«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا

دعاهم إلى التوجه جنوباً واستقبال الفارين من العراق وسوريا

جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا

جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)

تكشف نصوص رسائل مضطربة من زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، إلى قيادات تنظيمه في ليبيا، عن شعور الرجل بالهزيمة وخيبة الأمل عقب الضربات الموجعة التي تعرض لها «داعش» في العراق وسوريا، وفي مدينة سرت الليبية. ودعا في لهجة يائسة مندوبيه في ليبيا إلى التوجه إلى الجنوب ذي التضاريس الوعرة، واستقبال الفارين من العراق وسوريا وتجميعهم هناك، والاستفادة من إمكانات هذا البلد الغني بالنفط والقريب من أوروبا.
وبناءً على معلومات اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتقدم أهم ما فيها في هذه الحلقة الأخيرة من التحقيقات في أوكار المتطرفين في ليبيا، فإن تاريخ رسائل البغدادي يعود إلى أواخر العام الماضي، وحتى أسابيع قليلة مضت. وهي محفوظة في الوقت الراهن لدى جهات أمنية عدة، وكذلك لدى قادة من «الجماعة الليبية المقاتلة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة». واعتمدت أدبيات بعض رسائل البغدادي على كتب مُنظِّر تنظيم «الجهاد» المصري سيد إمام، الذي يكني بـ«الدكتور فضل». وزاد البغدادي، في نصوص نقلها من «شروح فضل»، فقرات تحث أنصاره في ليبيا على تجنيد الأطفال، أو «الأشبال» لتعويض النقص المتوقع في عدد المقاتلين، قائلاً في لغة مرتبكة من جراء خلافات أتباعه: إن «المعركة طويلة وصعبة».
ترك تنظيم داعش في الأوكار التي انسحب منها كنزاً من المعلومات التي حصلت عليها قوى مختلفة في بلد منقسم على نفسه، منها الجيش الوطني الذي يحارب المتطرفين في بنغازي، وقوات «البنيان المرصوص» التي دحرت «داعش» في سرت، إضافة إلى قوى أخرى في طرابلس، تمكنت إحداها أخيراً من اجتياح منزل كان يستخدمه قادة «داعش» مركزاً لهم في العاصمة الليبية، ويقع قرب مسجد النصر، في شارع رقم عشرة، في ضاحية «غوط الشعال».
وتقول المعلومات التي جرى الحصول عليها خلال العمليات إن البغدادي ما زال على قيد الحياة، وإنه أصيب إصابة طفيفة، أثناء حرب القوات العراقية في الموصل.
ولا يوجد وفاق يذكر بين زعيم «داعش» وقائد «القاعدة» أيمن الظواهري، لأسباب ترجع إلى طريقة تفسير كل منهما لدور تنظيمه. وبينما يبدو أمر الخلاف بينهما واضحاً في العراق وسوريا ومناطق أخرى من العالم، إلا أنه يتميز في ليبيا بمعطيات مغايرة، من بينها المشكلات الواقعة بين قيادات «الجماعة المقاتلة» نفسها، وتعامل بعضها مع «داعش» ورفض آخرين، وتمسكها بموالاة الظواهري، وقيامها بمطاردة القيادات المقربة من البغدادي التي وصلت إلى ليبيا أثناء الهجوم الذي تعرض له «داعش» في سرت أواخر العام الماضي.
ومثل ميليشيات ليبية كثيرة، يملك فريق «الجماعة المقاتلة» المتمسك بولاية الظواهري، أجهزة شبه استخباراتية ودوريات متحركة في ضواحٍ بالعاصمة. وفي أحد الأيام وصلت معلومات عن نشاط لـ«داعش» في منطقة مزدحمة بالسكان بين شارع قرجي، الواقع ناحية البحر، والطريق الدائري الجنوبي لطرابلس، وذلك بعد أسابيع من تغيير البغدادي عدداً من قادة التنظيم في ليبيا بسبب خسارته لسرت.
ومن خلال مراقبة تحركات العناصر «الداعشية» في العاصمة، أمكن تحديد المقر الذي اتخذه قادة التنظيم مركزاً لإدارة العمليات في المدينة التي يعيش فيها أقل قليلاً من مليوني نسمة في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة منذ 2011 حتى الآن.
وفي خضم التحقيقات، بدأ التعرف على هوية سبعة من زعماء الدواعش المترددين على المنزل، ومن بينهم تونسيان ومصريان ولبناني وجزائري وسوداني يلقب بحسن، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان هذا اسمه الحقيقي.
في ذلك المساء وصل كل هؤلاء للاجتماع في المقر، قادمين من بلدات تقع غرب طرابلس، منها صبراتة وزوارة والزاوية. كانت المعلومات شحيحة؛ لأن أغلبهم لا يستخدمون الهواتف النقالة، أو يستخدمون أرقاماً جديدة كل بضعة أيام.
ويقول أحد من شاركوا في عملية اجتياح منزل حسن: «كانت قوتنا، كما ترى، محدودة. سيارتان تراقبان المقر من بعيد... وسيارة في قرجي وسيارة على أول شارع عشرة من جهة الدائري. كان من الصعب الهجوم عليهم جميعاً. ولذلك؛ انتظرنا إلى أن انفض الاجتماع، ثم اقتحمنا البيت في عملية خاطفة».
وجرى اعتقال صاحب المنزل السوداني، وهو الوحيد الذي كان تبقى فيه بعد انصراف الستة الآخرين. وبين المتعلقات التي تمت مصادرتها كومبيوترات ووثائق، بينها رسائل البغدادي إلى قيادات التنظيم في ليبيا.
وأدلى حسن تحت التعذيب على يد موالين لـ«القاعدة» في مبنى قديم تابع لكلية الشرطة في العاصمة، بمعلومات عن الطريقة التي أصبح يتنقل بها بين ليبيا والعراق. وتقول التحقيقات التي جرت معه إنه يبلغ من العمر 52 عاماً، ومتزوج ولديه أربعة أطفال، وخريج كلية الشريعة في جامعة الخرطوم.
وتضيف التحقيقات أيضاً أن الرجل دخل إلى ليبيا من السودان للمرة الأولى في 2014، وأن قيادياً من الفرع الموالي لـ«داعش» في «الجماعة الليبية المقاتلة» هو من سهّل عملية وصوله، مع آخرين، وإقامته لبعض الوقت في واحة الكفرة، إلى أن انتقل إلى بلدة صبراتة في شمال غربي ليبيا.
في ذلك الوقت، كان رجل «داعش» الأبرز في طرابلس يدعى المدهوني، وهو ليبي يحمل الجنسية العراقية. وكان البغدادي يعول عليه في الحفاظ على «إمارة سرت»، إلا أن هزيمة التنظيم في المدينة على يد «البنيان المرصوص»، دفعت البغدادي إلى استدعاء المدهوني.
وتشير التحقيقات إلى أن حسن ونحو 13 من قيادات «داعش» في ليبيا رافقوا المدهوني، عبر تونس ثم تركيا، في رحلة الاستدعاء إلى مكتب البغدادي في العراق.
كان التنظيم قد خسر سرت وبدأ في خسارة مناطق واسعة من العراق وسوريا. وبعد نحو شهرين عاد الجميع مرة أخرى إلى ليبيا ما عدا المدهوني. وبدأت عملية جديدة لتوزيع المهام على القادة الـ13 في عموم ليبيا. ومن بين هؤلاء، بالإضافة إلى حسن، ليبي كنيته «أبو حذيفة»، ولبناني يكنى بـ«أبو طلحة»، ومغربي يدعى عبد القادر، ومصريان، الأول يعرف باسم فهمي، والآخر بلقب مكاوي، وتونسيان يكنى أولهما بـ«أبو حيدرة»، فيما يعرف الآخر بلقب العيوني. وبدأت رسائل البغدادي تصل تباعاً إلى هذه المجموعة، وتضمنت تعليمات بالتركيز على الانتقال إلى الجنوب الليبي، والاستعداد لاستقبال عناصر أخرى من التنظيم من العراق وسوريا، إلا أن الطابع العام للرسائل يحمل بين طياته مخاوف زعيم «داعش» من الانشقاقات والخلافات في تفسير الكثير من الأسس التي يعمل التنظيم وفقاً لها.
وفي واحدة من هذه الرسائل التي أمكن لـ«الشرق الأوسط» الاطلاع عليها، كان الحديث موجهاً إلى جدل يبدو أنه عصف بأتباعه في ليبيا حول السياق الذي وردت فيه تعليمات تحث على مواصلة القتال، وطريقة تفسير هذا الموضوع. يقول البغدادي وقد وضع تفسيره الخاص والمغاير لرغبة بعض القيادات في إعادة النظر في أعمال القتل والتفجير: «هذا الوهم ليس له أدنى نصيب من الحقيقة، وهو استنتاج مغلوط؛ لأنه مبني على فرضية مغلوطة».
ويضيف في موضع آخر كأنه يبعد أتباعه عن أي تفكير في الاستراحة من الحرب: «أعلم أن الأعداء كانوا يحيطون بنا من كل الجهات... الحرب حالة طوارئ خاصة، تستدعي شحذاً للهمم، وتحريضاً على القتال بكل الوسائل المعنوية والمادية، فلا يمكن أن استقبل عدوي الذي يريد قتلي بالورود وعبارات الترحيب».
وتعكس فقرات من رسالة جديدة شعور البغدادي نفسه بالإرهاق الذي أصاب أتباعه في ليبيا. فبعد أن يستعرض وجوب استمرار القتال ضد كل من يخالف التنظيم، يقول بلغة فيها نوع من الترهيب والتهديد الذي يعبر عن نفاد الصبر: «كثُر الكلام بين المرتجفين الخانعين بينكم، وما كان حاسماً لذلك إلا أن تُضرب الأعناق، وتتدحرج الرؤوس بيننا، قبل الأعداء، فما هزمنا وأفقدنا أخوتنا إلا الخيانة بين صفوفنا».
ومعظم رسائل البغدادي مكتوبة باللغة العربية، ومع كل منها نسخ مترجمة بلغات منها الإنجليزية والفرنسية. ويقول في رسالة بعنوان «الحرب التي فرضتها المتغيرات»: إن «ما يتم الآن ضدنا في سوريا والعراق حرب فرضتها متغيرات على العالم. كان علينا أن نعرف أن حدوث التغير ظاهرة كونية. فلا ثبات في موقف. ولا صعود دائماً. ما يأتي صعب التنبؤ به، وحصوله ظاهرة تغيب عنا في توقعها... الساحة القادمة لجهادنا ليبيا. فهي إمارة الإسلام القادمة. ومنها ترفع راية الجهاد في مصر وتونس والجزائر».
وفي نص رسالة أخرى تدل على طريقة التواصل بين البغدادي وخلايا التنظيم في أوروبا، ما يشير إلى علم قياداته في ليبيا بما يجري بين ضفتي البحر المتوسط، فيقول: «مجاهدونا في تركيا وفرنسا يعرفون ما عليهم فعله. فإن انقطع تواصلنا معهم فلهم في تقدير وضعهم... ونتيجة ما يتوقعونه تعود لهم». ويضيف: «نهاجر من بلاد العراق والشام، لا حباً في هجرتها، ولا خوفاً من الموت فيها، وإنما استمراراً للجهاد ولرفع رايتنا».
وفي ملف آخر يحتوي على بضع رسائل قصيرة، ما عدا واحدة طويلة، بعنوان «واجبات الخليفة ومسؤولياته»، يركز البغدادي على مهام منصبه ويحاول إقناع أتباعه بطريقته في الحكم بعيداً عن أي مراجعة له. ويقول في الرسالة الطويلة في هذا الملف: إن «الشورى ليست واجبة، بل هي مستحبة، وأقصى ما يقال فيها إنها سُنّة، ولا نرى إلزامية الشورى، فهي لاستطلاع الآراء». واعتبر أن له «أن يأخذ بها أو يدعها، واختيار من يشاورهم. ومن قال إن الشورى ملزمة، فاعلم أنه مخالف للكتاب والسُّنّة».
وبعد ذلك يورد البغدادي في رسالة من رسائله ثمانية أصول يراها «عاصمة للمنهج من الانحراف والزلل»، لكن يلاحظ أن هذه الأصول التي أشار إليها في بقية الرسالة مأخوذة أساساً من نظريات قديمة تخص مُنظّر تنظيم «الجهاد» المصري «الدكتور فضل». إلا أن رسالة البغدادي أضافت فقرات جديدة لافتة للنظر عن ضرورة تجنيد الأطفال واصطحابهم أيضاً لمشاهدة تنفيذ عمليات القتل في إطار «التربية الإيمانية العامة... وخلق الشدة والقوة وصلابة العود، ليكونوا عماد» التنظيم في المستقبل. وأضاف: «ما لم نهتم بالنشء وصناعته بهذه الروح... فسوف تختفي الجماعة. فقد نال العدو منا الكثير، ولزاماً تجهيز جيل جديد لحمل الراية».
وفي رسالة أخرى يبدي البغدادي غضبه من تنظيم «أنصار بيت المقدس» المصري الذي كان الكثير من عناصره قد فروا من سيناء إلى ليبيا. ويقول في هذه الرسالة: «لقد بلغني أن سلوكاً غير سوي انتشر بينكم... نشره فيكم القادمون من سرايا بيت المقدس، وهو سلوك أربك صورة الجهاد لديكم. وهذا الخلل أصابكم في مقتل، وعليكم تداركه».
وأضاف لأتباعه من قادة «داعش» في ليبيا: إن معركة «بيت المقدس» في مصر «ليست في معزل منا، ولكن عليكم الانتباه إلى أن أفكار إخوتنا في بيت المقدس تتناقض في بعض منها مع أفكارنا، وهي قد لا تكون صالحة في ليبيا. فهم لم يتموا معركتهم في مصر، وقدومهم إلينا ليس بروح جهاد كاملة، ولكن هروباً من حرب أشعلوها، وفشلوا في كسبها. إذن هم عُصبة تحمل بداخلها بوادر هزيمة وَرِدَّة. نساعدهم في العودة إلى ساحتهم. لهم ذلك، (لكن أن) يزرعوا بينكم روح الهزيمة، (فيجب أن) يُعاملوا كالعدو الواجب قتاله».
وتقول نصوص لرسائل قصيرة أخرى: إن «عليكم بعدم التخاذل في القتال، والنصر في المعركة». ويضيف نص آخر منفصل: «لِمَا آلت له ظروفنا، وضعف الدعم، فـعلى القادة (في داخل ليبيا) البحث عن موارد دعم في إمارة ليبيا، ولبقية المجاهدين، فهناك الإخوة في مالي يعانون من قلة الدعم، وتمكن العدو منهم».
ويتغزل البغدادي في رسائله بليبيا وموقعها الاستراتيجي، خصوصاً في الجنوب، حيث الصحراء الشاسعة والجبال والوديان التي تصعب مراقبتها بالطيران، كما يقول، إلى جانب الإمكانات الضخمة في هذا البلد.
وفي الفترة التي كانت ترد فيها رسائل البغدادي إلى قادة التنظيم في ليبيا، نفذ «داعش» عمليات عدة ضد الجيش الليبي في جنوب البلاد، وضد مدينة مصراتة التي لعبت دوراً كبيراً في طرد التنظيم من سرت، ونفذ عملية واحدة على الأقل في غرب طرابلس أيضاً.
وتمكن التنظيم أخيراً من عقد تحالفات مع مجاميع متطرفة تنشط في الجنوب الغربي، أهمها جماعة الجزائري مختار بلمختار الذي كان في السابق يرفض التعاون مع تنظيم داعش.
وفي الأسابيع الأخيرة، كشفت مصادر في المخابرات العسكرية في العاصمة عن أن قادة التنظيم الجدد تمكنوا من استقبال مئات من «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا، عبر طرق معقدة، منها دروب في جنوب شرقي ليبيا في بلدات قريبة من الحدود مثل القطرون والكفرة وواحة سليمة وجبل عوينات، وطرق في الشمال، من خلال التسلل من الحدود مع تونس، أو عبر البحر إلى سواحل في شرق طرابلس وغربها.



تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

أثارت تعديلات الدستور الصومالي، بعد اعتمادها رسمياً في الرابع من مارس (آذار)، خلافات سياسية بين الحكومة التي قالت إن ذلك يترتب عليه مد عمل مؤسسات البلاد عاماً ما يعني تأجيل انتخابات 2026، والمعارضة التي ترفض إقرار الدستور على هذا النحو.

ذلك المشهد الذي ترى المعارضة الصومالية أنه يحمل «نذر اضطرابات سياسية وأمنية بالبلاد» المثقلة بهجمات «حركة الشباب» المتشددة، يعتقد خبراء في الشأن الأفريقي أنه يقود لانقسام سياسي عميق بلا أفق حل في المدى القريب.

وحذر ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، الاثنين، من أي «محاولة لتمديد ولاية مؤسسات الحكومة الفيدرالية في ظل التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على الدستور الفيدرالي وجعلت مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات».

وقال المجلس المعارض في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026 فيما تنتهي ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو (أيار) من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ولفت إلى أن الصومال «سبق أن شهد تداعيات سلبية نتيجة محاولات تمديد الولاية»، مشيراً إلى الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021، عندما أدى مقترح لتمديد ولاية المؤسسات إلى مواجهات مسلحة بين فصائل من قوات الأمن في شوارع العاصمة مقديشو.

وأكد المجلس أن تلك التجربة تمثل تحذيراً واضحاً من العودة إلى مسار قد يقود إلى اضطرابات سياسية وأمنية جديدة في البلاد.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، قد أعلن عقب إقرار الدستور قبل نحو أسبوع تمديد ولاية المؤسسات الدستورية لمدة عام بموجب الدستور الجديد المعتمد يوم الأربعاء الماضي.

وأوضح أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية ومدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، إنه رغم عدم صدور قرار رسمي من الرئاسة، فإن إعلان رئيس البرلمان تمديد فترة الرئاسة والبرلمان على حسب الدستور الذي تم إقراره يُعد تأكيداً رسمياً، معتقداً أن الخلافات الحالية ستثير «انقساماً وتباعداً أكبر بين الحكومة والمعارضة».

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، إلى أن الدستور الجديد يتضمن تعديلات جوهرية في بنية النظام السياسي في البلاد، مثل تعزيز صلاحيات الحكومة الفيدرالية المركزية على حساب بعض الصلاحيات التي كانت تتمتع بها الولايات الفيدرالية، وتقليص أو إلغاء بعض السلطات التي كانت بأيدي حكومات الولايات، إضافة إلى تمديد مدة الولاية الدستورية لكل من رئيس الجمهورية والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات.

ونبه إلى أن «هذه التعديلات تمثل تحولاً مهماً في شكل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، كما تعكس توجهاً نحو مركزية أكبر في إدارة الدولة، وهو ما يكشف سبب الخلافات».

وفي حال استمرار هذا الخلاف السياسي من دون التوصل إلى تسوية، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على العملية السياسية في البلاد، ومن أبرز السيناريوهات المحتملة أن تجد حكومة الرئيس حسن شيخ محمود مبرراً لتمديد ولايتها، وهو ما تخشاه قوى المعارضة، بحسب كلني، الذي لم يستبعد احتمال انقسام المعارضة نفسها مع مرور الوقت نتيجة طول أمد الأزمة.

وعقب إقرار الدستور، خاطب الرئيس الصومالي السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد شيخ محمود على حل أي نزاعات سياسية مستقبلية وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وفي ضوء تمسك الحكومة والمعارضة بموقفيهما، لا يرى إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، بوادر أي تحرك دبلوماسي أو مبادرة لحل المشكلة، خاصة أن المعارضة هددت بالاجتماع في غاروى عاصمة بونتلاند في 10 أبريل، وهو موعد انتهاء عمل المؤسسات، للمشاورة واحتمال إجراء انتخابات موازية وتشكيل حكومة موازية.

في حين يرى كلني أن الحل الأكثر واقعية للأزمة يتمثل في التزام الحكومة الحالية بإنهاء ولايتها الدستورية في مايو القادم، والعمل على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد دون تأجيل، وإرجاء تطبيق الدستور الجديد إلى عهد الحكومة القادمة التي ستنبثق عن الانتخابات.

ومن دون ذلك، فهناك احتمال حدوث اضطرابات أمنية وسياسية إذا تم اللجوء إلى التمديد أو استخدام القوة لقمع المعارضة، وفق تقديرات كلني.


احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
TT

احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)

قال ‌ممثلو الادعاء الألمان، الثلاثاء، إن السلطات القبرصية احتجزت عضواً مشتبهاً ​به في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» مطلوباً في ألمانيا بتُهم تتعلق بشراء أسلحة وذخيرة لاستخدامها في هجمات على منشآت إسرائيلية أو يهودية.

وأضافوا، في بيان، أن المشتبه ‌به المولود ‌في لبنان، والذي ​لم ‌يجرِ الكشف عن ​هويته سوى باسم «كامل م.»، تماشياً مع قواعد الخصوصية الألمانية، جرى احتجازه في مطار لارنكا بقبرص، في السادس من مارس (آذار)، عند وصوله من لبنان.

وذكر ممثلو الادعاء أن ‌المشتبه به ‌مطلوب في قضية ​نقل 300 ‌طلقة ذخيرة حية. ولم يوضح البيان مصدرها أو وجهتها المحتملة. وأشاروا إلى أن«العملية كانت بمثابة استعداد (حماس) لتنفيذ هجمات قاتلة تستهدف مؤسسات ‌إسرائيلية أو يهودية في ألمانيا وأوروبا».

وفتشت الشرطة شقة المشتبه به في برلين. وأفاد البيان بأنه بمجرد تسليم «كامل م.» إلى ألمانيا، سيتولى القاضي تحديد ما إذا كان سيُحتجز على ذمة المحاكمة.


إجراءات يمنية لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال

يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
TT

إجراءات يمنية لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال

يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)

وضعت السلطات اليمنية مجموعة من القواعد التنظيمية الجديدة لضبط تجارة الذهب والمجوهرات في البلاد، في إطار مساعٍ حكومية لتعزيز جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتوازي مع خطوات مُوازية لمكافحة التهرب الضريبي والجمركي وتشديد الرقابة على المنافذ التجارية.

تأتي هذه الإجراءات ضِمن خطة أوسع لتقوية مؤسسات الدولة المالية والرقابية، وتحسين كفاءة إدارة الإيرادات العامة، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد منذ سنوات نتيجة الحرب والانقسام المالي والإداري.

ووفق مصادر حكومية، استكملت وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي اليمني، بالتعاون مع الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، إعداد القواعد الرقابية النهائية الخاصة بتنظيم تجارة الذهب والأحجار الكريمة، وذلك بعد مراجعة فنية شاملة للمسوَّدة الأولية وإجراء نقاشات موسّعة مع الجهات المعنية.

وشهد اجتماع مشترك بين المسؤولين في المؤسستين الحكوميتين استعراض نتائج مراجعة الهيئة لمسوَّدة الضوابط التنظيمية الخاصة بتجارة الذهب والمجوهرات، حيث جرى إقرارها بصيغتها النهائية بعد إدخال تعديلات فنية تهدف إلى تعزيز الشفافية وتطوير آليات الرقابة على هذا القطاع الحيوي.

قيود يمنية جديدة على تراخيص محالّ بيع الذهب أو تجديدها (إعلام محلي)

وتتضمن القواعد الجديدة، وفق المصادر، إلزام تجار الذهب والمجوهرات بتعيين «مسؤول امتثال» ونائب له داخل كل منشأة تجارية، بوصف ذلك شرطاً أساسياً للحصول على ترخيص مزاولة النشاط أو تجديده. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان التزام التجار بالمعايير الرقابية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما تشمل الضوابط اعتماد أنظمة إلكترونية لتوثيق جميع المعاملات التجارية المرتبطة ببيع وشراء الذهب والأحجار الكريمة، بما يسمح بتتبُّع العمليات المالية بشكل أكثر دقة ويعزّز قدرة الجهات الرقابية على مراجعة البيانات والتحقق من سلامة الإجراءات.

وتنص القواعد أيضاً على إنشاء وحدة اتصال فنية داخل الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، تكون مهمتها تسهيل تبادل المعلومات والبلاغات مع وحدة جمع المعلومات المالية التابعة للبنك المركزي، بما يسهم في تحسين التنسيق بين الجهات المعنية وتعزيز فاعلية الرقابة.

ويرى مسؤولون حكوميون أن هذه الخطوات ستساعد في تنظيم سوق الذهب والمجوهرات، التي تُعد من القطاعات التجارية الحساسة؛ نظراً لإمكانية استخدامها في عمليات غسل الأموال بسبب سهولة تحويل الذهب إلى أصول مالية قابلة للنقل والتداول.

آليات تفتيش وعقوبات

تُعزز الضوابط اليمنية الجديدة الدور الرقابي للهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، حيث خوّلتها ممارسة صلاحيات التحقق الميداني من التزام التجار بالقواعد التنظيمية، وإجراء عمليات تفتيش دورية على محالّ بيع الذهب والمجوهرات.

كما تتضمن الإجراءات وضع آليات واضحة لاتخاذ تدابير إدارية وقانونية بحق المخالفين، قد تشمل تعليق أو سحب التراخيص التجارية، إضافة إلى إحالة القضايا التي تنطوي على شُبهات جنائية إلى الجهات القضائية المختصة.

وأقرّ المسؤولون استكمال الإجراءات القانونية للمصادقة النهائية على هذه القواعد، إلى جانب تطوير آليات الرقابة على عمليات الاستيراد والتصدير المرتبطة بتجارة الذهب والأحجار الكريمة، مع تنفيذ برامج تدريب وتأهيل للكوادر الفنية في هيئة المواصفات ووحدة مكافحة غسل الأموال؛ لضمان التطبيق الفعلي لهذه الإجراءات في السوق المحلية.

التزام يمني بمكافحة التهرب الجمركي والضريبي وتشديد الرقابة على المنافذ (إعلام حكومي)

وترى الحكومة أن هذه الخطوة ستسهم في تعزيز قدرة مؤسسات الدولة على تنظيم القطاع التجاري وحماية حقوق التجار والمستهلكين، فضلاً عن الحد من الممارسات غير المشروعة التي قد تؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي.

حملة مكثفة

بالتوازي مع تنظيم قطاع الذهب، كثّفت الحكومة اليمنية جهودها لمكافحة التهريب والتهرب الجمركي والضريبي، حيث ترأس رئيس الحكومة شائع الزنداني اجتماعاً للجنة العليا لمكافحة التهريب خُصص لمراجعة الإجراءات المتخَذة لتعزيز الرقابة على المنافذ البرية والبحرية.

وتناول الاجتماع، وفق الإعلام الحكومي، تنفيذ خطة للتدوير الوظيفي للقيادات والموظفين العاملين بالمنافذ الجمركية، في خطوةٍ تهدف إلى الحد من مظاهر الفساد وتعزيز النزاهة في إدارة هذه المواقع الحيوية.

انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران تسبَّب في تدمير الاقتصاد اليمني (رويترز)

كما ناقش المسؤولون الإجراءات الرامية إلى تصحيح أوضاع المنافذ التجارية، وتعزيز سُلطة الدولة فيها، إضافة إلى رفع مستوى التنسيق بين الجهات الأمنية والجمركية والرقابية؛ لضمان تنفيذ القوانين والأنظمة بصورة فعالة.

وأكد رئيس الحكومة ضرورة تفعيل التشريعات المتعلقة بمكافحة التهريب وتطبيقها بصرامة، مشدداً على أهمية مضاعفة الجهود لمواجهة ما وصفه بـ«الآفة» التي تلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني والأمن القومي وصحة المواطنين والبيئة.

وتندرج هذه الخطوات ضمن أولويات البرنامج الحكومي الذي يهدف إلى تحسين إيرادات الدولة ومنع الجبايات غير القانونية، وإنهاء الازدواجية التي كانت قائمة في تحصيل الرسوم والضرائب، خلال السنوات الماضية.

البنك المركزي اليمني يواصل تعزيز قبضته على مكافحة غسيل الأموال (إعلام حكومي)

ويقول مسؤولون حكوميون إن جزءاً كبيراً من الإيرادات العامة كان يتجه، خلال السنوات الماضية، إلى جهات غير قانونية نتيجة الانقسام الإداري وتعدد نقاط الجباية، وهو ما أسهم في انتشار الرسوم غير الرسمية على البضائع خلال تنقلها بين المحافظات.

وتعهدت الحكومة بتطبيق الإجراءات القانونية بصرامة لمنع هذه الممارسات، إلى جانب تعزيز جهود مكافحة الفساد في مختلف المؤسسات، في خطوة تهدف إلى استعادة ثقة المستثمرين والتجار وتحسين بيئة الأعمال بالبلاد.