البطولات في موضع القلب في أفلام الحرب الكبيرة

كريستوفر نولان يعيد للفيلم الملحمي دوره

لقطة من «دنكيرك»  لكريستوفر نولان - لقطة من «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا
لقطة من «دنكيرك» لكريستوفر نولان - لقطة من «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا
TT

البطولات في موضع القلب في أفلام الحرب الكبيرة

لقطة من «دنكيرك»  لكريستوفر نولان - لقطة من «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا
لقطة من «دنكيرك» لكريستوفر نولان - لقطة من «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا

مع الافتتاح الناجح لفيلم كريستوفر نولان الجديد «دنكيرك»، وهو نجاح نقدي وتجاري في آن، يحط الفيلم الحربي المشغول بأدوات كلاسيكية وبعناصر إنسانية على شاشات جيل اعتاد، في العقود الثلاثين الأخيرة، مشاهدة نسخ اصطناعية حول حروب الإنسان التاريخية، الصغيرة منها أو الكبيرة، العالمية أو الإقليمية.
والإيرادات العالية وغير المتوقعة تؤكد أن الجيل الحاضر، كما ذلك السابق له أو الأسبق، مهتم بمعرفة ما الذي حدث وكيف حدث. وليكتشف كيف أنّ الأفلام الحديثة التي استبدلت النوع الحربي بأفلام عسكرية وسينما من المعارك الفردية والبطولات المختلقة تجنّبت حقائق التاريخ في سبيل تقديم ما هو مثير وبطولي تهيمن فيه التقنيات الحديثة على الصلب الإنساني أو تلغيه من دون أن تعوّضه.
«دنكيرك»، ونقده له مساحة أخرى، هو من تلك الأفلام المشغولة بحس سينمائي يتجاوز ما يتوقعه المشاهدون، في مجملهم، حتى وإن أدركوا منذ البداية أن فيلماً من إخراج كريستوفر نولان هو فعل سينمائي خاص لا يشبهه فعل آخر هذه الأيام.
بالنسبة لنولان، فإن معالجته لمعركة دنكيرك التي وقعت في شهر مايو (أيار) سنة 1940، عندما هاجمت القوات الألمانية تلك البريطانية ودفعت حشودها (نحو 300 ألف جندي) إلى ساحل ضيق، كان عليها أن تُعالج بالنوعية الفنية ذاتها التي كانت تعالج فيه أفلام الملاحم التاريخية الكبيرة. الفيلم من فصيلة «حرب وسلم» لسيرغي بوندراتشوك و«تورا… تورا… تورا» لريتشارد فلايشر وكينجي فوكاساكو و«سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا و«باتون» لفرانكلين شافنر و«رايات آبائنا» و«رسائل من إيوا جيما» لكلينت إيستوود وأفضل من بعضها. ضعه في مقابل فيلم ديفيد لين «جسر نهر كواي» فإذا بالنتيجة - رغم اختلافات بعضها زمني - تؤكد أنّ ما في بال نولان هو تحقيق فيلم يماثل الحقيقة من بابها الخيالي الواسع. أمر من الصعب إنجازه بسبب مطبّات التنفيذ التي تتطلب دراية وخيالاً واسعاً.

الكابتن الجبان
قبل اليوم، تجنّبت هوليوود تقديم فيلم عن موقعة دنكيرك بسبب كونها هزيمة وليست انتصاراً للحلفاء. أو ربما لأنّها واجهت مسألة الاشتغال على حشد من أكثر من 300 ألف جندي تجمّعوا بانتظار قيام السفن الحربية البريطانية بإنقاذهم بينما تقوم الطائرات الألمانية بغاراتها القاتلة على الحشود والسفن على حد سواء، فعل ضخم غير مأمون النتائج. الغالب أيضاً أن تلك المعركة (إذا صح تسميتها بمعركة) وقعت قبل دخول الولايات المتحدة الحرب مما يحيل البطولة (إذا ما وُجدت) لجنود غير أميركيين.
السينما البريطانية هي التي عوّضت هذا الغياب بفيلم واحد وبمسلسل تلفزيوني واحد أيضاً. الفيلم بعنوان «دنكيرك» للراحل لسلي نورمان الذي أنتجه استوديو إيلينغ البريطاني، ليسرد من خلاله أحداث الواقِعة وبعض ما يمكن إضافته لها من بطولة فردية. ليس فيلماً رديئاً بل هو أعلى من المتوسط بالتأكيد، لكنّه بحث عن البطولات العسكرية والفردية ليمنح هزيمة دنكيرك تعويضاً تؤكده العبارات الأخيرة التي نسمعها حول خسارة جولة وليس خسارة الحرب.
البطولات كانت، ولا تزال في موضع القلب في كثير من أفلام الحرب وآخرها، قبل «دنكيرك» الجديد، فيلم مل غيبسون «هاكسو ريدج». هناك هي بطولة إنسانية محضة لمجند رفض أن يحمل البندقية واستبدلها بحمل الجنود الأميركيين المصابين للأمان في موقعة أخرى من تلك التي خسر فيها الغرب (الولايات المتحدة) أمام العدو (اليابان في الجبهة الآسيوية).
البطل لا بد منه في كثير من الأفلام الحربية لأنه فيها، كما في سواها، تشخيص ميثيولوجي لما ترمز إليه البطولة. في سينما الأمس حتى مطلع الستينات، كان هذا البطل، في الغالب، هو ما تتمسك الأفلام به على الدوام، حتى عندما تطرح جانباً انتقادياً لها أو لبعض من يشترك فيها كما في «هجوم» لروبرت ألدريتش (1956)، حيث يواجه جاك بالانس قائده المباشر كابتن كوني (إيدي ألبرت) الذي منعه الجبن من إنقاذه ورجاله وحاول التستر على ذلك بعلاقاته السياسية (تمثلت في مشهد يجمعه ولي مارفن).
ذلك الفيلم هو من نوع «حدث ذات حرب». ذلك النوع الذي ينفرد بعيداً عن الإشادة المطلقة بها (طريقة أفلام جون واين وأودي مورفي) ليتناول، خيالياً أو عن واقعة حقيقية، حدث لا علاقة له بتلميع صورة الحرب ولا بتقديم البطولة على نحو يلبي رغبة البعض في الشعور بالانتصار مضاعفاً أو تبريره.
طبعاً هذا النوع من الأفلام البطولية ساد تلك الحقبة من قبل أن تغير الحرب الفيتنامية من المنظور الذي تتعامل به هوليوود مع الحرب، مستندة إلى بداية شعور شعبي جامح برفض تلك الحرب وبرفض هزيمتها في الوقت ذاته.

الحروب بأحجامها
ساهمت الحروب الحديثة الأخرى في تعزيز حالة التخلي عن الصورة البطولية التقليدية (وإن ليس عن صورة البطل) وهذا تبلور أكثر من أي وقت مضى في الطريقة التي قررت فيها هوليوود معالجة الحرب العراقية. فالغالب من هذه الأفلام كانت إما انتقادية لها (كما في فيلم برايان دي بالما «صياغة») أو عن تداعياتها الداخلية من خلال عودة الجنود من رحى الحرب مدمّرين كما في Stop - Loss لكيمبرلي بيرس و«وطن الأبطال» لإروين وينكلر مع ملاحظة كيف أن لكل من هذين الفيلمين طريقته التي تتناقض مع الآخر في طرحه لمفهوم البطولة. الأمر ذاته مع الفيلم الأكثر إثارة للجدل وهو «قناص أميركي» لكلينت إيستوود الذي بالنسبة للغالبية فيلم بطولة وللقلة فيلم ضد البطولة إذ تؤدي بصاحبها إلى عنف مزمن.
في مطلق الأحوال فإن السينما تعود إلى منوال الحرب في صورة مجسّمة وكبيرة تعتقد أنّها المؤهلة وحدها لتجسيد تلك الحرب وما يتخللها.
هذا هو منوال «سفر الرؤيا الآن» لكوبولا (1979) و«الخيط الأحمر الرفيع» لترنس مالك و«إنقاذ المجنّد رايان» لستيفن كينغ (كلاهما في نهاية 1998 ومطلع 1999). كل منها أحدث هزّة في ثابت ما، خصوصاً عندما انطلقت في وقت كانت فيه السينما الحربية تموضعت في نطاق يقع خارج الحرب العالمية (فيلم كوبولا) أو جاء بعد ما تم ردم أفلام الحرب العالمية الثانية واعتبارها من سينما الأمس (فيلما مالك وسبيلبرغ).
ولا يمكن لها، ولا لفيلم كريستوفر نولان، تجسيدها على نحو يشابه كلاسيكيات السينما الحربية الموقعة بأسماء ديفيد لين أو ريتشارد أتنبورغ أو بوندارتشوك إلا بالعودة إلى إحدى الحربين: الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية. أما ما تبع (وباستثناء «سفر الرؤيا») فإن حجم الفيلم مرتبط بحجم الحرب الدائرة إقليمياً: فييتنام، بوسنيا، أفغانستان، العراق خصوصاً وأن الفيلم الحربي لم يعد مرتبطاً بصياغة بطولية خالصة نظراً لأن مفهوم البطولة تغيّر من عقد لآخر تماماً كما تغيرت تقنيات خوضها حيث باتت تُدار بالأزرار من مواقع آمنة عوض التضحية بمئات ألوف الجنود كما كان الحال في زمن مضى.



«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز