الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية

في يومها السنوي بحثت أهم التحديات

الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية
TT

الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية

الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية

تزامن يوم السلطة الرابعة في إيران هذا العام بالحدثين البارزين هذا الأسبوع، اليمين الدستوري للرئيس الإيراني وإعلان تشكيلة الحكومة. لكن الأحداث السياسية لم تمنع الصحافة الإيرانية والأوساط الإعلامية من الاحتفال بيومها بنكهة مختلفة مقارنة بالأعوام الماضية. المناسبة دفعت أغلب الصحف الصادرة الثلاثاء، لفتح الباب على مصراعيه أمام حديث ذي شجون لأصحاب المهنة عن أحوال الصحافة الإيرانية والهواجس والتحديات والتهديدات المتربصة بالصحافيين كما استغل الخبراء في مجال الإعلام الفرصة للحديث عن قطار الصحافة الذي خرج عن سكة الاحترافية.
وفي ظل ضغوط النظام الحاكم وأجهزته المخابراتية والتكنولوجيا الحديثة التي تلزم الصحافة بتمزيق ثياب الأمس وضبط الإعدادات بما يناسب العصر، لا مناص أمام الصحافي الإيراني سوى الحفاظ على وجوده بأقل ما يملك من إمكانيات والبحث عن حلول جذرية للأزمة الحالية التي تعيشها الأوساط الإعلامية الإيرانية.
«عمل صعب وموقع مزلزل ومشوه» هكذا تصف صحيفة «إيران» الناطقة باسم الحكومة الوضع الحالي للصحافة وأهلها في إيران. لسان حال الصحافي في هذا اليوم «أكتب على مدار العام عن مشكلات الآخرين، يجب أن أكتب عن معاناتي في اليوم الخاص بي». يتفق خبراء الإعلام الإيرانيون على أن العمل الصحافي أشبه بالسير في ميادين الألغام.
تعددت القضايا التي تطرقت لها الصحف الإيرانية، ركزت أغلب الملاحق على الوضع المهني والوضع الهش للصحافيين وضعف قانون الصحافة في حماية الصحافي من المضايقات الأمنية إضافة إلى تردي الوضع المعيشي وتراجع مستوى الاحترافية واستقلالية الصحافي بسبب غياب الصحافة المستقلة والنمو المتزايد للإعلام الحكومي.

الصحف تحتفي بيومها
وتناولت صحيفة «آفتاب يزد» اليوم الصحافي علی صفحتها الأولى برسم كاريكاتير يظهر الصحافي في زورق ورقي في بحر متلاطم تحت عنوان «الزمن الرمادي للصحافيين». وفي ملف نشرته بهذه المناسبة، وجهت الصحيفة انتقادا ضمنيا إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني لعدم تنفيذ وعوده لتحسين أوضاع الصحافة. واستطلعت الصحيفة آراء بعض الصحافيين الإيرانيين حول أوضاع العمل في ظل إدارة روحاني.
في نفس الاتجاه، خصصت صحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية صفحاتها الأولى والأخيرة لنشر هموم الصحافيين في البلاد بما فيها رفض السلطات نشاط نقابة الصحافيين منذ ثمانية أعوام ونشرت على الصفحة الأولى رسما كاريكاتيريا في إشارة للمضايقات الأمنية التي يتعرض لها الصحافيون كما نشرت أجزاء من رسالة مفتوحة وجهها أعضاء في اتحاد الصحافيين إلى الرئيس الإيراني.
من جانبها، نشرت صحيفة «همدلي» كاريكاتيرا على صفحتها الأولى حول يوم الصحافي تحت عنوان «الصحافة في ميدان الألغام» ورسمت الصحافي في زورق ورقي بين أسماك القرش. في نفس السياق، تناولت صحيفة «آرمان أمروز» في صفحتين أهم قضايا الصحافة الإيرانية مع خبراء وأساتذة جامعيين وتشير الصحيفة إلى مشكلة تزايد وكالات الأنباء الحكومية وأثرها السلبي على الصحافة.
صحفیة «بهار» في ملفها الرئيسي تشير إلى أول مؤتمر صحافي لحسن روحاني بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2013 وأسئلة وجهت له حول أوضاع الصحافة رد عليها بالوعود. من بين أسئلة الصحافيين حول رفع القيود المفروضة منذ فترة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد على نشاط اتحاد الصحافيين المحظور بأوامر قضائية.

قانون الصحافة لا يحمي الصحافيين

صحيفة «قانون» الإيرانية فتحت أحد الملفات الشائكة في إيران حول أمن الصحافيين وقانون الصحافة الذي يقتصر على ضمان صاحب الامتياز من دون أن يشمل رؤساء التحرير والمحررين والصحافيين.
وبعد مقدمة تاريخية مطولة عن علاقة الصحافيين بالسلطة واغتيالات طالت الصحافيين على مدى القرن الماضي في إيران، يرى كاتب المقدمة أن علاقة الوسط الإعلامي في مواجهة السلطة تتراوح بين النسبية والمطلقة وسبب ذلك هو رسالة الصحافي والصحافة في حين حاولت الحكومات الإيرانية المتعاقبة عرقلة النشاط الفكري في الأوساط الإعلامية والنخبوية وعلى حد تعبير الصحيفة حاولوا إعماء العين البصيرة للمجتمع.
انطلاقا من ذلك لجأت الصحيفة إلى قانونيين ومحامين امتهنوا الصحافة وعاشوا معاناة الصحافي لشرح الوضع القانوني للصحافيين ومسار قانون الصحافة، بهدف مطالبة المشرعين والمسؤولين بوضع حد للمشكلات الصحافية والحيلولة دون المضايقات التي يتعرض لها الصحافيون. في هذا الخصوص، يشرح أستاذ الجامعة والمحامي والصحافي، نعمت أحمدي، دور الصحافة في إنجاح الثورة وما واجه الصحف لاحقا من منع وقمع الصحافيين على يد محكمة «الثورة». ويعتبر نعمت زادة أن ظهور صحيفتي «سلام» و«جامعة» كانت ولادة جديدة للصحافة في إيران بعد الثورة وإن منعتهما السلطات من الإصدار بعد سنوات من النشر.
ويعتقد نعمت زادة أن الفترة الذهبية للصحافة الإيرانية بعد الثورة بدأت بوصول محمد خاتمي للرئاسة إلى نهاية فترته الرئاسية الأولى وهي الفترة التي شهدت ولادة صحف مثل «صبح أمروز» و«جامعة» و«خرداد» و«عصر ازادغان» و«نشاط» (جميعها موقوفة). بحسب الأستاذ الجامعي فإن أشخاصا مسؤولين دقوا آخر مسمار في نعش حرية التعبير وقانون الصحافة في ذلك الحين. وتحديدا بعد تعديل المادة 168 من قانون الصحافة واختصارها على أصحاب الامتياز وحرمان الكوادر التحريرية مثل الصحافيين والكتاب ورؤساء التحرير من القانون. وفق نعمت زادة قانون الصحافة الحالي لا يقدم أي حماية للصحافيين كما أنه لا يتطابق مع الظروف والإمكانيات الصحافية الحالية. ويضيف قائلا: إن قنوات التواصل الاجتماعي تنشر حاليا أنواعا شتى من الأخبار بينما المسؤولون ما زالوا يواصلون السياسات السلبية والإقصائية بحق الصحافيين. ويعتقد أن استمرار الأخطاء جعل مهمة الصحافيين والإعلاميين في النشاط الحر مستحيلة، مضيفا أنه «يجب ألا نتوقع أن يثق الرأي العام بالسلطة». ويلفت إلى أن المواجهة القضائية مع الصحافيين جعلت الصحف في إيران أرضا سبخة.
لكن المحامي عبد الصمد خرمشاهي في حديثه للصحافة قال بأن السلطات لم تتعامل سلميا مع الصحافة خلال السنوات الأخيرة ويقول: إن الصحافي يواجه التهم بمجرد قيامه بالمهام الصحافية. من جانب آخر يشير إلى الخطر المحدق بالصحافة بسبب وقف إصدار الصحف مشددا على أن القضاة يفسرون القانون بشكل شخصي في القضايا المتعلقة بقانون الصحافة وبناء على النظرة الشخصية يصدرون أحكاما قاسية ضد الصحافيين لدوافع سياسية خلف الستار. ومن بين التهم الخطيرة التي تهدد الصحافيين الإيرانيين «تهديد الأمن القومي» وهي تهمة يملك القضاء تعيين حدود العقوبة لها.
ويحذر المحامي الإيراني من تبعات تجاهل أمن الصحافيين المهني والنفسي على صعيدين أساسيين الأول هو خيبة أمل أصحاب الصحف لإنتاج المواد الإخبارية الدقيقة والموثوقة والثاني تشكيك الإيرانيين بوجود حرية التعبير في البلاد.

الرقابة والأمن الوظيفي وتراجع الاحترافية

الضغوط الأمنية التي يتعرض لها الصحافي في إيران، تثير مخاوف الخبراء من فرض رقابة ذاتية نتيجة الخوف على المستقبل والتبعات التي لا تحمد عقباها في بلد لا توجد به ضمانات لحماية الصحافيين من الأجهزة الأمنية. بحسب الخبير القانوني بهمن كشاورز فإن المجتمع ضحية عدم انتشار الأخبار الصحيحة نتيجة الرقابة الذاتية.
وأشارت الصحف الإيرانية التي توقفت عند أهم المشكلات الحالية إلى أن إغلاق الصحف تسبب في حالة من عدم الاستقرار الوظيفي بين الصحافيين.
بدورها تعتقد صحيفة «إيران» الناطقة باسم الحكومة أن النظرة الاقتصادية في المجتمع الإيراني للعلاقات الاجتماعية تدفع الصحافيين المحترفين إلى هجرة المهنة إلى مجالات أخرى وأن من يفتقرون للخبرة لا يقلقون المسؤولين.
وفي حين تتعرض حكومة الرئيس الإيراني لانتقادات الصحافيين بسبب تأخر وعوده السابقة في الاهتمام بأحوال الصحافيين فإن صحيفة «إيران» الناطقة باسم إدارته حاورت عددا من رؤساء التحرير في الصحف الإيرانية لتسليط الضوء على أبرز تلك المشكلات ويتحدث رئيس تحرير صحيفة «اعتماد» جواد دليري عن «النظرة القاسية والأداتية والدعائية للصحافة». باعتقاده أن النظرة الضيفة تفوت على الصحافيين فرصة تجريب الصحافة الحرة والمستقلة والتعددية مشددا على أنها مشكلات قديمة تعاني منها الصحافة الإيرانية منذ الولادة.
ويقول دليري إن صحف إيران تعاني من مشكلات قانونية وسياسية واقتصادية وتعليمية. بنفس الوقت يشير إلى أن المشكلات الاحترافية تتلخص في الخطوط الحمر التي تواجه الصحف الإيرانية. ويرى أنه كلما كانت القيود أقل في المقابل يزداد تأثير الصحف. ويتابع أن «الخطوط الحمر» أفقدت الصحف الإيرانية فاعليتها وقدرتها على التأثير في الشارع الإيراني.
كما لفت دليري الانتباه إلى تراجع المستوى الاحترافي الصحافي في البلد بسبب القوانين وحرمان الصحف من استقطاب الطاقات المختصة وعدم تطوير قدرات الإعلاميين.
من جانبه يقول رئيس تحرير صحيفة «شهروند» مهدي افروزمنش إن الصحافة الإيرانية تمر بمرحلة متأزمة لأنها عاجزة عن توفير التعليم المطلوب لتطوير قدرات الصحافيين. ومن المشكلات أيضا عدم الانتقال الصحي للخبرات بسبب انقطاع الأجيال القديمة والجديدة، مشيرا إلى أبعاد مختلفة من معاناة الصحافة ويقول «الصحافي يفقد كل شيء: اسمه الأمن وهو مصدر كل المشكلات».
وباعتقاد افروزمنش فإن فقدان الأمن الوظيفي في السنوات الأخيرة أدى إلى هجرة الصحافي المحترف إلى قطاعات أخرى في أول فرصة متاحة أمامه، وذلك لأسباب اقتصادية ومالية. ويتحدث عن تدهور أحوال الصحافة بعد هجرة الصحافيين إثر ملاحقة الصحافيين في أثناء احتجاجات الحركة الخضراء في 2009، موضحا أن «الصحافة بلغت مستوى يفضل أصحاب الامتياز إدارة الصحف بأقل النفقات». وفق الصحافي الإيراني فإن الحالة زادت من حظوظ الصحافيين قليلي الخبرة بينما يواجه الصحافيون المحترفون فرصا أقل في الحصول على وظيفة.
استقلالية الصحافي مهددة
في حديثه لصحيفة «ابتكار» يرفض أستاذ الإعلام في جامعات طهران فريدون صديقي تسييس الصحافي ويقول: إن من حق الصحافي أن تكون له علاقاته الحزبية وسلوكه الشخصي واعتقاداته واتجاهه الخاص لكن في إطار العمل الصحافي يجب ألا يعلن حضوره في السياسة.
كذلك يرفض وجود صحافيين إصلاحيين أو محافظين في البلاد ويقول: إن التسميات تحت تأثير الاتجاهات السياسية لوسائل الإعلام إلا أنه بنفس الوقت يذكر أن الصحافي المستقل غير مرحب به في إيران وهو الصحافي الذي يقول الواقع ويطرح تساؤلات ومطالب الشعب من المسؤولين وينقل رسائل المسؤولين إلى الشعب. نتيجة لذلك تعاني الصحف من الضعف والخمول وتخفق في بلوغ الأهداف على حد تعبيره.
من جانبها تقول رئيس تحرير وكالة «إيلنا» فاطمة مهدياني في تصريح لصحيفة «إيران»: إن تعرض الصحافيين للمشكلات النقابية والمعيشية يعرض استقلاليتهم للخطر وفي إشارة إلى الهواجس الأساسية للصحافيين في فقدان الأمن الوظيفي، تنتقد الازدواجية في تعامل الأجهزة الأمنية مع الصحافيين وتقول: إن الأجهزة الأمنية تستهدف صحافيين ينتمون لتيار سياسي بعينه في حال يتمتع صحافيو التيار المقابل بالحصانة.
من جهته، يوجه أستاذ الإعلام في جامعة طهران جلال خوش جهره في تصريح لصحيفة «قانون»، الاتهام إلى وسائل الإعلام واتجاهاتها السياسية التي تحول الصحافي إلى أداة بيد الأحزاب لكي يحافظ على لقمة العيش. من جهة ثانية يقف عند معاناة الصحافيين المستقلين وكيف أن من يفتقرون للخبرة يتقدمون على حساب صحافيين يرفضون التنازل للانتماءات الحزبية.



خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».


«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.