العماد جوزيف عون... ضابط لبناني بمهام كثيرة

الجيش تحت قيادته يخوض مواجهة ضد الإرهاب

العماد جوزيف عون... ضابط لبناني بمهام كثيرة
TT

العماد جوزيف عون... ضابط لبناني بمهام كثيرة

العماد جوزيف عون... ضابط لبناني بمهام كثيرة

لا تعديلات جوهرية على مهام قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون، قبل التعيين وبعده. فالعماد عون الذي اختبر القتال في شرق لبنان حفاظاً على الاستقرار في البلاد، ومنع تسرب عناصر التنظيمات المتطرفة من جرود المنطقة الشرقية الحدودية مع سوريا إلى الداخل اللبناني، حين كان قائداً للواء التاسع وجبهة عرسال، يختبر المهمة نفسها الآن وهو في منصب قيادة الجيش. وتُضاف إلى مهمته هذه تحديات أخرى، أهمها حماية الاستقرار اللبناني في الداخل، وحماية الأمن على الحدود الجنوبية والشرقية. تلك التحديات حددت معايير اختياره، في مارس (آذار) الماضي، قائداً للجيش اللبناني خلفاً لقائد الجيش السابق العماد جان قهوجي. فالسيرة الذاتية للعماد عون أسهمت إلى حد كبير بتعيينه في الموقع، بوصفه ضابطاً مناسباً للمرحلة الحالية. فإلى جانب تاريخه العسكري، وتحصيله الأكاديمي والدراسات العسكرية العليا، شارك عون في برنامج مكافحة الإرهاب الدولي في الولايات المتحدة الأميركية لمدة عام تقريباً في عام 2008، إلى جانب المشاركة في ورشة عمل حول المخابرات ومكافحة الإرهاب في عام 2013. ومعرفته بأصول «إدارة الأزمات»، بحسب ما جاء في سيرته الذاتية.
يخوض لبنان في هذه المرحلة «حرباً ضد الإرهاب» على حدوده الشرقية الحدودية مع سوريا، حيث ينتشر الجيش على مساحات شاسعة قبالة التلال والجرود الحدودية مع القلمون الغربي السوري، حيث توجد عناصر متشددة تابعة لتنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة». كما يكثّف الجيش عملياته الأمنية والعسكرية في الداخل، بهدف ملاحقة المشتبه بهم من أتباع التنظيمات المتطرفة، وتفكيك الخلايا النائمة، وملاحقة ما يُعرف بـ«الذئاب المنفردة» التابعة على وجه الخصوص إلى تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتشددة. وقد أنجزت مخابرات الجيش، إلى جانب القوى الأمنية الأخرى، عدة مهام «استباقية» أفضت إلى توقيف عدد من المتورطين أو المشتبه في تورطهم في الإرهاب، وإحالتهم إلى القضاء المختص.

قائد ميداني متمكّن
قبل تعيين العماد عون في موقع قيادة الجيش في مارس الماضي، وهو القائد الـ14 للجيش منذ الاستقلال، برز اسمه قائدا ميدانيا خبيرا. فقد انتقل في السابق من قيادة اللواء التاسع الذي كان منتشراً عند الحدود الجنوبية بمواجهة القوات الإسرائيلية، إلى الحدود الشرقية الشمالية التي تعتبر «إحدى معابر الإرهاب» إلى الداخل اللبناني، حيث «برز اسمه قائداً ميدانياً متمكّناً من احتواء الوضع الأمني والاجتماعي في منطقة تعيش توتراً نتيجة وجود عدد كبير من المخيمات السورية التي تؤوي أكثر من مائة ألف نازح»، بحسب ما تقول مصادر مواكبة لظروف تعيينه. وتضيف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «على الحدود الشرقية، عمل العماد جوزيف عون على تحصين المراكز العسكرية خصوصاً الأمامية رافعاً من معنويات جنوده حين كان قائداً للواء التاسع... وبعد انتقاله إلى اليرزة، مقر القيادة العسكرية، حمل معه صورة منطقة عرسال ووضعها، فأعلن مراراً أن «الجيش بأعلى جاهزية للدفاع عن كل حبة تراب من أرض الوطن وتوفير الأمن والاستقرار للمواطنين، وقطع كل يد تحاول العبث بالأمن». وأطلق عون مفهوم العمليات الاستباقية التي من شأنها القضاء على الإرهاب قبل تمدّده، ونجح في عدّة عمليات نفّذتها الوحدات الخاصة بعد رصد ومتابعة وملاحقة استخباراتية أدّت إلى توقيف عدد من المطلوبين الخطرين والقضاء على عدد آخر».

ثقة أميركية
استكمل العماد عون المهام السابقة لجهة التنسيق مع المجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب، وعمل على تعزيز قدرات الجيش من خلال التواصل المباشر مع القيادة العسكرية الأميركية. فبعد نحو شهرين على تعيينه قائداً للجيش، زار الولايات المتحدة حيث التقى مسؤولين عسكريين وسياسيين، بهدف تعزيز قدرات الجيش.
ويقول متابعون لحركته الخارجية لـ«الشرق الأوسط»، إن العماد عون «يحظى بثقة الجهات الخارجية وخصوصاً الأميركية، فهو تابع دورات عدّة في الولايات المتحدة، بينها دورات مكافحة الإرهاب ودورات عسكرية. وساهمت خبرته العسكرية والميدانية في اكتسابه ثقة كبيرة، خصوصاً أثناء تولّيه جبهة عرسال والتقدّم النوعي الذي أحرزه الجيش في تلك المنطقة في محاربة الإرهاب. وبعد تسلّمه قيادة الجيش، توطّدت علاقته بالأميركيين وظهر ذلك جلياً من خلال الزيارات الدورية التي يقوم بها مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون لمقر القيادة، إضافة إلى جبهة عرسال، التي تحمل رسائل دعم قوية للجيش. ويردد عدد منهم في أكثر من مناسبة أن الجيش اللبناني هو شريكهم في مكافحة الإرهاب، وهو الذي يوفّر الأمن والاستقرار في بلد يعيش ضمن محيط متفجّر، لذا فإن مخازن السلاح مفتوحة للجيش حين تدعو الحاجة».
وتضيف المصادر أنه «انطلاقاً من هذه المعطيات، أتت الزيارة الأولى للعماد عون إلى أميركا بعيد تسلّمه مهماته للمشاركة في مؤتمر عن مكافحة الإرهاب الذي كان له على هامشه لقاءات كثيرة مع مسؤولين عسكريين وسياسيين أكّدوا له جميعاً حرصهم على أمن لبنان واستقراره وأن الجيش هو الضامن لذلك». وتتابع المصادر ذاتها: «حظي عون بحفاوة استقبال تعمّد الأميركيون إظهارها للتأكيد على الاحترام والثقة في شخصه وموقعه».
ويؤكد المتابعون لهذه الزيارة أن «نتائجها العملية ستُترجم قريباً بحجم المساعدات العسكرية الأميركية للجيش التي ستشمل مركبات البرادلي وطائرات السوبرتوكانو وغيرها... واستتباعاً لذلك، ستكون للعماد عون زيارة أخرى للولايات المتحدة بدعوة رسمية من السلطات العسكرية الأميركية، علما بأن عون هو قائد الجيش الوحيد المدعو لهذه الزيارة. وسيتابع عون خلال زيارته المساعدات العسكرية الأميركية».

ضابط صلب
وعون الذي بدأ حياته في السلك العسكري في ام 1983، حين انتسب إلى المدرسة الحربية، راكم خبرات مهنية ورصيداً إنسانياً وشخصياً في صفوف العسكريين. ويؤكد أحد عارفيه عن قرب لـ«الشرق الأوسط» أن عون، على الصعيد المهني «ضابط صلب»، و«يقارب المبادئ الوطنية بصلابة»، في وقت يبدو «صديقاً شخصياً للعسكريين الذين يعملون تحت إمرته». ويضيف: «في سنوات خدمته الأخيرة قبل تعيينه قائداً للجيش، كان يقضي معظم أوقات فراغه مع العسكريين، يحادثهم، ويطلع على احتياجاتهم، ولا يُشعرهم بأنه ضابط آمر عليهم»، لافتاً إلى أن تلك الميزة «اكتسبها منذ سنوات طويلة، وكسب على إثرها محبة العسكريين والضباط الذين عمل معهم». ويوضح: «منذ كان في موقع قائد كتيبة، كان يزور القطع العسكرية التابعة لكتيبته صباح كل يوم قبل وصوله إلى مكتبه، بهدف بناء تواصل مع جميع العسكريين، وتعزيز الثقة مع الجميع، والوقوف على احتياجاتهم».
وتنقل العماد عون بين عدة مواقع قيادية في فوج المغاوير وألوية المشاة، مروراً بمديرية التعليم رئيسا لقسم المراجع ومراقبة التدريب في عام 2012، وصولاً إلى قيادة اللواء التاسع ثم قيادة الجيش. وفي الوقت عينه، واظب العماد عون على حيازة الشهادات الجامعية، فنال إجازة في العلوم السياسية - اختصاص شؤون دولية، وإجازة جامعية في العلوم العسكرية، إلى جانب اكتساب لغات بينها الفرنسية والإنجليزية والإسبانية.

حركة تفقدية دائمة
لم يتوقف قائد الجيش الآن عما اعتاد ممارسته في فترة ما قبل وصوله للقيادة. وغالباً ما تصدر أخبار عن جولات تفقدية للنقاط الساخنة التي ينتشر فيها الجيش، وكان آخرها تفقده القوى العسكرية المنتشرة في منطقة الطفيل ومحيطها في جرود بعلبك (عند الحدود اللبنانية - السورية) قبل أيام، حيث أكد أن الجيش «اتخذ جميع التدابير الميدانية، لحماية البلدات والقرى الحدودية، وتأمين سلامة أهلها من أي خرق إرهابي». وأعلن أن «الجيش سيحمي لبنان مهما كلّفه من تضحيات، ولن يصغي للأصوات التي تحاول التشويش على أدائه». ولفت إلى أنّ «الجيش الذي استطاع أن يحمي لبنان في أصعب الظروف التي مرّ بها، سيحميه حاضراً ومستقبلاً مهما كلّفه ذلك من أثمان وتضحيات، ولن يصغي إلى ضجيج بعض الأصوات المغرضة التي تعلو بين الحين والآخر، للتشويش على أداء واجبه المقدّس في الدفاع عن الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره».

خطط تطوير المؤسسة العسكرية
فيما تعتبر حركته الخارجية جزءاً من تطلعاته لتعزيز قدرات الجيش ورفده بالدعم العسكري النوعي، يقول المطلعون أنفسهم على حركته إن تطوير المؤسسة العسكرية «يحتل أعلى سلم أولويات عون الذي وضع نصب عينيه منذ تسلّمه مهامه توفير كل الدعم اللوجيستي والعسكري لعناصر الجيش وتطوير قدراتها في ظل التحديات الكثيرة التي يواجهها الجيش وفي مقدمها الإرهاب الذي يتصدّى له بجاهزية عالية ومتابعة استخباراتية مزوّداً بغطاء سياسي ودعم شعبي».
ويتحدث هؤلاء عن أن «للقيادة خططاً كثيرة بعضها انطلق والبعض الآخر في إطار التحضير، وبينها إنشاء أفواج جديدة لضبط الوضع عند الحدود الشرقية والجنوبية لأن الخطر الذي يواجهه لبنان هو من الحدود البرية».

مرحلة مصيرية وسط التحديات
ويجمع عارفون بطبيعة مهام الجيش اللبناني في هذا الوقت، على أن العماد عون «يقود الجيش في مرحلة مصيرية بالنسبة إلى حجم التحديات في المنطقة». ويشرح الباحث الاستراتيجي الدكتور محمد رمال طبيعة تلك التحولات في المنطقة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «تحولات كبرى جيوسياسية في كثير من المناطق حولنا، فضلاً عن التحركات الجغرافية في العراق وسوريا، ما يعني أن المنطقة بأكملها أمام استحقاقات... لبنان غير منفصل عما يدور في المنطقة والعالم؛ نظراً إلى أن الإرهاب لم يعد خطراً قطرياً ومحلياً فقط».
ويسلط الضوء رمال على مهام الجيش اللبناني التي بدأت بمواجهة الإرهاب منذ ما قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول) الأميركية، والاعتداءات الإرهابية الأخرى في دول غربية، قائلاً: «الجيش اللبناني تلمّس الخطر وواجهه، وكانت له تجربة مريرة مع الإرهاب منذ المواجهات في الضنية (شمال لبنان) عام 2000 ضد المجموعة التي أطلقت على نفسها اسم (التكفير والهجرة) وظهرت بعدها بأسماء وأشكال وعقائد مختلفة، ولم تعد هناك أي دولة بمنأى عن الإرهاب مهما كانت إمكاناتها العسكرية والأمنية». ولفت إلى أن لبنان «جزء من المنظومة التي تحارب الإرهاب، والجيش اللبناني بقيادة العماد عون جزء من هذه المنظمة التي تتعاطى في مرحلة دقيقة مع التحولات العالمية».

عناصر قوة
وعلى الرغم من التحديات المفتوحة على الإرهاب والمواجهات المستمرة، فإن عنصر ثقة محليا بالجيش يمده في هذه الظروف بالقوة. يقول رمال: «العماد عون يقود الجيش في هذا الوقت وسط إجماع شعبي لبناني حول دور الجيش، وهذه الفترة واحدة من المراحل الذهبية للالتفاف حول الجيش تفرضها المرحلة السياسية الحالية». ويشرح: «كل المكونات السياسية موجودة (حالياً) في الحكم الذي يعالج الاستحقاقات السياسية المتراكمة منذ سنوات»، مشيراً إلى أن الجيش «موجود الآن في هذه البيئة الحاضنة ويلقى إجماعاً لبنانياً على دوره».
عناصر قوة الجيش وتماسك الوضع الأمني في هذه المرحلة، تنسحب على «التنسيق غير المسبوق بين الأجهزة كافة، حيث يجري تبادل للمعلومات وتنسيق بطريقة لم نكن نشهدها في السابق، وهو تنسيق يتم بشكل دقيق وفعال ومنتج ومفيد»، بحسب ما يقول رمال، الذي يشير أيضاً إلى عنصر قوة آخر يتمثل في «الدعم الدولي والإقليمي الذي لم ينقطع». ويقول: «هناك إشادة دولية بالجيش وثقة بدوره في محاربة الإرهاب، وبقدراته على تنفيذ العمليات النوعية، وكان آخرها في عرسال».
ورغم الجدل الذي أثارته عملية عرسال، فإن رمال يؤكد أن «مجموعة من الجيش تدخل إلى أحد المخيمات وتواجه خمسة انتحاريين يفجرون أنفسهم، ولا يصاب أي مدني سوري برصاص الجيش، فيما يُصاب عسكريون نتيجة التفجيرات الانتحارية، فهذا إنجاز بحق ذاته»، لافتاً إلى أن ضخامة العملية وحجم الموقوفين وغياب الإصابات برصاص الجيش «كل ذلك يشير إلى احترافية ينظر إليها المجتمع الدولي نظرة ثقة، وهو ما دفعه إلى تقديم تهان للجيش على العملية».

مديرية القانون الدولي الإنساني
غير أنه، إثر العملية في عرسال، أعلن الجيش عن وفاة أربعة موقوفين بسبب مضاعفات صحية قبل التحقيق معهم، وهو ما أثار موجة اعتراضات محلية ودولية، ومطالبة بإجراء تحقيق شفاف بالقضية. واستجاب الجيش فوراً لهذه المطالبة كما يبدو، إذ كلّف مديرية القانون الدولي الإنساني بالتحقيق في ملابسات القضية ووفاة الموقوفين، ويُتوقع أن تصدر المديرية تقريرها قريباً.
ويشير رمال إلى أن هذه المديرية موجودة في الجيش منذ ما قبل وصول العماد عون إلى القيادة، و«تنسق مع المنظمات الحقوقية الدولية والإنسانية حينما ينفذ الجيش أي عملية توقيف، وتشرف على مراعاة حقوق الإنسان ومراعاة الأصول المعترف بها دولياً، وتم استحداثها قبل الأزمة السورية وتدفق اللاجئين، وتتابع المهمات المتعلقة بالقضايا الإنسانية». وأوضح أن مهمة هذه المديرية «ضبط أداء العسكريين على الأرض، وتعتبر من مصادر الثقة والاحترام والتقدير الذي يكنّه المجتمع الدولي للبنان والجيش».
أُنشئت المديرية في الواقع عام 2009، وهي ترتبط بأركان الجيش. وتوضح مديرية التوجيه في الجيش في منشور على موقعها الإلكتروني أنه من أبرز مهمات هذه المديرية «مراقبة إدماج ما وقّعت أو صادقت عليه الدولة اللبنانية من اتفاقات تخصّ القانون الدولي الإنساني ضمن القوانين والأنظمة العسكرية»، و«نشر القانون الدولي الإنساني في الجيش وتقديم المشورة للوحدات العسكرية من أجل تطبيقه»، و«التنسيق مع مديرية العمليات لجهة لحظ القانون الدولي الإنساني ومبادئه في أوامر العمليات»، و«البقاء على اطلاع بكل ما توقّعه الدولة اللبنانية من معاهدات واتفاقات تختصّ بالقانون الدولي الإنساني وبقانون حقوق الإنسان»، و«بحظر أو بتقييد أو باستعمال بعض أنواع الأسلحة أو أي سلوك آخر في أرض المعركة، من أجل مواءمة الأنظمة العسكرية مع هذه المعاهدات والاتفاقيات».

السيرة الذاتية
جاء في نبذة عن السيرة الذاتية للعماد جوزيف عون وزعتها قيادة الجيش ما يأتي:

«تاريخ ومكان الولادة: 10 – 01 - 1964 - سن الفيل - قضاء المتن».
اللغات التي يتقنها: فرنسية - إنجليزية

الشهادات:
- إجازة في العلوم السياسية: اختصاص شؤون دولية
- إجازة جامعية في العلوم العسكرية
الوضع العائلي: متأهل من نعمت نعمة ولديهما ولدان خليل ونور

ترقياته:
تطوع في الجيش بصفة تلميذ ضابط وألحق في الكلية الحربية ابتداء من 19 – 5 - 1983
رقي إلى رتبة ملازم ابتداء من 6 – 5 - 1985
رقي إلى رتبة ملازم أول ابتداء من 1 - 7 - 1988
رقي إلى رتبة نقيب ابتداء من 1 - 1 - 1993
رقي إلى رتبة رائد ابتداء من 1 – 1 - 1998
رقي إلى رتبة مقدم ابتداء من 1 – 1 - 2003
رقي إلى رتبة عقيد ركن ابتداء من 1 - 7 - 2007
رقي إلى رتبة عميد ركن ابتداء من 1- 7 - 2013
رقي لرتبة عماد، وعين قائداً للجيش بتاريخ 8 – 3 -2017.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.