«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا

دعاهم إلى التوجه جنوباً واستقبال الفارين من العراق وسوريا

جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا

جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)

تكشف نصوص رسائل مضطربة من زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، إلى قيادات تنظيمه في ليبيا، عن شعور الرجل بالهزيمة وخيبة الأمل عقب الضربات الموجعة التي تعرض لها «داعش» في العراق وسوريا، وفي مدينة سرت الليبية. ودعا في لهجة يائسة مندوبيه في ليبيا إلى التوجه إلى الجنوب ذي التضاريس الوعرة، واستقبال الفارين من العراق وسوريا وتجميعهم هناك، والاستفادة من إمكانات هذا البلد الغني بالنفط والقريب من أوروبا.
وبناءً على معلومات اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتقدم أهم ما فيها في هذه الحلقة الأخيرة من التحقيقات في أوكار المتطرفين في ليبيا، فإن تاريخ رسائل البغدادي يعود إلى أواخر العام الماضي، وحتى أسابيع قليلة مضت. وهي محفوظة في الوقت الراهن لدى جهات أمنية عدة، وكذلك لدى قادة من «الجماعة الليبية المقاتلة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة». واعتمدت أدبيات بعض رسائل البغدادي على كتب مُنظِّر تنظيم «الجهاد» المصري سيد إمام، الذي يكني بـ«الدكتور فضل». وزاد البغدادي، في نصوص نقلها من «شروح فضل»، فقرات تحث أنصاره في ليبيا على تجنيد الأطفال، أو «الأشبال» لتعويض النقص المتوقع في عدد المقاتلين، قائلاً في لغة مرتبكة من جراء خلافات أتباعه: إن «المعركة طويلة وصعبة».
ترك تنظيم داعش في الأوكار التي انسحب منها كنزاً من المعلومات التي حصلت عليها قوى مختلفة في بلد منقسم على نفسه، منها الجيش الوطني الذي يحارب المتطرفين في بنغازي، وقوات «البنيان المرصوص» التي دحرت «داعش» في سرت، إضافة إلى قوى أخرى في طرابلس، تمكنت إحداها أخيراً من اجتياح منزل كان يستخدمه قادة «داعش» مركزاً لهم في العاصمة الليبية، ويقع قرب مسجد النصر، في شارع رقم عشرة، في ضاحية «غوط الشعال».
وتقول المعلومات التي جرى الحصول عليها خلال العمليات إن البغدادي ما زال على قيد الحياة، وإنه أصيب إصابة طفيفة، أثناء حرب القوات العراقية في الموصل.
ولا يوجد وفاق يذكر بين زعيم «داعش» وقائد «القاعدة» أيمن الظواهري، لأسباب ترجع إلى طريقة تفسير كل منهما لدور تنظيمه. وبينما يبدو أمر الخلاف بينهما واضحاً في العراق وسوريا ومناطق أخرى من العالم، إلا أنه يتميز في ليبيا بمعطيات مغايرة، من بينها المشكلات الواقعة بين قيادات «الجماعة المقاتلة» نفسها، وتعامل بعضها مع «داعش» ورفض آخرين، وتمسكها بموالاة الظواهري، وقيامها بمطاردة القيادات المقربة من البغدادي التي وصلت إلى ليبيا أثناء الهجوم الذي تعرض له «داعش» في سرت أواخر العام الماضي.
ومثل ميليشيات ليبية كثيرة، يملك فريق «الجماعة المقاتلة» المتمسك بولاية الظواهري، أجهزة شبه استخباراتية ودوريات متحركة في ضواحٍ بالعاصمة. وفي أحد الأيام وصلت معلومات عن نشاط لـ«داعش» في منطقة مزدحمة بالسكان بين شارع قرجي، الواقع ناحية البحر، والطريق الدائري الجنوبي لطرابلس، وذلك بعد أسابيع من تغيير البغدادي عدداً من قادة التنظيم في ليبيا بسبب خسارته لسرت.
ومن خلال مراقبة تحركات العناصر «الداعشية» في العاصمة، أمكن تحديد المقر الذي اتخذه قادة التنظيم مركزاً لإدارة العمليات في المدينة التي يعيش فيها أقل قليلاً من مليوني نسمة في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة منذ 2011 حتى الآن.
وفي خضم التحقيقات، بدأ التعرف على هوية سبعة من زعماء الدواعش المترددين على المنزل، ومن بينهم تونسيان ومصريان ولبناني وجزائري وسوداني يلقب بحسن، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان هذا اسمه الحقيقي.
في ذلك المساء وصل كل هؤلاء للاجتماع في المقر، قادمين من بلدات تقع غرب طرابلس، منها صبراتة وزوارة والزاوية. كانت المعلومات شحيحة؛ لأن أغلبهم لا يستخدمون الهواتف النقالة، أو يستخدمون أرقاماً جديدة كل بضعة أيام.
ويقول أحد من شاركوا في عملية اجتياح منزل حسن: «كانت قوتنا، كما ترى، محدودة. سيارتان تراقبان المقر من بعيد... وسيارة في قرجي وسيارة على أول شارع عشرة من جهة الدائري. كان من الصعب الهجوم عليهم جميعاً. ولذلك؛ انتظرنا إلى أن انفض الاجتماع، ثم اقتحمنا البيت في عملية خاطفة».
وجرى اعتقال صاحب المنزل السوداني، وهو الوحيد الذي كان تبقى فيه بعد انصراف الستة الآخرين. وبين المتعلقات التي تمت مصادرتها كومبيوترات ووثائق، بينها رسائل البغدادي إلى قيادات التنظيم في ليبيا.
وأدلى حسن تحت التعذيب على يد موالين لـ«القاعدة» في مبنى قديم تابع لكلية الشرطة في العاصمة، بمعلومات عن الطريقة التي أصبح يتنقل بها بين ليبيا والعراق. وتقول التحقيقات التي جرت معه إنه يبلغ من العمر 52 عاماً، ومتزوج ولديه أربعة أطفال، وخريج كلية الشريعة في جامعة الخرطوم.
وتضيف التحقيقات أيضاً أن الرجل دخل إلى ليبيا من السودان للمرة الأولى في 2014، وأن قيادياً من الفرع الموالي لـ«داعش» في «الجماعة الليبية المقاتلة» هو من سهّل عملية وصوله، مع آخرين، وإقامته لبعض الوقت في واحة الكفرة، إلى أن انتقل إلى بلدة صبراتة في شمال غربي ليبيا.
في ذلك الوقت، كان رجل «داعش» الأبرز في طرابلس يدعى المدهوني، وهو ليبي يحمل الجنسية العراقية. وكان البغدادي يعول عليه في الحفاظ على «إمارة سرت»، إلا أن هزيمة التنظيم في المدينة على يد «البنيان المرصوص»، دفعت البغدادي إلى استدعاء المدهوني.
وتشير التحقيقات إلى أن حسن ونحو 13 من قيادات «داعش» في ليبيا رافقوا المدهوني، عبر تونس ثم تركيا، في رحلة الاستدعاء إلى مكتب البغدادي في العراق.
كان التنظيم قد خسر سرت وبدأ في خسارة مناطق واسعة من العراق وسوريا. وبعد نحو شهرين عاد الجميع مرة أخرى إلى ليبيا ما عدا المدهوني. وبدأت عملية جديدة لتوزيع المهام على القادة الـ13 في عموم ليبيا. ومن بين هؤلاء، بالإضافة إلى حسن، ليبي كنيته «أبو حذيفة»، ولبناني يكنى بـ«أبو طلحة»، ومغربي يدعى عبد القادر، ومصريان، الأول يعرف باسم فهمي، والآخر بلقب مكاوي، وتونسيان يكنى أولهما بـ«أبو حيدرة»، فيما يعرف الآخر بلقب العيوني. وبدأت رسائل البغدادي تصل تباعاً إلى هذه المجموعة، وتضمنت تعليمات بالتركيز على الانتقال إلى الجنوب الليبي، والاستعداد لاستقبال عناصر أخرى من التنظيم من العراق وسوريا، إلا أن الطابع العام للرسائل يحمل بين طياته مخاوف زعيم «داعش» من الانشقاقات والخلافات في تفسير الكثير من الأسس التي يعمل التنظيم وفقاً لها.
وفي واحدة من هذه الرسائل التي أمكن لـ«الشرق الأوسط» الاطلاع عليها، كان الحديث موجهاً إلى جدل يبدو أنه عصف بأتباعه في ليبيا حول السياق الذي وردت فيه تعليمات تحث على مواصلة القتال، وطريقة تفسير هذا الموضوع. يقول البغدادي وقد وضع تفسيره الخاص والمغاير لرغبة بعض القيادات في إعادة النظر في أعمال القتل والتفجير: «هذا الوهم ليس له أدنى نصيب من الحقيقة، وهو استنتاج مغلوط؛ لأنه مبني على فرضية مغلوطة».
ويضيف في موضع آخر كأنه يبعد أتباعه عن أي تفكير في الاستراحة من الحرب: «أعلم أن الأعداء كانوا يحيطون بنا من كل الجهات... الحرب حالة طوارئ خاصة، تستدعي شحذاً للهمم، وتحريضاً على القتال بكل الوسائل المعنوية والمادية، فلا يمكن أن استقبل عدوي الذي يريد قتلي بالورود وعبارات الترحيب».
وتعكس فقرات من رسالة جديدة شعور البغدادي نفسه بالإرهاق الذي أصاب أتباعه في ليبيا. فبعد أن يستعرض وجوب استمرار القتال ضد كل من يخالف التنظيم، يقول بلغة فيها نوع من الترهيب والتهديد الذي يعبر عن نفاد الصبر: «كثُر الكلام بين المرتجفين الخانعين بينكم، وما كان حاسماً لذلك إلا أن تُضرب الأعناق، وتتدحرج الرؤوس بيننا، قبل الأعداء، فما هزمنا وأفقدنا أخوتنا إلا الخيانة بين صفوفنا».
ومعظم رسائل البغدادي مكتوبة باللغة العربية، ومع كل منها نسخ مترجمة بلغات منها الإنجليزية والفرنسية. ويقول في رسالة بعنوان «الحرب التي فرضتها المتغيرات»: إن «ما يتم الآن ضدنا في سوريا والعراق حرب فرضتها متغيرات على العالم. كان علينا أن نعرف أن حدوث التغير ظاهرة كونية. فلا ثبات في موقف. ولا صعود دائماً. ما يأتي صعب التنبؤ به، وحصوله ظاهرة تغيب عنا في توقعها... الساحة القادمة لجهادنا ليبيا. فهي إمارة الإسلام القادمة. ومنها ترفع راية الجهاد في مصر وتونس والجزائر».
وفي نص رسالة أخرى تدل على طريقة التواصل بين البغدادي وخلايا التنظيم في أوروبا، ما يشير إلى علم قياداته في ليبيا بما يجري بين ضفتي البحر المتوسط، فيقول: «مجاهدونا في تركيا وفرنسا يعرفون ما عليهم فعله. فإن انقطع تواصلنا معهم فلهم في تقدير وضعهم... ونتيجة ما يتوقعونه تعود لهم». ويضيف: «نهاجر من بلاد العراق والشام، لا حباً في هجرتها، ولا خوفاً من الموت فيها، وإنما استمراراً للجهاد ولرفع رايتنا».
وفي ملف آخر يحتوي على بضع رسائل قصيرة، ما عدا واحدة طويلة، بعنوان «واجبات الخليفة ومسؤولياته»، يركز البغدادي على مهام منصبه ويحاول إقناع أتباعه بطريقته في الحكم بعيداً عن أي مراجعة له. ويقول في الرسالة الطويلة في هذا الملف: إن «الشورى ليست واجبة، بل هي مستحبة، وأقصى ما يقال فيها إنها سُنّة، ولا نرى إلزامية الشورى، فهي لاستطلاع الآراء». واعتبر أن له «أن يأخذ بها أو يدعها، واختيار من يشاورهم. ومن قال إن الشورى ملزمة، فاعلم أنه مخالف للكتاب والسُّنّة».
وبعد ذلك يورد البغدادي في رسالة من رسائله ثمانية أصول يراها «عاصمة للمنهج من الانحراف والزلل»، لكن يلاحظ أن هذه الأصول التي أشار إليها في بقية الرسالة مأخوذة أساساً من نظريات قديمة تخص مُنظّر تنظيم «الجهاد» المصري «الدكتور فضل». إلا أن رسالة البغدادي أضافت فقرات جديدة لافتة للنظر عن ضرورة تجنيد الأطفال واصطحابهم أيضاً لمشاهدة تنفيذ عمليات القتل في إطار «التربية الإيمانية العامة... وخلق الشدة والقوة وصلابة العود، ليكونوا عماد» التنظيم في المستقبل. وأضاف: «ما لم نهتم بالنشء وصناعته بهذه الروح... فسوف تختفي الجماعة. فقد نال العدو منا الكثير، ولزاماً تجهيز جيل جديد لحمل الراية».
وفي رسالة أخرى يبدي البغدادي غضبه من تنظيم «أنصار بيت المقدس» المصري الذي كان الكثير من عناصره قد فروا من سيناء إلى ليبيا. ويقول في هذه الرسالة: «لقد بلغني أن سلوكاً غير سوي انتشر بينكم... نشره فيكم القادمون من سرايا بيت المقدس، وهو سلوك أربك صورة الجهاد لديكم. وهذا الخلل أصابكم في مقتل، وعليكم تداركه».
وأضاف لأتباعه من قادة «داعش» في ليبيا: إن معركة «بيت المقدس» في مصر «ليست في معزل منا، ولكن عليكم الانتباه إلى أن أفكار إخوتنا في بيت المقدس تتناقض في بعض منها مع أفكارنا، وهي قد لا تكون صالحة في ليبيا. فهم لم يتموا معركتهم في مصر، وقدومهم إلينا ليس بروح جهاد كاملة، ولكن هروباً من حرب أشعلوها، وفشلوا في كسبها. إذن هم عُصبة تحمل بداخلها بوادر هزيمة وَرِدَّة. نساعدهم في العودة إلى ساحتهم. لهم ذلك، (لكن أن) يزرعوا بينكم روح الهزيمة، (فيجب أن) يُعاملوا كالعدو الواجب قتاله».
وتقول نصوص لرسائل قصيرة أخرى: إن «عليكم بعدم التخاذل في القتال، والنصر في المعركة». ويضيف نص آخر منفصل: «لِمَا آلت له ظروفنا، وضعف الدعم، فـعلى القادة (في داخل ليبيا) البحث عن موارد دعم في إمارة ليبيا، ولبقية المجاهدين، فهناك الإخوة في مالي يعانون من قلة الدعم، وتمكن العدو منهم».
ويتغزل البغدادي في رسائله بليبيا وموقعها الاستراتيجي، خصوصاً في الجنوب، حيث الصحراء الشاسعة والجبال والوديان التي تصعب مراقبتها بالطيران، كما يقول، إلى جانب الإمكانات الضخمة في هذا البلد.
وفي الفترة التي كانت ترد فيها رسائل البغدادي إلى قادة التنظيم في ليبيا، نفذ «داعش» عمليات عدة ضد الجيش الليبي في جنوب البلاد، وضد مدينة مصراتة التي لعبت دوراً كبيراً في طرد التنظيم من سرت، ونفذ عملية واحدة على الأقل في غرب طرابلس أيضاً.
وتمكن التنظيم أخيراً من عقد تحالفات مع مجاميع متطرفة تنشط في الجنوب الغربي، أهمها جماعة الجزائري مختار بلمختار الذي كان في السابق يرفض التعاون مع تنظيم داعش.
وفي الأسابيع الأخيرة، كشفت مصادر في المخابرات العسكرية في العاصمة عن أن قادة التنظيم الجدد تمكنوا من استقبال مئات من «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا، عبر طرق معقدة، منها دروب في جنوب شرقي ليبيا في بلدات قريبة من الحدود مثل القطرون والكفرة وواحة سليمة وجبل عوينات، وطرق في الشمال، من خلال التسلل من الحدود مع تونس، أو عبر البحر إلى سواحل في شرق طرابلس وغربها.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.