الجامعات... عزلتها والثقافة الغائبة

حالة قائمة في كثير من البلاد العربية وربما غير العربية أيضاً

الجامعات... عزلتها والثقافة الغائبة
TT

الجامعات... عزلتها والثقافة الغائبة

الجامعات... عزلتها والثقافة الغائبة

في هذا العام، 2017، تبلغ أقدم الجامعات السعودية، وهي جامعة الملك سعود، 60 عاماً، وهو في حقيقة الأمر سن طفولة مبكرة، قياساً إلى بعض جامعات العالم، الأوروبي بشكل خاص، لكنه سن نضج، وربما كهولة، قياساً إلى عمر المجتمع السعودي الذي لا يزال يعيش مرحلة تنموية، شأنه شأن غيره من المجتمعات العربية والشرق أوسطية، بل ومعظم مجتمعات ما يعرف بالعالم النامي في آسيا وأفريقيا بشكل خاص.
ويعرف السعوديون، أو بعضهم، أن جامعة الملك سعود، التي تخرجت منها أجيال أسهمت - ولا تزال تسهم - في بناء الوطن، تأسست على تخوم الصحراء، في بلدة صارت فيما بعد واحدة من أكبر مدن المنطقة، هي الرياض التي لم يكن بعض سكانها عام 1957 يعرف الفرق بين الجامع والجامعة، بل ربما رأى أن كلمة «جامعة» مغالطة لغوية لأنها اسم مؤنث للجامع الذي لا يجوز تأنيثه. أما اليوم، وقد تضاعف عدد الجامعات في الرياض وحدها ليقارب العشر، إلى جانب الكليات الجامعية، وبلغ طلاب وطالبات الجامعات فيها، وفي المملكة ككل، ما قد يتجاوز النصف مليون طالب وطالبة، فإن الحديث عن الجامعات، لا سيما جامعة تعد أعرق الجامعات السعودية، من الزاوية التي أشرت إليها سيبدو غريباً.
سيبدو غريباً أن أقول إن الثقافة، بمعنى النشاط الفكري والإبداعي المجتمعي، غائبة عن الجامعة، أو إنها لم تعد من همومها أو جزءاً من نشاطها وعلاقتها بالمجتمع. هو وضع غريب لأن الجامعات تضم عدداً ضخماً من أصحاب العقول والخبرات والقدرات العلمية المتنوعة، بما يستطيع أن يكون رافداً ضخماً للحياة الثقافية في أي مجتمع، ناهيك بمجتمع نامٍ يحتاج إلى كل الروافد الممكنة لكي يستطيع أن يحقق كوامنه الخلاقة، ونهوضه المأمول.
الجامعات السعودية بشكل عام تقوم بدور حيوي في المجال التربوي والمهني، لكن يؤخذ عليها أنه ليس لها حالياً حضور يذكر في الحياة الثقافية الاجتماعية، وأنا أتحدث عن الجامعة بوصفها مؤسسة وليس عن منسوبيها بوصفهم أفراداً لهم إسهاماتهم الفردية: الجامعات لا تكاد تقدم المحاضرات العامة، ولا الندوات المفتوحة لعموم الراغبين في الحضور والمشاركة. هي جامعات لا تستضيف علماء أو مفكرين أو مثقفين يمكن للجمهور أن يتفاعل معهم ويستفيد، هي جامعات في عزلة، لم يعد لها من العمل سوى التعليم وتطوير القدرات المهنية في الطب والهندسة وما إليهما، إلى جانب إجراء الأبحاث ذات التوجه الذي يخدم إما السوق التجاري وإما حاجة أعضاء هيئات التدريس للترقية العلمية.
قلت إننا أمام وضع غريب، لكني أعود فأقول إنه في حقيقة الأمر ليس بالوضع الغريب تماماً؛ عزلة الجامعات السعودية فيما يبدو ليست بالغريبة؛ ليست حالة استثنائية. ذلك أن القطيعة بين الجامعات والحياة الفكرية والثقافية من حولها قائمة في كثير من البلاد العربية، وربما غير العربية أيضاً. أذكر أنني حضرت ندوة علمية في كلية الآداب بجامعة القاهرة قبل سنوات، وفوجئت أن الدخول للجامعة محصور في منسوبي الجامعة من أعضاء هيئة التدريس والطلاب والموظفين، يدخلون بالبطاقة التي تثبت ذلك، ولولا وساطة أحد الزملاء المصريين الذي أخبر البواب أنني مشارك في مؤتمر لما دخلت. وقد يكون هذا الوضع سارياً في جامعات عربية أخرى، لكن العزلة ليست دائماً على هذا النحو الملموس الواضح. قد يدخل المرء إلى كل مباني الجامعات دون قيد أو شرط، وهذا هو الحاصل في الجامعات السعودية، في جامعة الملك سعود هو كذلك بالتأكيد، لكن العزلة التي أشير إليها تتجاوز المادي والمحسوس إلى اللامحسوس، إلى المعنوي والأكثر تأثيراً.
في تسعينات القرن الماضي، التي شهدت نقلة نوعية في العالم أجمع، ببدء ما يعرف بالعولمة وعواملها الانفتاحية الكثيرة (الفضائيات، والإنترنت، الخ)، شهدت السعودية، إلى جانب كل ذلك، نقلة «غير نوعية» تمثلت بما يعرف بالصحوة الدينية التي كانت وراء عدد من الخطوات التراجعية في التعليم في المملكة بشكل عام، والجامعي منه بطبيعة الحال. وسأعطي مثالاً واحداً على ذلك: بعد عودتي من البعثة أواسط الثمانينات الميلادية، للعمل عضو هيئة تدريس، طلب مني تقديم دروس لطالبات الدراسات العليا في تخصصي، آداب اللغة الإنجليزية، ووجدت أن التدريس يحدث كما يحدث في كل مكان، أي في قاعة الدرس. الطالبات في القاعة والأستاذ في القاعة معهن. الفصل الوحيد كان بين الطلاب والطالبات، لكن مجرد وجود رجل بين عدد من الإناث كان على الرغم من كونه عادياً وطبيعياً في كل مكان في العالم يعد خطوة ثورية في مجتمع كالمجتمع السعودي (النجدي بشكل خاص). ومع ذلك، فإن الوضع الذي كان جارياً منذ تأسست الدراسات العليا في مطلع السبعينات توقف فجأة في التسعينات مع اشتداد موجة التشدد الديني. طُلب مني، كما من غيري من الأساتذة عندئذٍ، التوقف عن الذهاب لمبنى الطالبات، والاكتفاء بالتدريس من خلال شبكة تلفزيونية، تراني فيها الطالبات ولا أراهن.
في تلك الفترة أيضاً، احتلت النشاط الثقافي في الجامعات المختلفة فئة من المتشددين الذين منعوا النشاط الطلابي، إلا ما كان ذا طابع ديني تلقيني، فقصروا ذلك النشاط على الوعظ والإرشاد، وسيطروا بمقتضى ذلك على الكشافة والمعسكرات، ولربما أسهموا بصنيعهم في دعم ما اشتكت منه البلاد كلها باسم الإرهاب. ذلك التمكن من النشاط الثقافي والإبداعي جعل من غير الممكن دعوة أحد إلى الجامعة، أو السماح لأحد بالمشاركة، إن لم يكن كثيف اللحية أو قصير الثوب وظاهر التدين، وكان القيد أشد ما يكون على من «يتهم» بالعلمانية أو الليبرالية أو الحداثة، تلك التابوهات التي روعوا بها المجتمع. لكن بعيداً عن تلك الموجة من التشدد، كانت القيود قد انتشرت على كل نشاط ثقافي عام. أذكر أنني في تلك الفترة عملت مشرفاً على النشاط الثقافي في كلية الآداب. وبما أنني كنت ناشطاً في الحركة الأدبية في المملكة المعروفة بحركة الحداثة، فقد أردت دعوة شاعر سعودي من خارج الجامعة، فقيل لي: «على رسلك؛ الأمر يتطلب موافقات كثيرة تتجاوز مدير الجامعة نفسه». وهكذا، بدأت الصورة تتضح تدريجياً أن الجامعة لم تعد تلك التي خبرتها حين كنت طالباً فيها، حين كانت الندوات والمؤتمرات تقام ويحضرها كل الراغبين، وحين كانت الأمسيات الثقافية والأدبية يحييها أهم شعراء الحداثة وكتابها في السبعينات والثمانينات. دخلت الجامعات في بيات شتوي ثقافي طويل.
ذلك البيات، أو تلك العزلة، بدأت تنحسر الآن لكن ببطء شديد، فما زال كثير من القيود قائماً، وإن كان بعضها ناتجاً عن التعود لا عن الفرض. اعتاد الجميع على ألا يأتي أحد من خارج الجامعة - وأنا أتحدث عن الجامعات السعودية بصفة عامة، وليس جامعة بعينها - وألا تقام ندوات عامة أو محاضرات لمفكرين سعوديين أو عرب من خارج الجامعة، ويحضرها الأساتذة والطلاب (هناك بالطبع حالات استثنائية لا يقاس عليها). وقد زاد من تلك العزلة أن الجامعات السعودية بشكل عام سيطر عليها ما يعرف باقتصاد السوق، فصارت تبرمج نفسها لتكون مصنعاً للتقنيين والمهندسين، وخبراء الحاسب والعاملين في المجالات الطبية، وغير ذلك مما تنفتح له أبواب الوظائف، ويقبل عليه الطلاب. صحيح أنها لم تهمل العلوم الإنسانية «غير المجدية مادياً»، لكنها فعلت ما هو أسوأ: أرسلت معظم الطلاب الضعاف الذين تضطر لقبولهم لكي يدرسوا علوم الإنسان التي تعد قليلة الأهمية في العرف المعاصر، فالعلوم التي تتخصص في الطبيعة أو الآلة في ذلك العرف العجيب أهم من تلك التي تتخصص في الإنسان، في جوانب حياته الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.
ويمكننا أن نتخيل الناتج عن ذلك: ضعف المخرجات نتيجة لضعف المدخلات، حسب التعبير السائد في لغة السوق الحالية. إذا أرسلت أضعف الطلاب لدراسة التاريخ أو القانون أو علم النفس أو اللغات، فستنتج مجتمعاً لا يكاد يفقه شيئاً في أمور بالغة الحيوية والأهمية. إنها دورة جهنمية على الجامعات أن توقف دورانها بسياسات تعليمية وبحثية تضعها بمقتضى دورها القيادي المفترض، لا بمقتضى احتياجات السوق ومتطلبات الوظيفة فحسب. كما أن المطلوب هو فتح الأبواب مرة أخرى لتتنفس الجامعات هواء الفكر والثقافة العامة، أو غير المتخصصة، وتشارك المجتمع قضاياه وهمومه، لتشارك من ثم في بناء ذلك وتعزيزه.



مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.


حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.