«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية

«وصفة ماكرون» لم تحل الأزمة... وسلاح أميركي لمواجهة «التهديد الروسي»

«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية
TT

«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية

«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية

بعد مضي سنوات على توقيع «اتفاقيات مينسك» لتسوية الأزمة الأوكرانية، ما زال التوتر سيد الموقف في منطقة الدونباس Donbass، الواقعة بجنوب شرقي أوكرانيا التي تضم مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك. ويبدو أن قادة الميليشيات المحلية الموالية لروسيا في الدونباس يشعرون بإحباط غير مسبوق، الأمر الذي دفعهم إلى إعلان تأسيس «دولة جديدة» أطلقوا عليها اسم «مالوروسيا»، أي روسيا الصغرى. وفي خلفية هذا المشهد المعقد يواصل «رباعي النورماندي» جهوده لوضع «اتفاقيات مينسك» على مسار التنفيذ، واندفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أمل تفعيل دور بلاده في النزاعات الإقليمية، وأعلن عن اقتراحات للتسوية في أوكرانيا، وهو ما أطلق عليه «وصفة ماكرون» للحل. وهذا، بينما تعلق موسكو الآمال على تسوية للأزمة الأوكرانية، لتتخلص من بؤرة نزاع متاخمة لحدودها، ولترتاح قليلا من عبء العقوبات الغربية، وتزيل جانباً من التعقيدات في العلاقات الثنائية مع أوروبا والولايات المتحدة.
استعادت أخيراً الجهود الدولية لتسوية الأزمة الأوكرانية بعض الزخم، لا سيما بعد تنصيب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية في فرنسا، وبعد اللقاء الأول الذي عُقِد بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب على هامش «قمة العشرين» في هامبورغ يوم 7 يوليو (تموز).
وفي حين تلعب واشنطن دورها مستقلة في الأزمة الأوكرانية، فإن كلا من باريس وبرلين تُسهِم في جهود التسوية من خلال «رباعي النورماندي»، وهو الإطار الذي يضم رؤساء كل من روسيا وفرنسا وأوكرانيا ومستشارة ألمانيا، وتم تشكيله عقب لقاء أول جمع الزعماء الأربعة في فرنسا صيف عام 2014، خلال الاحتفالات بالسنوية السبعين لإنزال الحلفاء في شاطئ النورماندي بشمال غربي فرنسا.
ويجري ضمن «رباعي النورماندي» بحث عملية التسوية الأوكرانية بصورة خاصة. ولقد عقد قادة المجموعة لقاءات عدة حول الوضع في أوكرانيا، فضلاً عن اتصالات هاتفية رباعية وثنائية كثيرة خلال العامين الماضيين، إلا أن المحادثات بين موسكو وباريس بصورة خاصة شهدت فتوراً في الأشهر الأخيرة من فترة رئاسة فرنسوا هولاند، بسبب انتقادات فرنسية شديدة اللهجة للقصف الروسي على مدينة حلب السورية حينها. ولكن لاحت في الأفق معالم تحرك فرنسي بنبض جديد مختلف لتسوية الأزمة الأوكرانية بعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا، حيث أظهر ماكرون رغبة واستعدادا لمواصلة الحوار مع بوتين حول ملفات الأزمات الإقليمية والدولية، وهو ما تلقاه الكرملين بارتياح. وضمن هذه الأجواء وصل الرئيس الروسي في زيارة إلى فرنسا وأجرى محادثات موسعة مع ماكرون يوم 29 مايو (أيار)، أي بعد ثلاثة أسابيع فقط على فوز الثاني في الانتخابات الرئاسية.
وعقب تلك المحادثات قال ماكرون إنه بحث مع ضيفه الرئيس الروسي «مختلف التفاصيل حول تنفيذ اتفاقيات مينسك الخاصة بتسوية الأزمة الأوكرانية»، وأكد على رغبة فرنسية - روسية مشتركة تبلورت خلال المحادثات، للدعوة للقاء جديد لـ«رباعي النورماندي»، والاستماع إلى تقرير بعثة «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» حول تفاصيل ما يجري في أوكرانيا. وشدد على أن باريس تأمل بالتوصل إلى تهدئة للنزاع في جنوب شرقي أوكرانيا في إطار عملية مينسك الخاصة بالأزمة الأوكرانية.

الموقف الفرنسي
بيد أن هذه الأجواء الإيجابية للعلاقات الفرنسية - الروسية، لم تكن تعني، كما اتضح لاحقاً، أي تغير في الموقف الفرنسي من الأزمة الأوكرانية، لا سيما تحميل روسيا المسؤولية عما يجري. هذا ما أكدته محادثات أجراها الرئيس ماكرون في باريس بنهاية يونيو (حزيران) الماضي مع نظيره الأوكراني بترو بوروشينكو، وخلالها وصف ماكرون روسيا بأنها «دولة معتدية» على أوكرانيا. وفي رده على التصريحات الفرنسية، قال ديمتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم الكرملين: «لسنا متفقين مع الزملاء الفرنسيين حول تلك الصيغة التي صدرت فيها تصريحات الرئيس الفرنسي». وأكد أن «الجانب الروسي دون شك يواصل بصبر توضيح حقيقة الوضع في أوكرانيا، وموقفه من الأزمة هناك». إذ يتهم الغرب روسيا بأنها طرف مباشر في النزاع المسلح الدائر جنوب شرقي أوكرانيا بين السلطات الحاكمة في كييف والميليشيات المحلية في لوغانسك ودونيتسك التي تحظى بدعم عسكري وسياسي روسي. ومن جانبها، ترفض روسيا تلك الاتهامات وتكرّر دوماً أنها ليست طرفا في النزاع.
الرئيس الفرنسي عرض على ضيفة الأوكراني رؤية حول آليات تنفيذ «اتفاقيات مينسك». وعقب المحادثات قال الرئيس الأوكراني بوروشينكو: «ما اتفقنا عليه (مع ماكرون) أننا سنضع على الورق مشروع الحلول الممكنة ضمن رباعية النورماندي، وسيطلق عليها «وصفة ماكرون». وأعرب عن قناعته بأنه حينها «سنتمكن من عرض خطة لتحقيق السلام، وأنها احتلال شرق أوكرانيا». وذكر قسطنطين يليسييف، نائب مدير إدارة الرئاسة الأوكرانية، إن تلك الوصفة تقوم على «خطوات صغيرة لكن محددة»، وأوضح أن «تلك الوصفة تنص على عمل مشترك هادف، بغية ضمان التنفيذ التام لاتفاقيات مينسك، عبر خطوات صغيرة محددة». وأكد أن الآلية التي عبر عنها الرئيس الفرنسي «تعكس إدراكاً لحقيقة أن الأولوية تبقى لحل المسائل المتصلة بحزمة الأمن في الاتفاقيات»، مشدداً على أن البداية ستكون من وقف إطلاق النار والسماح بتنقل حرّ للمراقبين في منطقة النزاع.

تجدد الآمال
بعد هذا النشاط من جانب الرئيس الفرنسي الجديد، والاهتمام من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالوضع في جنوب شرقي أوكرانيا، تجدّدت الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق حول آلية لتنفيذ اتفاقيات مينسك، وإنهاء الأزمة الأوكرانية. والجدير بالذكر أن «اتفاقيات مينسك» - كما سبقت الإشارة - وثيقة تتضمن رؤية لتسوية الأزمة الأوكرانية توافق عليها قادة «رباعي النورماندي»، أي الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والروسي فلاديمير بوتين والأوكراني بيوتر بوروشينكو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خلال مباحثات أجروها في العاصمة البيلاروسية مينسك عام 2015. وتنص «الاتفاقيات» على سحب الجانبين للقوات لمسافة معينة بعيدا عن خطوط التماس، وإجراء انتخابات محلية في منطقتي لوغانسك ودونيتسك، واستعادة السلطات الأوكرانية السيطرة على كامل الحدود مع روسيا، وخروج كل القوات والميليشيات الأجنبية من الأراضي الأوكرانية.
وخلال السنوات الماضية كانت هناك محاولات عدة لإطلاق العمل بموجب تلك الاتفاقيات، غير أن التصعيد العسكري كان وما زال يحول دون ذلك، ويحمل كل طرف المسؤولية عن فشل الاتفاق للطرف الآخر، ويؤكدان في الوقت ذاته تمسكهما بتلك الاتفاقيات كحل وحيد للخروج من الأزمة.

تعقيدات الأزمة
بيد أن مدى التعقيد حول الأزمة الأوكرانية برز بوضوح بعد محادثات أجراها الرئيس الروسي في هامبورغ مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك بعد المحادثات الثلاثية هناك بمشاركة زعماء روسيا وفرنسا وألمانيا، وكان الرئيس الأوكراني غائباً لأن أوكرانيا ليست عضوا في «مجموعة العشرين».
يومذاك انتهت المحادثات الثلاثية حول إيجاد حل للنزاع في أوكرانيا من دون إحراز تقدم، ما يعكس الأزمة المستمرة منذ سنوات في محادثات السلام. وأعلن ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين أن الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي «اتفقوا خلال المحادثات في قمة مجموعة العشرين على ضرورة اتخاذ خطوات للتغلب على تعثر وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2015». ومن جهته، قال متحدث باسم الحكومة الألمانية: «كان هناك اتفاق بشأن ضرورة تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل شامل»، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ولادة «مالوروسيا»
ومع عدم التقليل من أهمية الحراك الفرنسي والنشاط الأميركي على المحور الأوكراني، فإن كل ذلك كله لم يأت بعد بأي نتائج ملموسة على الأرض. وتراوحت الحال في جنوب شرقي أوكرانيا ما بين «استعادة الأمل» و«خيبة الأمل» مجدداً، بينما استمرت انتهاكات وقف إطلاق النار في منطقة النزاع، الأمر الذي دفع قادة الميليشيات المسلحة في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا إلى الإعلان عن مبادرة يرون أنها تمثل الحل السلمي الوحيد المتاح للأزمة الأوكرانية. وحسب تلك المبادرة أعلن قادة الميليشيات في الدونباس عن تأسيس «دولة» جدية تكون بديلاً وخلفاً لأوكرانيا، وزعموا أن «الدولة الأوكرانية» بشكلها الحالي انتهت، وعوضاً عن ذلك سيصبح اسمها «مالوروسيا»، أي (روسيا الصغرى). وللعلم، كان ألكسندر زاخارتشينكو، رئيس ما يُسمى «جمهورية دونيتسك المعلنة من جانب واحد»، إضافة إلى ممثلي 19 مقاطعة أوكرانية، أصدروا يوم 18 يوليو نص وثيقة دستورية للدولة الجديدة، جاء فيها: «نحن، ممثلي أقاليم أوكرانيا السابقة، نعلن تأسيس دولة جديدة، تكون وريثة قانونية لأوكرانيا. واتفقنا على أن تحمل الدولة الجديدة اسم مالوروسيا، لأن تسمية أوكرانيا فقدت مصداقيتها». وتم تحديد مدينة دونيتسك عاصمة للدولة الجديدة، بينما تصبح كييف مركزها الثقافي - التاريخي.
وبعد «الإعلان الدستوري» عبر زاخارتشينكو عن قناعته بأن قيام «مالوروسيا» يمثل مخرجاً سلميّاً من الأزمة الأوكرانية الحالية، وأن سلطات كييف «فاقدة للشرعية وعاجزة عن وقف الحرب».
هذه الخطوة، أكدت حالة شديدة من الإحباط في أوساط القوى السياسية جنوب شرقي أوكرانيا إزاء آفاق تطبيق «اتفاقيات مينسك»، ووضع نهاية للحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات في المنطقة، وعبّر زاخارتشينكو بوضوح عن هذه الحالة، حين قال إن «الوضع وصل إلى طريق مسدود»، ووصف الإعلان عن مالوروسيا بـ«خطة لإعادة اندماج البلاد»، و«مخرج من الحرب عبر إعادة تأسيس الدولة». وأضاف أن «هذا مخرج سلمي لكنه يتطلب عدة شروط، أولها أن يحظى بدعم الأوكرانيين أنفسهم»، وأكد أن مشاورات جرت بهذا الشأن مع النخب السياسية ورجال الأعمال في الأقاليم، قبل اتخاذ قرار إعلان الدولة الجديدة، وعبر عن أمله بالحصول على تأييد المجتمع الدولي.
ولكن كان لافتاً التوافق بين موسكو وكييف على رفض مبادرة إقامة دولة «مالوروسيا». وقال بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، إن تصريحات زاخارتشينكو رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية» تمثل «مبادرة شخصية منه». وأضاف أن «موسكو علمت بهذا الأمر من تقارير وسائل الإعلام». وشدد بيسكوف في الوقت ذاته على التزام روسيا بـ«اتفاقيات مينسك» الخاصة بتسوية النزاع شرق أوكرانيا.
من جانبه، قال بوريس غريزلوف، ممثل روسيا لدى مجموعة الاتصال الدولية لتسوية الوضع في أوكرانيا «إن هذه المبادرة لا تتوافق مع عملية مينسك... واعتبر هذا الأمر مجرد دعوة للمناقشة، لأن هذا الإعلان لا عواقب قانونية له». كذلك أعرب عن قناعته بأن «هذه المبادرة مرتبطة، على الأرجح، بالحرب الإعلامية وليست جزءاً من السياسة الواقعية». ولم يستبعد أن يكون إعلان دولة «مالوروسيا» جاء «ردّاً على التصريحات الاستفزازية، التي يدلي بها المسؤولون السياسيون رفيعو المستوى في كييف، وتعتبر غالباً غير مقبولة على الإطلاق». ومن جانبه، وردّاً على الإعلان عن الدولة الجديدة، تعهد الرئيس الأوكراني بيوتر بوروشينكو، بفرض السيادة واستعادة السيطرة على جميع أراضي الدونباس، وقال إن مصير «مالوروسيا» سيكون نفسه مصير «نوفوروسيا» في إشارة إلى «الدولة» التي أعلنت القوى في جنوب شرقي أوكرانيا عن تأسيسها بداية الأزمة، وبقيت حبراً على ورق.

دفعة للرباعي
إن الإعلان عن دولة جديدة اسمها «مالوروسيا» وإن بقي حبر على ورق، لكنه شكل رسالة دفعت «رباعي النورماندي» إلى التحرك. إذ أجرى الرؤساء ماكرون وبوتين وبوروشينكو والمستشارة ميركل محادثات خلال اتصالٍ هاتفي يوم 25 يوليو، استغرقت ساعتين، ركزوا فيها على بحث تطورات الأزمة الأوكرانية، لكن يبدو أنها كانت دون نتائج تذكر، أو على الأقل لم يتوصل قادة «رباعي النورماندي» إلى اتفاق حول آليات تنفيذ «اتفاقيات مينسك». واقتصر الأمر على إعلانهم عن «النية بالتوصل إلى اتفاق حول الخطوات في مجال الأمن»، ومواصلة العمل على تنفيذ اتفاقيات مينسك. ولهذا الغرض توافق القادة على عقد لقاء، يتوقع أن يكون في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن قبل ذلك سيجري مستشاري قادة «الرباعي» محادثات تمهيدية، لم يعلن بعد متى وأين ستجري. وقال المكتب الصحافي في الكرملين إن القادة المشاركين في المحادثات الرباعية «تبادلوا وجهات النظر حول الوضع في جنوب شرقي أوكرانيا»، على خلفية التصعيد المستمر هناك، واتفقوا على «الاتصالات اللاحقة بما في ذلك على أرفع مستوى».
في أي حال، كشفت المحادثات الهاتفية الأخيرة تمسك الرئيس الأوكراني بفكرة إرسال قوات حفظ سلام دولية بتفويض من الأمم المتحدة إلى منطقة النزاع، و«إطلاق سراح كل الرهائن، بما في ذلك الموقوفون بصورة غير شرعية في روسيا». وكان الرئيس الأوكراني قد دعا وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال محادثات في شهر أبريل (نيسان) إلى تنشيط العمل عبر الأمم المتحدة على إرسال قوات دولية إلى منطقة النزاع. حينها رفض الكرملين الاقتراح الأوكراني، وعلق بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية، بأنه لا بد من بحث هذا الاقتراح بين الأطراف المتنازعة بداية، أي السلطات الشرعية في كييف والميليشيات في منطقة الدونباس. ثم شدد على ضرورة أخذ وجهات نظر جميع أعضاء «رباعي النورماندي» بالحسبان. وكانت روسيا قد رفضت نشر قوة بوليسية من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على الحدود الروسية - الأوكرانية. وحتى الآن تبقى محاولات تنفيذ «اتفاقيات مينسك» معطلة بسبب خلاف رئيسي حول النقطة التي يجب أن يبدأ التنفيذ منها... هل هي الفقرات المتعلقة بالأمن؟ أم الفقرات المتعلقة بالجانب السياسي؟
تنص الأولى على استعادة القوات الأوكرانية السيطرة على مناطق الدونباس، بما في ذلك الحدود مع روسيا. بينما تنص الفقرات السياسية على تثبيت وضع خاص للدونباس في الدستور الأوكراني، وإجراء انتخابات للقيادات المحلية، والسماح لتلك المناطق بتشكيل شرطة من أبناء المنطقة. وتريد روسيا تنفيذ الشق السياسي أولاً بينما يصر الجانب الأوكراني على الشق الأمني بداية.
هذا التباين الواضح في المواقف ينذر باستمرار النزاع في جنوب شرقي أوكرانيا، الأمر الذي في الوقت ذاته يعني بقاء التوتر مهيمناً على العلاقات بين روسيا والغرب، لا سيما أن الوزير الأميركي تيلرسون أكد للأوكرانيين أن العقوبات على روسيا ستبقى، وكذلك وافق الرئيس الأميركي ترمب أخيراً على مشروع قانون توسيع العقوبات ضد روسيا، لأسباب، بينها الأزمة الأوكرانية. أما كورت فولكر، ممثل الإدارة الأميركية في الأزمة الأوكرانية، فقد حمّل موسكو مسؤولية «الحرب» في شرق البلاد. وخلال جولة أجراها يوم 25 يوليو في مقاطعة دونيتسك قال فولكر: «هذه ليست أزمة جامدة. إنها حرب ساخنة وأزمة فورية نحتاج جميعاً إلى أن نتعامل معها بأسرع ما يمكن». وأضاف المبعوث الأميركي - الذي كان يرتدي بزة واقية للرصاص للصحافيين: «أردتُ أن أحضر إلى هنا وأن أرى الوضع مباشرة على طول خط الأزمة».
وتابع: «إنه حقّاً مستوى عالٍ من المعاناة... هناك كلفة بشرية كبيرة في هذا النزاع وهذا سبب آخر لوجوب تعاملنا معه بشكل عاجل». وأردف قائلاً ومتعهداً إن الولايات المتحدة ستنظر في إمكانية إرسال أسلحة دفاعية للقوات الأوكرانية التي تشارك في القتال في الدونباس، وأشار إلى أن «أسلحة دفاعية كتلك التي تسمح بتعطيل دبابة على سبيل المثال، من شأنها أن تساعد في واقع الأمر بوقف روسيا التي تهدد أوكرانيا».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.