا أن لا شيء قد تغير في الحقيقة، على الأقل من ناحية الجوهر..
الروائية الشابة نهلة العربي تراقب عن كثب آفاق المشهد الثقافي الليبي من خلال عملها محررة للشؤون الثقافية ببوابة الوسط الإلكترونية بالقاهرة، وهي تتحدث عن تجربتها المريرة بليبيا قبل انتقالها إلى مصر مضطرة، بالقول: «لكل عهد مقص رقيب خاص به، لا أعتقد أن شيئاً تغير بعد 2011، وهو إحساس قد يشاركني به كثير من كتاب هذا الجيل، وقد يعتقد البعض أن الأمر تحول لشيء أكثر قسوة من مجرد الرقابة، في عهد القذافي كنا في صراع مع السلطة، مع عدو يبدو إلى حد كبير واضحاً، الآن المعركة مع كثير من الأشباح».
وتشير إلى أن عدد الذين يعملون في الخارج من الأدباء الكتاب والصحافيين في تزايد، بعدما أصبحت الأجواء في ليبيا قاتمة وغير مشجعة، وأضحى الخوض في مجال الثقافة مغامرة بامتياز، فالتهديد والخطف وخطاب الكراهية طال الكثيرين، ومنهم الكاتب الشاب أحمد البخاري أخيراً بعد نشر مقطع من روايته «كاشان» بكتاب «شمس على نوافذ مغلقة»، حتى إن الاتهامات تخطت البخاري لتتحول إلى تكفير كل من شارك بالكتاب، في حملة شرسة ممن أراهن على أنهم لم يطلعوا على الكتاب ولم يقرأوا الرواية أصلاً، ولكن يكفي نعت أي عمل إبداعي يواجه فساد المجتمع بوصفه «خادشاً للحياء العام» ليصبح الكاتب أمام شبح الإقصاء أو المقصلة. وما زلت أتذكر فرحة الكاتبة وفاء البوعيسى صاحبة رواية «للجوع وجوه أخرى» بسقوط النظام السابق بداية الثورة، لكن هذا الفرح تحول بالنسبة لها إلى سلسلة طويلة من الإحباطات انتهت بها خارج البلاد. إنها كاتبة «ملعونة» في العهدين. لا، لم تقدم ثورة فبراير في سنواتها السبع مساحة أكبر للتعبير، ربما في أيام وهجها الأولى كانت كذلك، ولكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن.

فكر إقصائي

الكاتب والقاص إبراهيم احميدان رئيس الجمعية الليبية للآداب والفنون ينطلق من وجهة نظر مقارنة، بحكم تجربته الطويلة في مجال الكتابة الأدبية والعمل الإداري داخل مؤسسات الثقافة. يقول: «في حالة الحديث عن قضية مفصلية وكبرى وهي حرية التعبير، لا بد من الإقرار بوجود تحسن نسبي في هذه المسألة لصالح ثورة فبراير مقارنة بالماضي، خصوصاً إذا وضعنا في اعتبارنا بالقياس أن عهد سبتمبر (القذافي)، مورس فيه انتهاك واسع للحريات مستعيناً بقبضة أمنية قوية. وقد دشن عهده بإغلاق الصحف واعتقال وسجن الكتاب والأدباء والطلاب ورجال الأعمال خلال عامي 73 و76، ثم مرحلة إعدامات في وسط الميادين وفي ساحات الجامعات».
ويستدرك احميدان بقوله إن «المرحلة الأخيرة من نظام القذافي شهدت تحسناً في حرية التعبير، خصوصاً مع إطلاق مشروع (ليبيا الغد)، لكن يبدو أن النظام لم يكن جاداً حتى في مشروع التوريث، فعاد مجدداً للتضييق على الصحافيين والأدباء ومصادرة مؤلفاتهم، ولم تستطع السلطة الاستبدادية أن تغير من جلدها».
وفي تقييمه لآفاق المسار الحالي، يلمح إلى أنه «في مقابل ظهور حراك مجتمعي واسع، وبروز صحافة خاصة، وحراك مجتمعي، فإن سيطرة جماعات آيديولوجية إسلاموية على المشهد، أعادنا إلى المربع الأول، لتحجب الكتب مجدداً كما حدث مع المطبوعات التي صودرت في معرض الكتاب بمدينة المرج العام الماضي 2017، ما يكشف أن العقود الطويلة من الاستبداد وحكم الفرد رسخت في الأذهان الفكر الإقصائي للأسف، حتى ونحن ندعي قبول الآخر، فما أسهل رفع الشعارات وما أصعب تنفيذها».
وتقول الشاعرة حنان محفوظ التي صدر لها أخيراً ديوان «زهرة الريح» إنها «تخوض غمار معركة مزدوجة مع نصوصها، فهي تتشابك مع المفردات القارة في مخيلتها وإنضاجها فنياً من جهة، ومن جهة أخرى ما قد تبثه القصائد في أجواء مشحونة تمارس فيها السلطة دورها الثيوقراطي الذي ستتكفل إحدى السلطات الكثيرة المتناسلة من رحم الصراع بتنفيذه... أي أخشى القول إن فوبيا التأويل بدأت تلتمس طريقها إلى عقلي».

علاقة ملتبسة

الكاتب والصحافي علي شعيب يشخص المشكل الثقافي في كون العلاقة بين المثقف الليبي والسلطة ما زالت ملتبسة... ولم يختلف وضع هذه الإشكالية بعد فبراير 2011 عنه قبلها مع فارق بسيط جداً. فبينما كان المثقف قبل فبراير يحسب ألف حساب لجملته، وما إذا كانت تلك الجملة ستنطلي على الرقباء الذين تعج بهم أروقة الأمن الداخلي أو المخابرات أو المتطوعين الذين يتابعون ما يكتب وينشر ويدبجون التقارير التي يتم بموجبها تصنيف المثقفين وإدراجهم في قوائم اليسار أو اليمين أم لا، لجأ كثير من المثقفين إلى استخدام «الرمزية» لتمرير آرائهم وأفكارهم سواء في مقالات أو قصص وروايات كما في العمل الروائي «الأرامل والولي الأخير» للكاتب الراحل خليفة حسين مصطفى الذي لجأ إلى العهد العثماني مسقطاً أحداثه وشخوصه على واقعه. هذه الوضعية تحد من انطلاقة الكاتب الذي تتقافز خيالات الرقباء أمامه في كل لحظة.
ويرى شعيب أن وضعية المثقف الليبي بعد عام 2011 أشد وطأة، وذلك لعدم وجود سلطة بالأساس، ولا سيادة قانون، وحتى إن وجد رجال القانون فليس ثمة من ينفذ الأحكام التي يصدرها قضاة يتمتعون بالنزاهة وصفاء السريرة والضمير دون خوف أو وجل من مئات المجموعات المسلحة المنتشرة في كل أرجاء البلاد.

إشكالية تاريخية

ويشير رضا بن موسى عضو رابطة الأدباء والكتاب الليبيين في سياق إجابته عن المكاسب التي تحققت فيما يخص حرية التعبير، إلى ضرورة إدراك أن مفهوم السلطة لا يعني فقط السلطة السياسية، بل تندرج ضمنها السلطة الاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية، وبالتالي فإن إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة هي إشكالية تاريخية، حسبما تطرق إلى تحليلها بعمق المفكر اليساري غرامشي وغيره. وإذ إن المعرفة هي سلطة الكاتب أو العارف تشكل بدورها سلطة تمارس نفوذها على الناس، وبما لها من القدرة على الإقناع والتأثير والمنافسة على الفضاء العام، الذي تسعى السلطة السياسية لامتلاكه، لهذا غالباً ما تتصادم مع السلطة السياسية المستندة على أدوات القهر.
ويتطرق بن موسى إلى الخصوصية الليبية بقوله إن العلاقة هنا أكثر توتراً، فالمجتمع المتخلف، كما يقول الكاتب الليبي يوسف القويري، وأعتقد أن مقولته لا تزال قائمة، «يقذف طلائعه نحو المنفى النفسي...»، بل قد يدفع بطلائعه المثقفة فكرياً وسياسياً قسرياً إلى خارج الوطن، إذا نجا من السجن أو الموت، فالسلطات المهيمنة وكما يرى محمد الفقيه صالح «تنظر إلى استقلالية الثقافي بعين الريبة والشك، فهي ترى فيه منافساً لها على التملك الثقافي للمجتمع، وحيث لا تسود إلا الإطلاقية التي تتمترس بالسلاح ونفي الآخر وتحطيم الروح المتوهجة، والتي تضغط على الكاتب بأن تضعه دوماً مواجهاً لتلك السلطات المتعددة. أو تعرض عليه خياراً يلغي موقفه واستقلاليته فيصبح فقيهاً لها يسوغ قمعها ويفرض سلطانها وهيمنتها ويكتب الرأي الذي يتوافق مع هواها.
وكانت بدأت المواجهة بين الكاتب والسلطة في التاريخ الليبي المعاصر منذ الاستقلال 1951، وتمظهرت في حظر بعض الصحف بسبب الكتابات التي تتعارض وسياسات النظام الملكي. ومع وقوع الانقلاب العسكري في عام 1969، أخذت القيادة العسكرية للنظام الجديد تفرض سيطرتها على مجمل مناحي الحياة في البلاد، ومنها بالطبع الحياة الثقافية والإعلامية، وكانت البداية مع نوفمبر (تشرين الثاني) 1969 بإغلاق صحيفة «الميدان»، لنشرها مقالاً يختلف مع وجهة السلطة حول التنمية. وإذ إن النظام العسكري تبنى مبكراً رؤى آيديولوجية محددة، تتكئ على القومية العروبية والدين الإسلامي، ولكن بخطاب عصابي موتور، وتحولت فيما بعد إلى أطروحات ما سميت الجماهيرية، فكانت منظومة فكرية سياسية متعصبة ومغلقة.
ويضيف الكاتب: «استمر توتر العلاقة بين الكاتب والسلطة بعد 2011، وتجلى ذلك في منع كتب من قبل السلطة الدينية السلفية، وهددت الميليشيات عدة مؤسسات ثقافية بالإغلاق. لذا لجأ الكتاب إلى الفضاء الإلكتروني لنشر آرائهم تجاه واقعهم المعاش، بسبب الاستيلاء على مؤسسة الصحافة الداعمة، من قبل قوى لا علاقة لها بأصول المهنة وحرفيتها، أو نتيجة التهديدات الموجهة لهم، من جماعات إرهابية، عبر قوائم يتم الإعلان عنها، لإرعابهم ودفعهم إلى الانزواء، كما حدث باغتيال الصحافي مفتاح أبو زيد».
وينظر كل من الروائي عبد الحفيظ العابد والناقد ناصر سالم المقرحي إلى قضية حرية التعبير باعتبارها قضية إشكالية جداً، «بحكم أننا إزاء سلطات متعدّدة المرجعيّات، ومن ثمّ فإنّ اتخاذ موقف ما قد يكون محلّ اختلاف بين هذه السلطات، فما يُعدّ غير مقبول عند بعضهم يكون موضع ترحيب عند آخرين».
وأخيراً يقول الصحافي منتصر الشريف الذي شغل منصب سكرتير تحرير صحيفة «البلاد» التي توقفت عن الصدور منذ عام 2013 بسبب فوضى الإدارة الحاصلة في مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة الصحافة معلقاً: «صدمتنا كانت كبيرة، ولم يبقَ لنا إلا خيار الهجرة أو ترك المهنة».



«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.