المشهد الثقافي الليبي ما بعد القذافي

كتاب: ليس أمامنا سوى المنفى أو مواجهة المقصلة

الروائية نهلة العربي
الروائية نهلة العربي
TT

المشهد الثقافي الليبي ما بعد القذافي

الروائية نهلة العربي
الروائية نهلة العربي

يتبدى السؤال حول مصير المثقف الليبي في معركته مع السلطة، وتحديداً فيما يتعلق بحرية الكتابة وفضاء التعبير بعد مرور 7 سنوات من منعطف فبراير (شباط) 2011، ذا طابع استباقي قياساً بعمر التحولات الكبرى للشعوب، فالوقت، كما يقول قسم من المثقفين الليبيين اللذين قابلناهم، ما زال مبكراً ومخاض الأحداث حافل بالمتغيرات، بينما يروا أن لا شيء قد تغير في الحقيقة، على الأقل من ناحية الجوهر..
الروائية الشابة نهلة العربي تراقب عن كثب آفاق المشهد الثقافي الليبي من خلال عملها محررة للشؤون الثقافية ببوابة الوسط الإلكترونية بالقاهرة، وهي تتحدث عن تجربتها المريرة بليبيا قبل انتقالها إلى مصر مضطرة، بالقول: «لكل عهد مقص رقيب خاص به، لا أعتقد أن شيئاً تغير بعد 2011، وهو إحساس قد يشاركني به كثير من كتاب هذا الجيل، وقد يعتقد البعض أن الأمر تحول لشيء أكثر قسوة من مجرد الرقابة، في عهد القذافي كنا في صراع مع السلطة، مع عدو يبدو إلى حد كبير واضحاً، الآن المعركة مع كثير من الأشباح».
وتشير إلى أن عدد الذين يعملون في الخارج من الأدباء الكتاب والصحافيين في تزايد، بعدما أصبحت الأجواء في ليبيا قاتمة وغير مشجعة، وأضحى الخوض في مجال الثقافة مغامرة بامتياز، فالتهديد والخطف وخطاب الكراهية طال الكثيرين، ومنهم الكاتب الشاب أحمد البخاري أخيراً بعد نشر مقطع من روايته «كاشان» بكتاب «شمس على نوافذ مغلقة»، حتى إن الاتهامات تخطت البخاري لتتحول إلى تكفير كل من شارك بالكتاب، في حملة شرسة ممن أراهن على أنهم لم يطلعوا على الكتاب ولم يقرأوا الرواية أصلاً، ولكن يكفي نعت أي عمل إبداعي يواجه فساد المجتمع بوصفه «خادشاً للحياء العام» ليصبح الكاتب أمام شبح الإقصاء أو المقصلة. وما زلت أتذكر فرحة الكاتبة وفاء البوعيسى صاحبة رواية «للجوع وجوه أخرى» بسقوط النظام السابق بداية الثورة، لكن هذا الفرح تحول بالنسبة لها إلى سلسلة طويلة من الإحباطات انتهت بها خارج البلاد. إنها كاتبة «ملعونة» في العهدين. لا، لم تقدم ثورة فبراير في سنواتها السبع مساحة أكبر للتعبير، ربما في أيام وهجها الأولى كانت كذلك، ولكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن.

فكر إقصائي

الكاتب والقاص إبراهيم احميدان رئيس الجمعية الليبية للآداب والفنون ينطلق من وجهة نظر مقارنة، بحكم تجربته الطويلة في مجال الكتابة الأدبية والعمل الإداري داخل مؤسسات الثقافة. يقول: «في حالة الحديث عن قضية مفصلية وكبرى وهي حرية التعبير، لا بد من الإقرار بوجود تحسن نسبي في هذه المسألة لصالح ثورة فبراير مقارنة بالماضي، خصوصاً إذا وضعنا في اعتبارنا بالقياس أن عهد سبتمبر (القذافي)، مورس فيه انتهاك واسع للحريات مستعيناً بقبضة أمنية قوية. وقد دشن عهده بإغلاق الصحف واعتقال وسجن الكتاب والأدباء والطلاب ورجال الأعمال خلال عامي 73 و76، ثم مرحلة إعدامات في وسط الميادين وفي ساحات الجامعات».
ويستدرك احميدان بقوله إن «المرحلة الأخيرة من نظام القذافي شهدت تحسناً في حرية التعبير، خصوصاً مع إطلاق مشروع (ليبيا الغد)، لكن يبدو أن النظام لم يكن جاداً حتى في مشروع التوريث، فعاد مجدداً للتضييق على الصحافيين والأدباء ومصادرة مؤلفاتهم، ولم تستطع السلطة الاستبدادية أن تغير من جلدها».
وفي تقييمه لآفاق المسار الحالي، يلمح إلى أنه «في مقابل ظهور حراك مجتمعي واسع، وبروز صحافة خاصة، وحراك مجتمعي، فإن سيطرة جماعات آيديولوجية إسلاموية على المشهد، أعادنا إلى المربع الأول، لتحجب الكتب مجدداً كما حدث مع المطبوعات التي صودرت في معرض الكتاب بمدينة المرج العام الماضي 2017، ما يكشف أن العقود الطويلة من الاستبداد وحكم الفرد رسخت في الأذهان الفكر الإقصائي للأسف، حتى ونحن ندعي قبول الآخر، فما أسهل رفع الشعارات وما أصعب تنفيذها».
وتقول الشاعرة حنان محفوظ التي صدر لها أخيراً ديوان «زهرة الريح» إنها «تخوض غمار معركة مزدوجة مع نصوصها، فهي تتشابك مع المفردات القارة في مخيلتها وإنضاجها فنياً من جهة، ومن جهة أخرى ما قد تبثه القصائد في أجواء مشحونة تمارس فيها السلطة دورها الثيوقراطي الذي ستتكفل إحدى السلطات الكثيرة المتناسلة من رحم الصراع بتنفيذه... أي أخشى القول إن فوبيا التأويل بدأت تلتمس طريقها إلى عقلي».

علاقة ملتبسة

الكاتب والصحافي علي شعيب يشخص المشكل الثقافي في كون العلاقة بين المثقف الليبي والسلطة ما زالت ملتبسة... ولم يختلف وضع هذه الإشكالية بعد فبراير 2011 عنه قبلها مع فارق بسيط جداً. فبينما كان المثقف قبل فبراير يحسب ألف حساب لجملته، وما إذا كانت تلك الجملة ستنطلي على الرقباء الذين تعج بهم أروقة الأمن الداخلي أو المخابرات أو المتطوعين الذين يتابعون ما يكتب وينشر ويدبجون التقارير التي يتم بموجبها تصنيف المثقفين وإدراجهم في قوائم اليسار أو اليمين أم لا، لجأ كثير من المثقفين إلى استخدام «الرمزية» لتمرير آرائهم وأفكارهم سواء في مقالات أو قصص وروايات كما في العمل الروائي «الأرامل والولي الأخير» للكاتب الراحل خليفة حسين مصطفى الذي لجأ إلى العهد العثماني مسقطاً أحداثه وشخوصه على واقعه. هذه الوضعية تحد من انطلاقة الكاتب الذي تتقافز خيالات الرقباء أمامه في كل لحظة.
ويرى شعيب أن وضعية المثقف الليبي بعد عام 2011 أشد وطأة، وذلك لعدم وجود سلطة بالأساس، ولا سيادة قانون، وحتى إن وجد رجال القانون فليس ثمة من ينفذ الأحكام التي يصدرها قضاة يتمتعون بالنزاهة وصفاء السريرة والضمير دون خوف أو وجل من مئات المجموعات المسلحة المنتشرة في كل أرجاء البلاد.

إشكالية تاريخية

ويشير رضا بن موسى عضو رابطة الأدباء والكتاب الليبيين في سياق إجابته عن المكاسب التي تحققت فيما يخص حرية التعبير، إلى ضرورة إدراك أن مفهوم السلطة لا يعني فقط السلطة السياسية، بل تندرج ضمنها السلطة الاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية، وبالتالي فإن إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة هي إشكالية تاريخية، حسبما تطرق إلى تحليلها بعمق المفكر اليساري غرامشي وغيره. وإذ إن المعرفة هي سلطة الكاتب أو العارف تشكل بدورها سلطة تمارس نفوذها على الناس، وبما لها من القدرة على الإقناع والتأثير والمنافسة على الفضاء العام، الذي تسعى السلطة السياسية لامتلاكه، لهذا غالباً ما تتصادم مع السلطة السياسية المستندة على أدوات القهر.
ويتطرق بن موسى إلى الخصوصية الليبية بقوله إن العلاقة هنا أكثر توتراً، فالمجتمع المتخلف، كما يقول الكاتب الليبي يوسف القويري، وأعتقد أن مقولته لا تزال قائمة، «يقذف طلائعه نحو المنفى النفسي...»، بل قد يدفع بطلائعه المثقفة فكرياً وسياسياً قسرياً إلى خارج الوطن، إذا نجا من السجن أو الموت، فالسلطات المهيمنة وكما يرى محمد الفقيه صالح «تنظر إلى استقلالية الثقافي بعين الريبة والشك، فهي ترى فيه منافساً لها على التملك الثقافي للمجتمع، وحيث لا تسود إلا الإطلاقية التي تتمترس بالسلاح ونفي الآخر وتحطيم الروح المتوهجة، والتي تضغط على الكاتب بأن تضعه دوماً مواجهاً لتلك السلطات المتعددة. أو تعرض عليه خياراً يلغي موقفه واستقلاليته فيصبح فقيهاً لها يسوغ قمعها ويفرض سلطانها وهيمنتها ويكتب الرأي الذي يتوافق مع هواها.
وكانت بدأت المواجهة بين الكاتب والسلطة في التاريخ الليبي المعاصر منذ الاستقلال 1951، وتمظهرت في حظر بعض الصحف بسبب الكتابات التي تتعارض وسياسات النظام الملكي. ومع وقوع الانقلاب العسكري في عام 1969، أخذت القيادة العسكرية للنظام الجديد تفرض سيطرتها على مجمل مناحي الحياة في البلاد، ومنها بالطبع الحياة الثقافية والإعلامية، وكانت البداية مع نوفمبر (تشرين الثاني) 1969 بإغلاق صحيفة «الميدان»، لنشرها مقالاً يختلف مع وجهة السلطة حول التنمية. وإذ إن النظام العسكري تبنى مبكراً رؤى آيديولوجية محددة، تتكئ على القومية العروبية والدين الإسلامي، ولكن بخطاب عصابي موتور، وتحولت فيما بعد إلى أطروحات ما سميت الجماهيرية، فكانت منظومة فكرية سياسية متعصبة ومغلقة.
ويضيف الكاتب: «استمر توتر العلاقة بين الكاتب والسلطة بعد 2011، وتجلى ذلك في منع كتب من قبل السلطة الدينية السلفية، وهددت الميليشيات عدة مؤسسات ثقافية بالإغلاق. لذا لجأ الكتاب إلى الفضاء الإلكتروني لنشر آرائهم تجاه واقعهم المعاش، بسبب الاستيلاء على مؤسسة الصحافة الداعمة، من قبل قوى لا علاقة لها بأصول المهنة وحرفيتها، أو نتيجة التهديدات الموجهة لهم، من جماعات إرهابية، عبر قوائم يتم الإعلان عنها، لإرعابهم ودفعهم إلى الانزواء، كما حدث باغتيال الصحافي مفتاح أبو زيد».
وينظر كل من الروائي عبد الحفيظ العابد والناقد ناصر سالم المقرحي إلى قضية حرية التعبير باعتبارها قضية إشكالية جداً، «بحكم أننا إزاء سلطات متعدّدة المرجعيّات، ومن ثمّ فإنّ اتخاذ موقف ما قد يكون محلّ اختلاف بين هذه السلطات، فما يُعدّ غير مقبول عند بعضهم يكون موضع ترحيب عند آخرين».
وأخيراً يقول الصحافي منتصر الشريف الذي شغل منصب سكرتير تحرير صحيفة «البلاد» التي توقفت عن الصدور منذ عام 2013 بسبب فوضى الإدارة الحاصلة في مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة الصحافة معلقاً: «صدمتنا كانت كبيرة، ولم يبقَ لنا إلا خيار الهجرة أو ترك المهنة».



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».