المراسل العسكري ذو البدلة البيضاء: الحرب تحطم الرجال... أو تصنعهم

مارتن بيل غطى عشرات النزاعات وحجز مقعداً في البرلمان البريطاني

بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
TT

المراسل العسكري ذو البدلة البيضاء: الحرب تحطم الرجال... أو تصنعهم

بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)

بعد 34 عاماً على انقضاء خدمته في الجيش، اضطر المراسل الحربي البريطاني مارتن بيل أن يرتدي البزة العسكرية من جديد وتوجه برفقة الجيش البريطاني إلى الكويت لتغطية حرب الخليج عام 1991... حفر خنادق بيده وتقمص دور الجندي والصحافي معاً.
عند عودته، قطع وعداً أن يغطي الحرب التي تليها بصفته مدنياً. الزي الجديد: بدلة بيضاء. والسبب: «الوسوسة». أما النتيجة: فلقب «الصحافي ذو البدلة البيضاء» ومسيرة 3 عقود غطى فيها 18 حرباً. البدلة كانت شاهدة على قتال الميدان وعلى اجتماعات تحت قبة البرلمان وعلى مهمات إنسانية مع اليونيسيف. وارتداها عندما قابلته بحديقة منزله في شمال لندن الأسبوع الماضي.
مع أنه مر بتجارب كثيرة كادت تقتله، اتجه بيل إلى كل حرب وهو على يقين بأنه سيعود منها سالما. وبعد سنوات من نقل الصورة من ميادين القتال إلى الشاشة الفضية، قرر الصحافي العسكري أن يخوض معركته الخاصة تحت قبة البرلمان البريطاني. ونجح في عهد توني بلير بصفته عضو البرلمان المستقل الوحيد، وخاض حملة لحظر القنابل العنقودية، مستعيرا من خبراته السابقة. وأضحى اليوم سفيراً لليونيسيف يتوجه إلى مناطق النزاع، بعيداً عن التقارير والمنافسة، وقريباً من الضحايا والمتضررين.
متحدث لبق بذاكرة حديدية. عفوي ومتواضع رغم إنجازاته. لم يقاطعني إلا مرة واحدة، ليسقي قطة الجيران التي تسللت إلى حديقته بعض الحليب. الحرب لم تحجر قلبه، بل صقلت الإنسان في داخله. هذا هو مارتن بيل وفيما يلي نص الحوار:
* لماذا البدلة البيضاء دائماً؟
لدي نوع من «الوساوس». اضطررت لارتداء الزي العسكري كمراسل في حرب العراق بعد 34 عاماً، واضطررنا كصحافيين أن نحفر خنادقنا بأيدينا. بعد نهاية الحرب وعدت نفسي أن في تغطية الحرب التالية سأذهب إليها كمدني. وكانت الحرب في كرواتيا في يونيو (حزيران) 1991. ارتديت بدلة بيضاء، لم تصيبني رصاصة طائشة، فربطت بين لون البدلة وسلامتي. هكذا أصبحت البدلة البيضاء لاحقا الأمر الذي يميزني عن الكم الهائل من الصحافيين. فعرفت بالرجل أو الصحافي ذي البدلة البيضاء.
* هل تدين لوالدك، المجمع الأول للكلمات المتقاطعة في صحيفة «التايمز»، عن معجمك اللغوي الواسع؟
- بالطبع. كنا عائلة أدبية. جدي كان محرر الأخبار في صحيفة «الأوبسيرفر»، وشقيقتي كانت المترجمة لكتب «استريكس آند أوبليكس» الفرنسية. إذن الكلمات هي مصدر رزق عائلة «بيل».
* في مذكراتك نقرأ أنك كنت تبحث عن الجواسيس من حولك منذ سن الثامنة، هل شعرت يوما بأنك تريد أن تكون مراسلاً حربياً؟
- كنت أبحث عن الجواسيس لأنها كانت محط تركيز الكتب التي كنا نقرأها بعد الحرب كأطفال. لم تكن لدي فكرة بأنني سأكون مراسلا حربيا لكن الـ«بي بي سي» حينذاك، كان كادر مراسليها ضيقا. ولو اندلعت حرب آنذاك فإن المراسل الأقرب إلى مطار هيثرو كان يكلف بمهمة التغطية. وإن كانت تغطيتك جيدة ولم تشتبك مع المكتب الرئيسي في لندن سترسل لتغطية حرب أخرى. لاحظت بعد فترة أنني أمضيت نحو 3 عقود في تغطية الحرب تلو الأخرى من دون أن أعي ذلك. وكأن ما حدث لي دون علمي.
* تعلمت فن «البقاء على قيد الحياة» خلال فترة بقائك في الجيش. وكان ذلك مفيدا في الحروب التي غطيتها كمراسل مثل البوسنة وفيتنام وغيرهما... كيف ساهمت تجربتك كجندي إذن في صقلك كمراسل حربي، خصوصا عندما رافقت الجيش البريطاني في حرب الخليج عام 1991؟
- كان مفيداً خصوصا في حرب الخليج التي أرسل مجموعة من المراسلين الحربيين إليها لمرافقة الجيش البريطاني. من المفيد أن يعي الجنود أنك جندي سابق. الخبرة السابقة أغنتني عن طرح تساؤلات عن الفرق بين الكتيبة واللواء وغيرهما. كما كنت دقيقا عند مخاطبة الجنود في تمييز رتبهم احتراما لهم، ما سهل التعامل معهم. ومصوري آنذاك كان جنديا سابقا من جنوب أفريقيا. في الواقع عندما التحقنا بالجيش كمراسلين خلال حرب الخليج، كنا على دراية بالأمور العسكرية أكثر من الجنود نفسهم. ولذلك عاملونا باحترام.
* لكنك عام 2003 عند اجتياح العراق، أصبحت معارضاً لظاهرة دمج الصحافيين الحربيين بالجيش، لماذا؟
- لأن الصحافيين مع التطور التكنولوجي أصبحوا مهووسين بالحرب والقتال كأنها مغامرة، لكن الحرب في الحقيقة هي مأساة.
* كملحق إعلامي مع الجيش، هل شعرت بأنك صحافي أم جندي؟
- شعرت بأنني بين المراسل والجندي. للالتحاق عليك التضحية بحريتك وإطاعة الجنود والذهاب حيث شاءوا، كما أنك معرض لمعايير رقابتهم. وترى جانبا واحدا من القتال. ذكرتني التجربة بتغطيتي لفيتنام. مع أني لم أكن ملحقا بالجيش وكان بإمكاني الذهاب إلى أين شئت، عام 1967، إلا أن تغطيتي لم تشمل الجانب الفيتنامي. كانت كلها عن الجنود الأميركيين. واليوم أصبحت الحروب أكثر خطرا، وهذه الطريقة الوحيدة لتغطيتها. فعلى سبيل المثال إن أراد مراسل حربي تغطية حرب تحرير الموصل الآن فالطريقة الوحيدة هي مرافقة الجيش، ومعظم الصحافيين الذين يذهبون لتغطيتها منفردين يدفعون حياتهم ثمنا. برأيي ينبغي على الصحافيين الابتعاد عن معاقل «داعش»؛ لأنهم سيخطفون ويقتلون فورا. ولذلك، لم نر للأسف تغطية حية للمعارك في الرقة.
* تؤكد أكثر من مرة عن أهمية الامتناع عن دخول منطقة سائبة أو منزوعة السلاح لأن مصير الصحافي فيها مجهول. هل لديك تجارب خطرة؟
- يجب عدم الذهاب إلى هناك لأنها منطقة قد يطلق أي جانب متعارك فيها النار عليك. أسوأ تجربة لي هي قيادة سيارة على مدرج الطائرات بمطار سراييفو وجرى إطلاق النار، إلا أنها كانت مصفحة. أن تكون تحت إطلاق النار في الحقيقة، ليس أبدا كما تظهر الأفلام. الصوت كتساقط قطرات المطر وليس عاليا. في بادئ الأمر ظننت فعلا أن المطر يتساقط إلا أنه تبين لي أن رصاصا استهدف المركبة. لم أصب في هذه المرة. لكن العبرة هي تفادي المناطق المنزوعة السلاح.
* تذكر في كتابك الأخير أن كل مراسل حربي يقع في حب حرب واحدة فقط. بعد تغطيتك لنحو 18 حربا، أي واحدة هي حبك الوحيد؟
- البوسنة بالتأكيد. بلاد جميلة، وأمضيت وقتا طويلا فيها. هذه الحرب استمرت عامين ونصف العام، وأنا شهدت الحرب بعد اندلاعها بيوم، وكنت حاضرا حتى النهاية. كما أصبت هناك. أحببت الناس والشعب.
* الصحافية الحربية الراحلة كلير هولينغوورث كانت تأخذ معها فرشاة أسنان وآلة طابعة إلى الحروب. ماذا عنك؟
- كان في شنطتي مصباح يدوي ودفتري الأسود الصغير، ومقتنيات تجلب لي الحظ مثل قطعة من جلد أفعى وعملات نادرة، إلى جانب مشبك لأجمع فواتيري رباط حذاء احتياطي وضعف المال الذي كنت أحتاجه، ونصف كمية الملابس. وقصائد ويلفرد أوين الذي كان يكتب ليرافق من كانوا على قيد الحياة في الحروب، ويعبر عن أسفه لوقوعها. وتأثرت بقصائده وكان التركيز في معظم تغطياتي الأخيرة للحروب لإيضاح أسفي لوقوعها وعن تراجيديتها.
* ما الذي كان دفعك إلى خطوط النار لتغطية الحروب علما بأن هنالك احتمالية أنك لن تعود منها؟
- المراسلون الحربيون على يقين دائم بأنهم سيعودون من الحروب. هذه جزء من سيكولوجيتهم للتعامل مع الموقف. وإن لم نفعل هذا كنا سندفع إلى الجنون.
* إذن شعرت بأنك خالد؟
- لا أبداً. تعرضي للإصابة في حرب البوسنة جعلني متوترا. تركت المركبة المحصنة لوقت طويل وضربتني قذيفة هاون وأصبت في أسفل بطني وأردتني أرضا. تميزت عن المراسلين الحربيين الآخرين لأنني أصبت بقذيفة صربية وسرقني الفرنسيون في اليوم ذاته. فعند نقلي إلى المشفى الذي أداره الفرنسيون آنذاك في مقر الأمم المتحدة واستيقظت بعد زوال مفعول المخدر لم أعثر على نقودي ولا حتى جواز سفري. لكنني كنت على قيد الحياة. ولم تؤثر في السرقة.
* كم من مرة خضت تجربة كادت أن تنهي حياتك؟
- لا أعرف، لكن من المرات التي أتذكرها هي عندما كنت على شرفة في سراييفو أثناء تصوير قطعة للكاميرا، واحتدم إطلاق النار، فاضطررنا لتأجيل التصوير والدخول. وعندما شاهدنا التصوير لاحظنا أن رصاصة طائشة اقتربت من رأسي وكادت تقتلني.
* تنوه في سيرتك الذاتية بأن تغطيتك للحروب تغيرت مع الوقت. ففي الوقت الذي كنت فيه مأخوذا بالتكنولوجيا الحربية خلال فيتنام، تغير تركيزك ليتسلط على الناس في التغطيات التي تلتها. لماذا؟
- أرفض مشاهدة تغطياتي الأولى لأن جميعها يتبع نهج السينما آنذاك. اللهجة الأرستقراطية والرواية التي تقتصر على شرح عظمة المعدات العسكرية. لكن الترسانات لم يكسب الأميركيون حرب فيتنام بها. فبرأيي الأفكار هي التي تدير الحروب والقدرة على الحفاظ على تلك الأفكار هي المفتاح لكسبها. لا أعتبر نفسي مسالما كليا أو من المدرسة المعارضة كلياً للحروب. لكنني حرصت في تغطياتي اللاحقة أن أركز على العنصر الإنساني للحروب، على الجنود والمواطنين، وكيف تأثر ويلات الحرب عليهم. الحروب تصنع الرجال أو تحطمهم، حيث يعاني كثير من العسكريين ومراسلي الحرب من اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية (PTSD). عقل الإنسان غير مؤهل للتعامل مع دموية الحروب.
* هل عانيت من هذا الاضطراب؟
سألت نفسي هذا مراراً، ولربما الإنكار من أحد الأعراض. لكن الطريقة الوحيدة لمعرفة ما يدور في اللاوعي هي الأحلام أو الكوابيس بالأدق. ومعظم أحلامي عن فقدان أمتعتي في مطار هيثرو اللندني والجلوس على مقاعد البرلمان الخشبية ولكن لا أحلم بالحروب.
* لقد تم ترحيلك من لبنان خلال تغطيتك للحرب الأهلية. ما السبب؟
حدث في بداية الحرب الأهلية. لم تكن الأقمار الصناعية متاحة آنذاك.كان التحدي الأكبر إيصال تسجيلات التغطية إلى مكان مناسب للبث. كنا نرسل بعض الأشرطة براً إلى دمشق. لكن في هذه الواقعة حاولت تهريب الأشرطة على متن قارب إلى قبرص لكن جواسيس في فندق «الكومودور» في بيروت كشفوا سرنا وتم اعتقالنا وترحيلنا.
* ماذا عن تغطياتك الأخرى في منطقة الشرق الأوسط؟
- غطيت حرب 1967 (نكسة حزيران) وحرب 1973 (حرب أكتوبر «تشرين الأول»)، وكنا نسافر 300 ميل لإنتاج تقرير خبري مدته 3 دقائق. أذكر يوما أنني سافرت إلى سيناء وكان هناك حاجز واضطررنا إلى العودة بعد رفض الحرس أن نعبر.
* في بعض سطور سيرتك تبدي تعاطفا مع الشعب الفلسطيني وتتضامن معهم في وجه الظلم الإسرائيلي، لكن في صفحات أخرى تؤكد إعجابك بدولة إسرائيل وتصفها بالدولة المعادية للإرهاب. ما موقفك من القضية الفلسطينية - الإسرائيلية اليوم؟
- في بادئ الأمر كنت مأخوذا بإسرائيل. لكن اليوم أصبحت من أكبر منتقديها، وأرفض أن تطأ قدمي هناك مجددا. وأعتقد أن استخدام الدولة للذخائر العنقودية في جنوب لبنان كان جريمة حرب لا يمكن الدفاع عنها.
* ما السبق الصحافي الأكبر الذي أنجزته في مناطق النزاع؟
- أعتقد كان اكتشاف مجزرة في منطقة وسطية في البوسنة كنت مع قوات أممية آنذاك. عثرنا على أكثر من 100 شخص قتلوا رميا بالرصاص وهم يحاولون الفرار أو جرى حرقهم داخل المنازل. كان المنظر دمويا، وضاقت في الكلمات لكتابة نص خبري لروايته. اضطررت لأن أعتمد لقطات معينة ملائمة للعرض التلفزيوني لئلا ترفض غرفة أخبار «بي بي سي» عرض التقرير.
* كيف تصف شعور التعرض لقنابل مسيلة للدموع أثناء تغطيتك للمظاهرات؟
- لا زلت أحتفظ بإحدى العبوات التي أدمعتني أثناء تغطيتي لاحتجاجات شيكاغو المناهضة لحرب فيتنام عام 1968 أثناء مؤتمر الحزب الديمقراطي. حرصت على جمع الرصاصات وعبوات الغاز وغيرها من مخلفات كل ما غطيت. وأعتبرها كتذكارات شاعرية تعيدني إلى تلك اللحظات التي عشتها وأحتفظ بها إلى اليوم. وعلى كل صحافي ومراسل فعل ذلك لو أراد أن يكتب مذكراته يوما.
* عدت إلى الولايات المتحدة من جديد كمراسل الـ«بي بي سي» في واشنطن في عام 1978 ولمدة 12 عاما، وكنت شاهداً على فترة رئاسة رونالد ريغان. كيف تقيم هذه التجربة؟
- كانت مميزة. أعتقد أنه كانت فترة رئاسة ريغان ناجحة لأنه كان متحدثا بارعا وكانت أصعب تحدياتي إقناع محرري «بي بي سي» في لندن أن ممثلا سابقا بإمكانه أن يكون رئيسا مناسبا لأميركا.
* هل ترى تشابها بين رونالد ريغان ودونالد ترمب؟
- لا بتاتا. ريغان كان يستمع للآخرين، وكانت لديه تجربة سياسية سابقة، حيث كان حاكم كاليفورنيا، وأحاط نفسه بمفكرين وأذكياء. كما كان صانعا للسلام، وهو السبب وراء إنهاء الحرب الباردة.
* كنت شاهداً في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لمحاكمة جرائم الحرب التي المرتكبة خلال الحرب. هل تعتقد أن مثولك أمام المحكمة كان تعديا على صلاحياتك كصحافي؟
كان هنالك سجال بين الصحافيين في حينها حول مثولنا أمام المحكمة. جميع المراسلين الأميركيين قرروا الامتناع عن المثول حتى كريستيان أمانبور لدى «سي إن إن» كانت منهم. وتبريرهم هو أن المشاركة ستؤثر على حيادهم الصحافي كما ستهددهم أمنيا. لكننا كصحافيين بريطانيين قررنا المثول. استمعت المحكمة إلى شهادتي 5 مرات. والتقيت بالزعيم الصربي السابق رادوفان كاراديتش في زنزانته بناء على طلبه، وتبادلنا أطراف حديث لطيف ووصفني بـ«الثمين».
* إذن ما برأيك في الدور الأساسي للصحافي؟
- دور الصحافي هو أن يروي القصة كما هي بحقائقها. وهذا ما يقلقني اليوم مع ظهور الأخبار الزائفة. ظننت أننا كنا نعرف ما هي الأخبار وما هي الحقائق. لكن الآن هناك حملة لتضبيب رؤيتنا الأمر الذي يقلقني.
* لكنك أيضا تنتقد مدرسة الحياد التام التي تتبعه الـ«بي بي سي» في سيرتك. أين تقف إذن؟
- برأيي تغطيتهم لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان عديم الفائدة، واقتصر على تغطية مؤقتة لـ«من هذا الجانب، ومن الجانب الآخر». وكم كبير من حجج الخروج كانت مليئة بالأكاذيب، مثل قيمة الأموال التي تدفعها بريطانيا للاتحاد أسبوعيا كانت غير دقيقة. لا يستهويني هذا النوع من التغطية. الصحافي لا يستطيع أن يقف بموضوعية بين المهاجم والضحية.
* عنوان كتابك الأخير هو «وفاة الأخبار». هل فعلا تعتقد أن العصر الإخباري قضى؟
- أنا قلق جدا من انتشار الأخبار الخفيفة التي تركز على المشاهير والأمور السطحية. لا نرى تغطية للقارة الأفريقية اليوم. التكنولوجيا باتت تشير لمديري المواقع الإخبارية بأن الأخبار الخفيفة هي الأكثر قراءة، فأصبحت تنشر بكثافة على حساب الأخبار المهمة.
* هل هناك صحافيون اليوم يحاولون إعادة إحياء الأخبار؟
نعم. مات فراي (القناة الرابعة)، ليز دوسيت (بي بي سي)، جيريمي بوين (بي بي سي)، جون سنو الذي كان منافسي، وكريستيان أمانبور (سي إن إن) وغيرهم، لكن في المقابل «المحتالون» كثر.
* تركز في كتابك على أهمية تطويع التطور التقني إلى صالح الصحافي، لكنك لا تملك أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. لماذا؟
- لا أفهم «السوشيال ميديا» ربما لتقدم سني. استطعت أن أخوض مسيرة 3 عقود في الـ«بي بي سي» من دون استخدام الكومبيوتر مرة واحدة إلا لأغراض الطباعة عندما أصبحت الكاتبة قديمة الطراز. يمضي الصحافيون اليوم معظم نهارهم أمام الشاشة، ومكانهم الطبيعي في الخارج بحثا عن القصص.
* توفر في سيرتك الذاتية فصلا كاملا للنصائح «الذهبية» للمراسلين الشباب. لكن ما هي النصيحة الأهم برأيك؟
- لا تقرأ نصا من الكومبيوتر وإلا سيفقد روحه. تجب قراءته وهو مكتوب بخط يدك. وللصحافيين أنصحهم بالمثابرة دوما. ستلاحظين خلال مسيرتك الصحافية أنه من السهل الشعور بالإحباط. فكثير من الناس سيرفضون مقابلتك. لكن على الصحافي الناجح المثابرة دوما.
* مجرد فضول. تقول إن السير أليكس فيرغسون كان من أكبر الداعمين لحملتك الانتخابية البرلمانية. هل أنت من مشجعي فريق «مانشستر يونايتد»؟
- لا أنا من مشجعي فريق «نوريتش سيتي». لكن أليكس فيرغسون كان من سكان مقاطعتي وقدم لي دعما كبيرا.
* كيف كانت النقلة من الميدان إلى البرلمان؟
- كانت سهلة نوعا ما لأنني اكتسبت خلال سنواتي كمراسل مهارة التعامل مع الصحافة والصحافيين. واعتمدت على منصبي الجديد لإثارة مواضيع مهمة خلال جلسات البرلمان.
* هل شعرت بأنك سياسي إذن؟
- بالحقيقة لا لم أشعر بذلك إلا في أيامي الأخيرة. تركت البرلمان قبل أن ينتابني الغرور. وحتى عرفت بعد انتخابي ونجاحي بوقت وجيز أثناء زيارتي لقصر باكنغهام أن الملكة إليزابيث وزوجها الأمير فيليب دوق ادنبره كانا قد وضعا رهانا على نجاحي. وآمل أنها راهنت على نجاحي.
* كنت محاطا ببرلمانيين باتوا من وجوه صناع القرار في المشهد السياسي البريطاني اليوم كتيريزا ماي (رئيسة الوزراء) وجيريمي كوربن (زعيم حزب العمال) ودايان أبوت (وزيرة الداخلية بحكومة الظل) وفيليب هاموند (وزير الخزانة). كيف كانوا في تلك الأيام؟
- الوحيد الذي أتذكره من تلك الأيام هو جيريمي كوربن. كان يجلس في المقعد نفسه دوما، إلى جانب مجموعة «صعبة المراس»، وتحدث تكرارا ضد سياسات حزبه ورئيس الوزراء توني بلير، الأمر الذي لم يزعجني بتاتا. لكن لم يخطر على بالي يوما أنه سيكون رئيس حزبه.
* ذكرت أنك ترى كوابيس في منامك تدور داخل البرلمان. ما أكثر لحظة لن تنساها؟
- انتخبت كمرشح مستقل (غير تابع لحزب) في برلمان كانت غالبيته الساحقة من حزب العمال. لذلك لم يؤثر تصويتي على الأمور. لكن صوتي كان هو المؤثر. وزادت شعبيتي بين الناس وسمتني طالبة مدرسة «العضو الخامس لفرقة سبايس غيرلز».
* كانت الذخائر العنقودية إحدى قضاياك كبرلماني، هل تجاوب معك البرلمان في وقتها، وهل استطعت تحقيق هدفك؟
- مع أنه من الصعب أن تجد شخصا يبرر استخدام القنابل العنقودية، فإن قضيتي لم تكن على رأس أولويات البرلمان البريطاني. لكنني سافرت إلى جنيف عندما كنت عضوا في البرلمان لحشد دعم من الحكومات للتوقيع على مشروع قرار لحظر تلك القنابل. كنت البرلماني الوحيد ذات خبرة حديثة في الحروب، لم يعرف معظم أعضاء البرلمان أي شيء عن المنظومة العسكرية. لذلك استغللت منصبي للحديث عن كثير من القضايا الدفاعية.
* جرى انتخاب ديفيد أوزبورن (وزير الخزانة البريطاني السابق) بعد انتهاء فترتك ليخلفك في مقاطعة تاتون. واليوم أصبح رئيس تحرير صحيفة «ايفنينغ ستاندرد» اللندنية ما رأيك بهذه النقلة؟
- أعتقد أن أوزبورن أراد أن يكون المنتخب الأزلي عن «تاتون»، لكن هذا الحلم انتهى بعدما أقالته ماي. وهو الآن كرئيس تحرير ينتقم منها. أعتقد أن بوسعه أن يكون رئيس تحرير جيد لكنه يجب أن يبتعد عن سياسة المطبوعة التقليدية المؤيدة دائما للمحافظين.
* شغلت أيضا منصب سفير لليونيسيف وسافرت إلى مناطق النزاع تحت المسمى الأممي. هل كانت تجربة مختلفة عن مهامك كمراسل حربي؟
- سافرت في مهمات إلى العراق ولبنان واليمن. وكانت تجارب مؤثرة. شعرت بإنسانيتي من خلال تلك المهمات. وكنت سعيدا بأنني أصبحت معفيا من مواعيد تسليم التقارير والضغط والمنافسة بين القنوات والصحف. بل أخذت وقتي في جمع المعلومات والقصص الإنسانية، وأخرجت تقريرا شاملا عند عودتي ليعرض على «بي بي سي» أو إحدى القنوات الأخرى. وكما أخرجت أيضاً تقريرا لصحيفة «صاندي ميل». لم أتقاض أجرا لكنني شعرت بالاكتفاء.



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».