الوجه الحوثي لصنعاء: أسواق ليست للفقراء... وأبرز الزبائن أعضاء الجماعة

سكان في العاصمة اليمنية لـ«الشرق الأوسط»: نعيش عهداً مظلماً

جانب من متجر أغذية في العاصمة اليمنية (أ.ف.ب)
جانب من متجر أغذية في العاصمة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الوجه الحوثي لصنعاء: أسواق ليست للفقراء... وأبرز الزبائن أعضاء الجماعة

جانب من متجر أغذية في العاصمة اليمنية (أ.ف.ب)
جانب من متجر أغذية في العاصمة اليمنية (أ.ف.ب)

«هي صنعاء التي تعرفها، إذا استثنيت ذلك التشوه البصري الذي علق بأسوارها جراء تفشي (لعنة الموت الخمينية)... الأسواق بضوضائها، تعرجات الشوارع المثخنة بالفقد، وفضول المارة وهم يحدقون في واجهات المباني، وكأنهم يعدونها بالخلاص القريب من وعثاء الميليشيات».
«عاد سعر الريال إلى سابق عهده قبل أسبوع، لكن تجار المواد الغذائية يرفضون العودة إلى نفس الأسعار السابقة».
في وسط صنعاء، وتحديداً شارع القصر، يتهافت على المارة «صرافو العملات» المتنقلون، وعلى مقربة منهم تشرع متاجر الصرافة أبوابها عن اليمين وعن الشمال.
استعاد الريال اليمني عافيته لليوم الثالث على التوالي. لكن لم يستعد اليمنيون دولتهم المخطوفة، ولا نمط حياتهم المعيشي الذي بات ذكرى للكثيرين منهم أشبه بحلم لذيذ في ليلة دافئة، به يلوذون لتناسي الكابوس الحوثي المقيم. كانت هذه فواصل من أحاديث صنعانية، خلال جولة ميدانية لـ«الشرق الأوسط» في أسواق العاصمة اليمنية.
يقول أحد العاملين في متاجر الصرافة: «معضلة أخرى نلحظها هنا، تتمثل في عدم انخفاض أسعار السلع والمواد الغذائية بعد الزيادة الأخيرة التي شهدتها مطلع الأسبوع، جراء انهيار سعر الريال، وتجاوزه حاجز الـ500 ريال مقابل الدولار». يتهكم مجدي وهو شاب يعمل في أحد المتاجر بسخرية: «في هذه البلاد لا شيء يعود إلى سابق عهده، حتى لو وصل سعر الدولار إلى ريال واحد ستبقى أسعار السلع كما هي».
يخاطب أحد المتسوقين شخصاً إلى جواره يبدو أنه صديقه بعد أن دخل معه في جدال «خلوا (السيد) يجيب لكم أحجار كريمة» في إشارة ساخرة إلى أحد خطابات زعيم ميليشيا الحوثيين عبد الملك الحوثي قبل انقلابه على السلطة الشرعية، التي زعم فيه أن «الحجارة في اليمن وحدها تكفي للقضاء على الفقر».
تزخر الأسواق بكل شيء، السلع الأساسية، والخضار، وأنواع الفواكه المستوردة والمحلية، ومستلزمات التجميل، ومتطلبات «الطاقة الشمسية» التي استعاض بها سكان العاصمة عن «الكهرباء العمومية».
كل ما يخطر في البال، تراه في هذا الركن من المتجر، أو في ركن مقابل، يقول مجدي: «لا يوجد حصار على اليمن إلا في مخيلة الحوثي وخطاباته التعيسة».
سعر الريال اليمني رسا أمس في متاجر الصرافة ما بين 430 و460 ريالاً للدولار الواحد، ما يعني أنه استعاد نحو 100 ريال من قيمته بعد الوديعة السعودية، إذ بلغ صرف الدولار الواحد قبلها نحو 530 ريالاً.
ويتبرأ أحد تجار الجملة في منطقة شعوب وسط العاصمة اليمنية من مسؤولية ارتفاع الأسعار، ويلقيها على «سياسات الحوثي وعبث ميليشياته التي تفرض إتاوات على أغلب التجار في كل مناسبة، إلى جانب الضرائب والجمارك المضاعفة التي تفرضها الجماعة علينا في مداخل المدن». يضيف بأن «أجور النقل كارثة أخرى واجهتنا بسبب ارتفاع سعر المشتقات النفطية، التي حولها الحوثي إلى سوق سوداء بعد أن قام بتدمير (شركة النفط)، وألغى دورها ليتيح المجال لقياداته لتأسيس شركات خاصة تحتكر استيراد الوقود».
أغلب محطات الوقود في صنعاء مشرعة أبوابها، حتى أيام الإجازات، لا توجد طوابير زحام ولا مخاوف من أزمة محتملة، لكن سعر الـ20 لتراً من البنزين يبلغ نحو 8 آلاف ريال يمني في المتوسط، وهو سعر يزيد عن ضعف السعر الذي كان متداولاً قبل انقلاب الحوثي على السلطة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014. ليست المشكلة - كما يقول متسوق آخر - «في الحصار المزعوم الذي يصدع رؤوسنا به إعلام الحوثيين ليل نهار، ولكن في انعدام القدرة الشرائية لدى الناس». 16 شهراً مضت، ونحو مليون موظف بلا رواتب، هؤلاء يعولون بحسب تقديرات منظمات الإغاثة نحو 7 ملايين نسمة، ما يعني أن الشق الأغلب من الناس صاروا يعيشون داخل الهاوية التي حفرها الحوثي لهم بجنونه الطائفي وتبعيته للمشروع الإيراني.
خلال 3 سنوات من الانقلاب المشؤوم، جرفت الميليشيات كل شيء، خمسة مليارات دولار على الأقل احتياطي البنك المركزي ونحو ترليوني ريال من العملة المحلية ذهبت كلها أدراج الرياح وإلى جيوب قادة الميليشيا، كما يقول مسؤولو الحكومة الشرعية.
في أحد منعطفات تجوالنا، كان أحد الحلاقين الشهيرين في شارع حدة يقف عند باب صالونه، يتأمل المارة، وكأنه يبحث عن زبونه الموعود الذي طال انتظاره ولم يأت بعد إلى الباب.
يتهكم صاحبنا، الذي فضل عدم ذكر اسمه، من الوضع البائس الذي بات عليه الناس. يقول: «كانت الزبائن قبل دخول الحوثي صنعاء يتأخرون عن موعد الحلاقة المفترض بسبب انشغالهم في الأعمال والوظائف، الآن يتأخرون عن الموعد لأنهم بلا أعمال ولا رواتب يسددون منها أجرة الحلاقة».
يقاطع الحديث معه فجأة، دوي رصاص وألعاب نارية وطبول وأهازيج من مكبرات صوت، وهو مشهد بات اعتيادياً في صنعاء، للمواكب التي ينظمها الحوثيون لقتلاهم حين يعودون بهم إلى أسرهم جثثاً هامدة، وحين يشيعونهم إلى المقابر التي ازدهرت في عهدهم على نحو غير مسبوق.
يعلق الحلاق وهو يشير إلى الموكب: «هؤلاء فقط من بات يملك كل شيء». تعليقه هذا ليس من باب إلقاء الكلام على عواهنه، كما يظن البعض، فأغلب ملاك مكاتب العقارات والأراضي يؤكدون أن أغلب زبائنهم باتوا من قادة الميليشيات الحوثية، وتحديدًا من قيادات صعدة.
الكثير من المواطنين في صنعاء ركنوا سياراتهم أمام منازلهم، أو اضطروا إلى بيعها بأسعار زهيدة، إما لأنهم في حاجة إلى المال لسد بعض متطلبات المعيشة، وإما لأنهم أصبحوا لا يستطيعون شراء الوقود.
يعلق يحيى وهو شاب جامعي بقوله: «توقع حوثياً مرفهاً فقط، حين تمر إلى جوارك سيارة دفع رباعي، أما من ما زال يملك سيارة من ميسوري الحال فهي في الأغلب من النوع الأرخص والأقل استهلاكاً للوقود».
لم ترتفع أسعار الخبز بأنواعه في العاصمة، لكن ملاك الأفران لجأوا كعادتهم بعد ارتفاع سعر القمح مع تدهور العملة إلى تصغير حجم الرغيف. يقول محسن وهو موظف في شركة خاصة: «كنت أكتفي برغيفين عند الغداء، الآن أشتي (أريد) عشرة أرغفة على الأقل لكي أشبع».
أينما وجهت نفسك في شوارع صنعاء، هناك طوابير من المتسولين على غير العادة، رجال ونساء وصغار، أصحاب عاهات وأعضاء مبتورة، في هيئة متشردين بل وفي هيئات محترمة أيضاً! تتوقف في تقاطعات المدينة على وقع إشارة متوسلة من رجل مرور يجاهد للسيطرة على لهفة العربات المستعجلة. في تقاطع شارع القيادة، باعة متجولون يعرضون عليك قناني المياه المعدنية وأقراصاً مدمجة لأهازيج الميليشيات الحوثية. تفتقد تنافس باعة الصحف المتنوعة بتوجهاتها في هذا المكان قبل سنوات، يمر طفل في العاشرة تقريباً خالي الوفاض إلا من الصحيفة الناطقة باسم الحوثيين (صدى المسيرة)، يحاول جاهداً إقناعك بشرائها، وحين يفشل يقول: «خلاص ادي لي (أعطني) عشرين ريال لله».
تغالب دمعتك وأنت تستقرئ نماذج محزنة تعبر عن معضلة 3 ملايين نسمة على الأقل هم في حكم الأسرى تحت قبضة الميليشيات الحوثية.
الجميع يحتاجون طعاماً ودواءً وتعليماً ومياهاً نظيفة للشرب، ولا سلطة تحس بأوجاعهم ولا ضمير يهتز إلا باتجاه محاولة خطف أبنائهم إلى محارق الموت الحوثية.
وعد الحوثي بصرف نصف راتب للموظفين قبل شهرين، لكن لم يفِ بوعده، وفي آخر اجتماع لحكومته الانقلابية هذا الأسبوع قرر أن تكون الأولوية للإنفاق على جبهات القتال.
أحد المعلمين تحول إلى بائع متجول للبطاطس المقلية منزلياً، يقول: «كيف نستطيع أن نذهب لتعليم التلاميذ ولا نملك أجرة المواصلات، وكيف نعود بعد انتهاء اليوم وليس معنا قيمة خبز لمن نعولهم، ومن أين تجد (فكة بسيطة) ترضي بها أصغر أطفالك وهو يتحسس جيبك لشراء حلواه المفضلة».
كل ملامح الحياة في صنعاء قابلة للاستنطاق. مسلحون يجوبون الشوارع، أسواق مكتظة بالسلع وفقر يعصر البطون تكاد تسمعه من خلف الجدران الإسمنتية. خارج نطاق قطاع الموظفين الحكوميين، هناك من صمد لإبقاء عمله الخاص ليقيه شر الفاقة، كما هو حال أصحاب المهن اليدوية. والبعض الآخر ينتظر ما يرسله قريب له يعمل خارج اليمن من وقت لآخر، كما هو حال مازن الذي صادفناه في محل للصرافة يستلم حوالته المرسلة من ابن عمه المغترب في الولايات المتحدة.
وبين هذا وذاك لا يزال الكثير من المواطنين يواجهون مصيرهم منفردين، في واقع تقول خلاصته «إن صنعاء التاريخ والحضارة أصبحت تغرق في أكثر أزمنتها إظلاماً على الإطلاق».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.