الرئيس الفرنسي يعرض خطته لإصلاح المؤسسات

ماكرون يعلن رفع حالة الطوارئ في الخريف المقبل

ماكرون يلقي كلمة أمام المشرعين في قصر فرساي أمس (إ.ب.أ)
ماكرون يلقي كلمة أمام المشرعين في قصر فرساي أمس (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي يعرض خطته لإصلاح المؤسسات

ماكرون يلقي كلمة أمام المشرعين في قصر فرساي أمس (إ.ب.أ)
ماكرون يلقي كلمة أمام المشرعين في قصر فرساي أمس (إ.ب.أ)

للمرة الثانية منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، عاد إيمانويل ماكرون إلى قصر فرساي التاريخي، الذي كان لقرون حتى الثورة الفرنسية مقراً للسلطة الملكية في فرنسا. في المرة الأولى، اختار ماكرون قصر فرساي لاستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأمس لإلقاء خطاب «تأسيسي» أمام مجلس الشيوخ والنواب مجتمعين، وذلك قبل يوم واحد من خطاب الثقة الذي سيلقيه اليوم رئيس الحكومة إدوار فيليب في الجمعية الوطنية لنيل ثقة مجلس النواب. واعتبر سياسيون ومحللون أن ماكرون «سرق» الأضواء، وحوّل رئيس الحكومة إلى «منفذ بسيط» للسياسة التي يقررها ويرسمها.
وخرجت صحف أمس بعناوين ذهبت كلها في الاتجاه نفسه. فصحيفة «لوموند» المستقلة اعتبرت أن ماكرون «يرسي سلطة بلا منازع»، فيما عنونت صحيفة «لو فيغارو» اليمينية «ماكرون وموعد فرساي». ومن جانبها، شدّدت صحيفة «ليبراسيون» اليسارية على ما تراه من نزعة أحادية لسلطة ماكرون، الذي وصفته بـ«الملك من غير منازع»، أي صاحب السلطة المطلقة، لكونه سيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية، فضلاً عن «سلطويته» في التعاطي مع السلطة الرابعة، أي الإعلام.
خطاب من تسعين دقيقة ألقاه الرئيس الشاب أمام 854 عضواً في مجلس النواب والشيوخ، فيما قاطعه نحو خمسين رفضوا «الرضوخ» لمطلبه، معتبرين أن دعوة المجلسين إلى فرساي «لا معنى لها».
وكان أشد المنتقدين جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق ورئيس حركة «فرنسا المتمردة»، الذي رأى في ذلك انتقالاً إلى نظام «الملكية الرئاسية». ودعا النواب الشيوعيون إلى التظاهر في مدخل القصر، فيما دعت حركة ميلونشون إلى التظاهر في باريس. وكان الناطق باسم الحكومة كريستوف كاستانير قد قارن بين خطاب ماكرون وخطاب «حالة الاتحاد» السنوي الذي يلقيه الرئيس الأميركي، مما دفع عدداً من المعلقين إلى الحديث عن «أمركة» النظام الفرنسي، وعن رغبة ماكرون في التشبه بباراك أوباما وجون كينيدي.
بيد أن هذه الانتقادات لا يبدو أنها تؤثر على أداء ماكرون، الذي اتسم خطابه في كثير من الأحيان بالمثالية والبلاغة والتركيز على قيم فرنسا ودورها في أوروبا والعالم. واستفاد الرئيس الجديد منه ليبرز فلسفة عهده، و«التحولات العميقة» التي يريد إدخالها على المجتمع الفرنسي. كما تحدّث في نهاية خطابه عن «الثورة» التي يود أن يكون بطلها، مستعيداً بذلك عنوان كتاب أصدره قبل الحملة الانتخابية. والعلامة الدامغة على كلمة الرئيس الفرنسي رغبته في بث «روح جديدة» في مجتمع يعاني بشكل عام من نزعة تشاؤمية. وذكر ماكرون أن الفرنسيين، من خلال اختياره رئيساً للجمهورية، وتوفير أكثرية مريحة له في البرلمان، إنما «اختاروا بلداً استعاد الأمل والتفاؤل، وهو عازم على السير قدماً».
ووعد ماكرون بالعودة إلى فرساي سنوياً لمراجعة وتقويم ما تحقق وما لم يتحقق، مما يدفع بالنظام الفرنسي نحو التحول إلى أن يكون أكثر رئاسية لأن رئيس الحكومة كان حتى اليوم الجهة التي تحاسبها الندوة البرلمانية، وليس رئيس الجمهورية. وجدير بالذكر أن ماكرون خرج من القاعة بعد انتهاء خطابه ولم يستمع، وفق ما ينص عليه الدستور، لردود رؤساء المجموعات والكتل في المجلسين على خطابه.
ما الذي حمله خطاب ماكرون؟ بالإضافة إلى الحديث عن المبادئ الكبرى التي ستقود عمل العهد الجديد، والتي تشمل الدفاع عن الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأخوة والتضامن وتمكين كل فرد من أن يجد مكانه في المجتمع، وبناء السلام، وإفراد المكان المناسب للقدرات الإبداعية، فقد تضمن الخطاب مجموعة من الإعلانات الهامة. فبينما لا يزال تهديد الإرهاب يخيم على فرنسا، أعلن ماكرون أن حالة الطوارئ المعمول بها منذ 19 شهراً سترفع في الخريف المقبل، وأنه بذلك يريد أن «يعيد للفرنسيين حرياتهم» لأنها «الشرط لوجود ديمقراطية قوية».
ويأتي هذا الإعلان في سياق سعي الحكومة الفرنسية إلى تقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب لتعزيز الإمكانيات المتاحة للقوى الأمنية في مجال مكافحة الإرهاب. وترى الحكومة أن ما يتضمنه مشروع القانون ضروري للخروج من حالة الطوارئ، بينما تعتبر كثير من منظمات المجتمع المدني أن إقرار مشروع القانون ووضعه موضوع التنفيذ سيجعل فرنسا تعيش عملياً «باستمرار» في ظل قانون الطوارئ. ورد ماكرون على ذلك بأن الإجراءات التي يتضمنها مشروع القانون لا تسيء للحريات، بل إنها «تقويها»، وأن التدابير التي ستعطى للقوى الأمنية ستكون تحت إشراف القضاء.
وخلال حملته الرئاسية، أعلن ماكرون أنه يرغب في خفض عدد النواب والشيوخ. وأمس، كشف عن أنه يريد أن يكون الخفض بنسبة الثلث. وبرر ذلك بالقول إن العدد الأقل سيتيح عملاً أكثر نجاعة. والحقيقة أن ماكرون لم يكن الوحيد الذي يريد تقليص عدد النواب والشيوخ الكبير، الذي يصل إلى 908 أعضاء. ويرغب العهد الجديد في أن تطبق القاعدة الجديدة على الانتخابات المقبلة التي ستجرى النيابية منها بعد 5 سنوات، بينما تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ بالانتخاب غير المباشر سيحصل في شهر سبتمبر (أيلول).
وفي أي حال، فإن ماكرون أعلن عن ورشة إصلاحية عميقة يريد الانتهاء منها خلال عام واحد، وهو بذلك يختلف جذرياً عن سياسة الرئيس السابق فرنسوا هولاند الذي سعى مثلاً إلى إصلاح قانون العمل في العام الأخير من ولايته. بيد أن طموح ماكرون ليس عددياً فقط، بل يريد كذلك «تبسيط» و«تهوين» العمل التشريعي والإسراع به، منتقداً بطأه وكثرة القوانين التي لا يصل كثير منها إلى مرحلة التنفيذ.
ويرى ماكرون أن مهمة المشرع لا تنتهي مع صدور القانون. لذا، فإنه يقترح العودة إلى بعضها بعد عامين، لتقويمها ورؤية مدى فعاليتها. وفي السياق عينه، لا يستبعد الرئيس الفرنسي الرجوع إلى الشعب، في إطار عملية استفتاء لإقرار بعض القوانين الخاصة بالإصلاحات الدستورية.
وأخيراً، فإن الرئيس الفرنسي عازم على الوفاء بأحد تعهداته؛ الخاص بإدخال جرعة من النسبية في الانتخابات التشريعية، لتحقيق مزيد من العدالة في التمثيل، ومن غير التخلي عن قانون الأكثرية الذي أتاح له أن يحظى بأكثرية مريحة في مجلس النواب الجديد. ووجه الصعوبة تكمن في التوافق بين المكونات الحزبية على هذه النسبة. وبينما تريد الجبهة الوطنية التي ترأسها مارين لوبان تطبيق النسبية الكاملة، فإن الأحزاب المؤهلة تقليدياً لأن تصل إلى السلطة تعارض هذا المبدأ، بحجة ضمان الاستقرار السياسي. لذا، ينتظر أن يثير التعديل المشار إليه كثيراً من الجدل في الأسابيع والأشهر المقبلة.
ويريد ماكرون «دماء جديدة» في الندوة البرلمانية والمجالس الأخرى. ومن هذا المنطلق، وبعد أن منع قانون دخل أخيراً حيز التنفيذ الجمع بين منصب نيابي وآخر تنفيذي في إدارة محلية، فإن ماكرون يريد وضع سقف لعدد الولايات النيابية، حتى لا يستطيع النائب أن يبقى في موقعه لسنوات طويلة، مما يقفل الباب أمام التجديد. ولا شك أن الرئيس الجديد بدأ العمل بهذا المبدأ، عندما رفض أن تضم لائحة مرشحيه نواباً مارسوا النيابة لأكثر من 3 ولايات. كذلك، عمد إلى تفضيل ترشيح الشباب والنساء القادمين من المجتمع المدني على ممتهني السياسة. وفي باب التجديد، يريد ماكرون إلغاء المحكمة المؤهلة وحدها بمحاكمة الوزراء ورئيسهم خلال ممارستهم لمهامهم.
وفي خطابه الطويل، لم يأت ماكرون على ما يريده في السياسة الخارجية. والاستثناء الوحيد تناول دفاعه عن أوروبا، التي «تحمي»، وعن دور فرنسا داخلها. إلا أنه بقي في إطار العموميات. كذلك، فإنه مر سريعاً على دور فرنسا في العالم الذي وصف وضعه الراهن بأنه «خطير»، بما في ذلك البيئة «المباشرة» التي تحيط بفرنسا. كما أعرب ماكرون عن دوره في الدفاع عن مصالح فرنسا، وعن أمن الفرنسيين بمواجهة الإرهاب والتعصب والراديكالية. إلا أنه شدد على الحاجة للمحافظة على «سبل الحوار والسعي إلى السلام»، وأن يكون التدخل العسكري للقوات المسلحة الفرنسية، في حال حصوله، متوازياً مع البحث عن حل سياسي للأزمات.
ويريد ماكرون، من باب الواقعية السياسية، أن يكون لفرنسا حواراً مع الجميع لتلافي قيام «دول فاشلة». وباختصار، يريد ماكرون أن يكون صوت فرنسا «مسموعاً في العالم». وفي موضوع الإرهاب، رأى ماكرون أن الرد عليه لا يكون في الداخل عبر «الحل الأمني» فقط، بل يتعين أن يتوازى ذلك مع خطط اجتماعية وتربوية وثقافية، بحيث يجد الجميع مكانهم داخل المجتمع الفرنسي. وبرأيه، فإن التخلي عن القيم هو بمثابة «انتصار» للإرهاب.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...