روسيا تحسب خسائرها بعد ثلاث سنوات على «الحظر الغذائي»

الإنتاج الزراعي الأوروبي يتكيف مع الواقع

مخزن يستخدم من قِبل السفارة الأميركية في موسكو تم إدراجه على قائمة الأماكن التي يحظر على السفارة استخدامها (إ.ب.أ)
مخزن يستخدم من قِبل السفارة الأميركية في موسكو تم إدراجه على قائمة الأماكن التي يحظر على السفارة استخدامها (إ.ب.أ)
TT

روسيا تحسب خسائرها بعد ثلاث سنوات على «الحظر الغذائي»

مخزن يستخدم من قِبل السفارة الأميركية في موسكو تم إدراجه على قائمة الأماكن التي يحظر على السفارة استخدامها (إ.ب.أ)
مخزن يستخدم من قِبل السفارة الأميركية في موسكو تم إدراجه على قائمة الأماكن التي يحظر على السفارة استخدامها (إ.ب.أ)

أصبح يوم السادس من أغسطس (آب) يوماً لتقديم «جرد حساب عن حال الاقتصاد الروسي»؛ ذلك أنه في هذا اليوم بالذات، ومنذ ثلاث سنوات أعلنت روسيا حزمة إجراءات عقابية رداً على حزمة عقوبات اعتمدتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد الاقتصاد الروسي، عقاباً على ضم القرم والدور الذي يرى الغرب أنها تلعبه في الأزمة جنوب - شرق أوكرانيا. حينها أقر الرئيس بوتين حزمة «تدابير جوابية» شملت حظر استيراد المواد الغذائية، بما في ذلك الحليب ومشتقاته ومنتجاته، اللحوم بأنواعها المختلفة، والخضراوات والفاكهة، والكثير غيرها من مواد غذائية أخرى، كانت روسيا تحصل عليها بصورة أساسية من أوروبا. وفور الإعلان عن تلك الإجراءات خيمت حالة من القلق والتوتر على الأجواء في الأسواق الروسية، وبدأ الناس يتحدثون عن ارتفاع مرتقب على أسعار تلك المواد، وربما اختفاء جزء كبير منها من واجهات المحال التجارية.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقّع يوم السادس من أغسطس عام 2014 على حزمة التدابير التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم «الحظر الغذائي»، وشملت حظر استيراد المواد الغذائية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا والنرويج. وبعد عام قررت السلطات الروسية إتلاف كل ما تصادره من منتجات غذائية من تلك الدول. كما أعلنت في أغسطس عام 2015 توسيع قائمة الدول التي يشملها «الحظر الغذائي» وضمت كل من ألبانيا وآيسلندا وليختنشتاين والجبل الأسود. ومن ثم واعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2016 شمل الحظر الغذائي الروسي المنتجات الأوكرانية كذلك. وما زال العمل ساريا بموجب ذلك الحظر؛ إذ تعلن روسيا تمديده كلما قامت دول الغرب بتمديد عقوباتها ضد روسيا.
وشكل قرار الكرملين بفرض «حظر غذائي» على تلك المجموعة من الدول ضربة مؤلمة لقطاع الإنتاج الزراعي في أوروبا، الذي كان يعتمد على السوق الروسية لتصريف إنتاجه. وفي العام الأول من سريان الحظر الروسي تراجع حجم صادرات المنتجات الغذائية من أوروبا نحو 29 في المائة، وتشير التقديرات إلى أن خسائر قطاع الإنتاج الزراعي في أوروبا بلغ في العام الأول من الحظر الروسي نحو 2.2 مليار يورو. بينما تحدثت تقارير للمفوضية الأوروبية عن احتمال أن يؤدي الحظر إلى فقدان 130 ألف فرصة عمل. وتفاوت حجم الضرر الناجم عن الحظر الروسي بين دولة وأخرى، بحسب حجم صادرات هذه الدولة أو تلك إلى السوق الروسية. على سبيل المثال، معروف أن بولندا تنتج سنوياً أكثر من ثلاثة ملايين طن من التفاح، وتستهلك السوق الروسية عادة ثلث ذلك الإنتاج. وبعد منع تصدير التفاح البولندي إلى السوق الروسية، حاول المزارعون البولنديون طرح منتجاتهم في السوق الأوروبية؛ ما أدى إلى زيادة العرض وتراجع الأسعار. كما شهدت مناطق عدة في بولندا احتجاجات قام خلالها المزارعون بإتلاف كميات من إنتاجهم، وطالبوا بإلغاء العقوبات الغربية ضد روسيا كي تلغي روسيا «الحظر الغذائي». غير أن المنتجين الأوروبيين تمكنوا مع الوقت من تفادي معظم التداعيات السلبية للحظر الروسي.
في المقابل، فإن «الحظر الغذائي» الروسي خلق مزيداً من التعقيدات في السوق الروسية، التي كانت تعاني حينها كذلك بسبب هبوط حاد على قيمة الروبل الروسي. ونتيجة تلك العوامل ارتفعت أسعار مجموعة كبيرة من المواد الغذائية. وحسب معطيات الوكالة الفيدرالية الروسية للإحصاء، سجلت الفترة من يونيو (حزيران) 2014 ولغاية يوليو (تموز) 2015 ارتفاعاً على سعر البسكوت والحلويات بنسبة 21 في المائة، والمعكرونة بنسبة 23 في المائة، ولحم العجل بنسبة 22 في المائة، وزيت عباد الشمس بنسبة 29 في المائة، والسكاكر بنسبة 30 في المائة، وارتفع سعر الأرز والسمك المجمد بنسبة 37 في المائة، وبنسبة 38 في المائة ارتفعت أسعار التفاح، و18 في المائة على سعر الأجبان.
وعلى الرغم من كل هذه النتائج السلبية، فإن كثيرين في روسيا رأوا في قرار «الحظر الغذائي» أمرا إيجابياً؛ لأن خروج المنتجات المستوردة من السوق المحلية سيتيح المجال للمنتجين الزراعيين الروس شغل مكانة في تلك السوق دون ضغط المنافسة الحادة. وفي إطار هذه الرؤية، اعتمدت الحكومة الروسية برنامج «التعويض عن الصادرات» الذي يشمل بما في ذلك دعم قطاع الإنتاج الزراعي الروسي ليصبح قادرا على التعويض عن الجزء الأكبر من المنتجات التي يشملها «الحظر الغذائي». وفي تقرير نشرته وكالة «ريا نوفوستي» حول نتيجة ثلاث سنوات من العقوبات، تقول إن «ذلك (الحظر الغذائي) فتح الآفاق أمام روسيا لتستعيد موقعها بصفتها واحدة من الدول الرائدة في مجال الإنتاج الزراعي، وأعاد الأمل إلى المنتجين الزراعيين المحليين، وسمح بالكشف عن مشاكل بنيوية في هذا القطاع، يجب حلها؛ لعدم إضاعة الفرصة المتاحة، والمضي في زيادة حصة قطاع الإنتاج الزراعي في الاقتصاد».
وتشير تقارير إلى نمو في مجال الإنتاج الغذائي والزراعي في روسيا خلال سنوات العقوبات والحظر الغذائي، فضلا عن نمو في الإنتاج الزراعي بالاعتماد على «البيوت البلاستيكية»، وتنوي روسيا خلال العام الحالي بناء وتحديث ما لا يقل عن 160 هكتارا من الأراضي التي تعتمد على البيوت البلاستيكية لإنتاج مختلف أنواع الخضراوات. ومنذ بداية عام 2017 وحتى 26 يوليو بلغ حجم حصاد المزارعين من الخضراوات في البيوت البلاستيكية أكثر من 508 آلاف طن، أي بزيادة 19.8 في المائة عن حجم الإنتاج حلال الفترة ذاتها من العام الماضي. كما يجري العمل في إطار برنامج «التعويض عن الصادرات» على زيادة نسبة الأسماك واللحوم من الإنتاج المحلي في السوق الروسية. ويجمع الخبراء، على أن روسيا لم تتمكن بعد من تجاوز كل تداعيات العقوبات الأوروبية، لكنها تكيفت معها بشكل أو بآخر، وكذلك الأمر بالنسبة للمنتجين الأوروبيين الذين طالتهم التدابير الروسية، أي «الحظر الغذائي» الروسي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...