ترمب يبلغ عباس نيته نقل السفارة إلى القدس... ويفجر احتجاجات

خادم الحرمين الشريفين قال إن الخطوة ستضر بمفاوضات السلام - استنفار في إسرائيل... والفلسطينيون يتجهون لطلب قمة طارئة... وترقب في أوروبا

منظر عام لمدينة القدس أمس (رويترز)
منظر عام لمدينة القدس أمس (رويترز)
TT

ترمب يبلغ عباس نيته نقل السفارة إلى القدس... ويفجر احتجاجات

منظر عام لمدينة القدس أمس (رويترز)
منظر عام لمدينة القدس أمس (رويترز)

في تصعيد مباشر، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والملك عبد الله الثاني ملك الأردن، أمس نيته نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، على الرغم من التحذيرات الدولية والإقليمية والمحلية من هكذا خطوة محتملة.
وأكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لترمب، أن أي إعلان أميركي بشأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سيضر بمفاوضات السلام، ويزيد التوتر في المنطقة، موضحاً أن سياسة السعودية كانت ولا تزال داعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.
جاء ذلك ضمن اتصال هاتفي تلقاه خادم الحرمين الشريفين أمس من الرئيس الأميركي، وقد شدد الملك سلمان على أن من شأن هذه الخطوة التي وصفها بـ«الخطيرة»، بأنها استفزاز لمشاعر المسلمين كافة حول العالم، نظراً لمكانة القدس العظيمة، والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين، كما بحث الجانبان العلاقات بين البلدين، وتطورات الأوضاع في المنطقة والعالم.
وكان الأمير خالد بن سلمان، سفير السعودية في واشنطن، قد أشار في بيان إلى أن أي إعلان أميركي بشأن وضع القدس قبل التوصل إلى تسوية نهائية «سيضر بعملية السلام ويزيد التوتر في المنطقة»، مشددا على أن سياسة بلاده كانت ولا تزال داعمة للشعب الفلسطيني، وأنه تم نقل هذا إلى الإدارة الأميركية، بينما شدد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية أمس، على أن بلاده ترى أن الإقدام على هذه الخطوة «يعد إخلالاً كبيراً بمبدأ عدم التأثير على مفاوضات الحل النهائي، ويخالف القرارات الدولية، التي أكدت حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والراسخة في القدس، التي لا يمكن المساس بها أو محاولة فرض أمر واقع عليها».
وأضاف الأمير خالد بن سلمان أن هذه الخطوة «سيكون لها تداعيات بالغة الخطورة، وإضفاء المزيد من التعقيدات على النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وتعطيل الجهود الحثيثة القائمة لإحياء عملية السلام»، كما أن من شأنها استفزاز مشاعر المسلمين كافة حول العالم، في ظل محورية القدس وأهميتها القصوى، مؤكدا موقف السعودية الثابت من القدس، ووقوفها الراسخ والدائم إلى جانب الشعب الفلسطيني لينال حقوقه المشروعة وإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
وأكد الدكتور عواد بن صالح العواد، وزير الثقافة والإعلام السعودي، أن مجلس الوزراء جدد خلال الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء، أمس في الرياض، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، موقف السعودية الثابت ووقوفها الراسخ والدائم إلى جانب الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، وإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، معبراً عن القلق البالغ والعميق مما تردد عن عزم الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، مما يعد إخلالاً كبيراً بمبدأ عدم التأثير على مفاوضات الحل النهائي، ومشدداً على أهمية أخذ الإدارة الأميركية في الحسبان العواقب البالغة السلبية لهذه الخطوة، وأمل المملكة في عدم اتخاذها لكي لا تؤثر على قدرة الولايات المتحدة الأميركية على مواصلة مساعيها في الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وفق المرجعيات الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية.
وحذر عبد الله الثاني، بحسب الديوان الملكي، من خطورة اتخاذ أي قرار خارج إطار حل شامل يحقق إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، مشدداً على أن القدس هي مفتاح تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة والعالم، وأن اتخاذ هذا القرار سيكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وسيقوض جهود الإدارة الأميركية لاستئناف العملية السلمية، ويؤجج مشاعر المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
وقال نبيل أبو ردينة، الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، إن الرئيس عباس حذر في حديثه مع ترمب من خطورة تداعيات مثل هذا القرار على عملية السلام والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، مضيفا في بيان يشير إلى مكالمة متوترة بين ترمب وعباس: «الرئيس يؤكد مجدداً على موقفنا الثابت والراسخ بأن لا دولة فلسطينية دون القدس الشرقية عاصمة لها، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية».
وتابع أبو ردينة موضحاً: «سيواصل الرئيس اتصالاته مع قادة وزعماء العالم من أجل الحيلولة دون اتخاذ مثل هذه الخطوة المرفوضة وغير المقبولة».
ولم يعرف ما إذا كان ترمب قد أعلن موعداً محدداً لنقل السفارة، لكن إبلاغه ذلك للرئيس عباس جاء قبل يوم من خطاب مرتقب له، من شأنه تغيير المعادلة في المنطقة. كما جاءت مكالمة ترمب غير المتوقعة في ظل توتر كبير في المنطقة وتحذيرات فلسطينية وعربية ودولية من قرارات أميركية من شأنها المس باحتمال الوصول إلى حل الدولتين.
وسينتظر الفلسطينيون بترقب شديد خطاب ترمب اليوم ليروا ما إذا كان سيعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو أنه سيعلن نقل السفارة الأميركية إليها، قبل اتخاذ قرارات ومواقف. ويتجه الفلسطينيون إلى المطالبة بعقد قمة عربية طارئة وعاجلة لمناقشة خطوة أميركية محتملة، تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أنه إذا أعلن الرئيس الأميركي خطوة كهذه فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيطلب اجتماعا طارئا للجامعة للعربية من أجل مناقشة رد عربي موحد ومنسق، يشمل إنهاء عملية السلام الحالية، وعدم قبول أي دور للولايات المتحدة في أي نشاط متعلق بهذه المسألة.
وقالت الرئاسة الفلسطينية إن «خطورة مثل هذه الخطوة تتطلب أن يتحمل الجميع مسؤولياته تجاه أي مساس بالقدس عاصمة دولة فلسطين».
كما يدرس الفلسطينيون سيناريوهات أخرى، من بينها إلغاء جميع الاتفاقات والالتزامات المرتبطة بعملية السلام، إضافة إلى التصعيد على الأرض. وفي هذا الصدد دعت أمس الفصائل الفلسطينية والإسلامية الفلسطينيين في الداخل والخارج إلى أوسع تحرك شعبي لمواجهة ورفض محاولة الإدارة الأميركية نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، أو الاعتراف بها كعاصمة لدولة إسرائيل، «مؤكدين حق شعبنا وحقوق أمتنا في استخدام كل الوسائل القانونية والدبلوماسية على مستوى المؤسسات الشرعية الدولية بما فيها محكمة العدل الدولية، والمكونات والمؤسسات القضائية الأخرى»، مستندين إلى أن الإجراء الأميركي يشكل مخالفة صريحة وواضحة لقرارات الشرعية الدولية خاصة القرارات 252، 478، 476، التي تؤكد على أن كل الإجراءات التي قام بها الاحتلال في القدس باطلة وملغاة. كما دعت الفصائل، الشعوب العربية والإسلامية بأحزابها وقواها الفاعلة ونقاباتها إلى التحرك الفوري على المستوى الميداني والسياسي الدولي والإقليمي الحزبي والدبلوماسي والنقابي، «تعبيرا عن رفضنا للسياسة الأميركية المعادية لشعوبنا العربية والإسلامية».
كما أعلنت الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية في بيان، دعمته القيادة الفلسطينية، الأربعاء (اليوم)، وغدا الخميس والجمعة، أيام غضب شعبي يشمل الاعتصام أمام السفارات والقنصليات الأميركية.
ويأمل الفلسطينيون أن تؤدي الضغوطات المحلية والإقليمية والدولية إلى إجبار ترمب على التراجع عن أي قرارات متعلقة بالقدس.
ويفترض أن يكون ترمب ناقش مسألة القدس أمس مع الملك الأردني عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كذلك.
وكانت دول كبيرة مثل فرنسا قد حذرت وضغطت على ترمب من أجل عدم المس بالوضع القائم، حيث أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره ترمب «بقلقه» من إعلان محتمل حول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فيما أبلغت فيدريكا موجيريني، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أمس أن «أي تصرف من شأنه تقويض جهود السلام الرامية لإقامة دولتين منفصلتين للإسرائيليين والفلسطينيين يجب تفاديه تماما».
أما الرئيس التركي رجب طيب إردوغان فقد هدد أمس بأن تركيا قد تصل لحد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إذا اعترفت الولايات المتحدة رسميا بالقدس عاصمة لها، وذلك في خطوة وصفها بأنها «خط أحمر» بالنسبة للمسلمين.
وكانت دول عربية وأوروبية كثيرة قد رفضت التوجه الأميركي، من بينها ألمانيا التي أعرب وزير خارجيتها زيغمار غابرييل عن معارضة بلده لإمكانية اعتراف أميركا بالقدس عاصمة إسرائيل، وطالب واشنطن بالامتناع عن خطوات أحادية الجانب قد تؤجج الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأيضا الأردن التي حذرت بشدة من هكذا خطوة، وقالت إنها ستتصدى لها، وكذلك القاهرة التي شددت على خطورة وتداعيات الأمر على المنطقة.
وفي العراق أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، أمس رفض حكومته نقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية إلى القدس، وقال من مقر الحكومة، إن «مجلس الوزراء العراقي يرفض نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ويحذر من تداعيات الموضوع».
كما حذرت الإمارات من خطورة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إذ أعرب أحمد الجرمن، مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي لشؤون حقوق الإنسان والقانون الدولي، «عن قلق دولة الإمارات البالغ والعميق مما يتردد في وسائل الإعلام بشأن عزم الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها». وقال في بيان أمس إن «الإقدام على هذه الخطوة يعد إخلالا كبيرا بمبدأ عدم التأثير على مفاوضات الحل النهائي ويخالف القرارات الدولية، التي أكدت على حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والراسخة في القدس»، مبرزا أن هذه الخطوة، في حال اتخاذها، ستمثل تغييرا جوهريا وانحيازا غير مبرر في موقف الولايات المتحدة المحايد، في الوقت الذي يتطلع فيه الجميع إلى أن تعمل الولايات المتحدة على تحقيق الإنجاز المأمول في مسيرة عملية السلام.
وفي رده على هذه المكالمة هاتف الرئيس عباس العاهل المغربي الملك محمد السادس ليطلعه على المستجدات المتعلقة بالقدس، كما حث البابا فرنسيس والرئيسين الروسي والفرنسي والعاهل الأردني على التدخل للوقوف حائلا ضد نية ترمب المعلنة بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وكان موقفه واضحا وهو القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وفق قرارات الشرعية الدولية والشرعية العربية وفق القانون الدولي. ومن جهته، أعرب العاهل المغربي في رسالة لترمب عن قلقه البالغ إزاء خطط نقل السفارة إلى القدس.
وفي مصر ذكر بيان رئاسي أمس أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أبلغ نظيره الأميركي أنه لا داعي إلى «تعقيد» الوضع في الشرق الأوسط، وذلك بعدما اتصل به ترمب للتحدث بشأن اعتزامه نقل السفارة الأميركية لدى إسرائيل إلى القدس. وقال البيان إن السيسي حذر ترمب من القيام بإجراءات من شأنها أن تقوض فرص السلام في الشرق الأوسط.
كما أعرب وزيرا الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الفرنسي جان إيف لو دريان خلال محادثة هاتفية عن أملهما في أن «تتروى» الإدارة الأميركية قبل الإعلان المتوقع بشأن وضعية القدس، مشيرين إلى أن هذه الخطوة لها «تداعياتها المحتملة الخطيرة على الوضع الإقليمي ومستقبل عملية السلام».
بدوره، أعلن الكرملين أمس أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصل هاتفيا بالرئيس الفلسطيني ليبلغه تأييد روسيا استئناف المحادثات بين إسرائيل والسلطات الفلسطينية بما في ذلك وضع القدس. كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من اتخاذ أي إجراء أحادي بشأن القدس يؤدي لحل الدولتين.
وفي رام الله، يسود شعور بالرضا عن التحركات الدولية والإقليمية والعربية، وآمال أكبر بتراجع ترمب عن نيته، خصوصا مع محادثته مع عباس، وذلك تجنبا لتصعيد كبير. وفي هذا السياق، قال صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إن أي إجراء أميركي سيعني دفع المنطقة إلى أتون عنف وإراقة دماء.
وفيما أوصت الولايات المتحدة السفارات والقنصليات الأميركية حول العالم بتعزيز الأمن، خشية ردود فعل عنيفة، كانت هناك استعدادات كبيرة أوسع في إسرائيل، حيث عقدت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام «الشاباك»، والقيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، اجتماعات متتالية خلال الأيام الأخيرة لمراجعة العواقب المحتملة لإعلان ترمب.
وقال مسؤولون أمنيون لوسائل إعلام إسرائيلية: «حتى الآن لم تؤدِ خطابات القادة الفلسطينية المحذرة من تغيير مكانة القدس إلى العنف. ولكن يمكن للأوضاع أن تتغير بسرعة فائقة، حتى من دون نداء السلطة الفلسطينية».
ويتوقع مسؤولو الاستخبارات الإسرائيلية تنفيذ الفلسطينيين لهجمات، سواء من قبل تنظيمات أو بشكل فردي، خاصة وأن موضوع القدس يتزامن مع تجهيز حركة حماس للاحتفال بذكرى تأسيسها الثلاثين في 14 ديسمبر (كانون الأول) الجاري. كما يتوقع المسؤولون أن تحاول «حماس» إطلاق هجوم ضخم في محاولة لتعزيز مكانتها في الشارع.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.