سربيكو الحقيقي يسرد حكايته

التحري ملهم فيلم باتشينو الشهير يظهر فجأة

آل باتشينو كما ظهر في «سربيكو» الأول
آل باتشينو كما ظهر في «سربيكو» الأول
TT

سربيكو الحقيقي يسرد حكايته

آل باتشينو كما ظهر في «سربيكو» الأول
آل باتشينو كما ظهر في «سربيكو» الأول

معظم، أو حتى كل، ما نعرفه عن فرانك سربيكو جاءنا من مصدر واحد: فيلم سيدني لومِـت المعروف «سربيكو» سنة 1973 الذي ورد في فترة كان نجمه فيها قد صعد درجات صوب القمة بعد بدايته القوية سنة 1957 عندما أخرج «اثنا عشر رجلاً غاضباً» وما تبعه من أفلام تقف عند حافة سينما المؤلف من دون أن تقدم كاملاً. «سربيكو» شهد أول تعاون من اثنين بين المخرج لومِـت وبين الممثل آل باتشينو. الثاني ورد بعد عام بعنوان «بعد ظهر يوم بائس» (Dog day Afternoon).
سربيكو كان شخصية حقيقية كاد المخرج الراحل قبل أيام جون ج. أڤيلدسن أن يحققه لولا خلاف رؤى فني بينه وبين المنتج الذي سحب المشروع منه وأسنده إلى لومِـت. هذا المخرج صنع عملاً نال أكثر مما يستحق من إطراء وغطى حياة التحري النيويوركي الذي وجد أن الفساد استشرى في نظام البوليس فأخذ يرصده ويحاربه، وعرّض نفسه للخطر من قِـبل أترابه ومسؤوليه الذين خشوا على مصالحهم إذا ما استمر سربيكو في موقفه.
ذلك الفيلم لم يعد الفيلم الوحيد الذي يتناول حكاية التحري العنيد. هناك فيلم آخر عنه أكثر كشفاً عن الوقائع يتحدث فيه التحري المتقاعد عن حياته ومبرراته لخوض تلك الحرب وعما جرى له خلالها.

واشٍ ومكروه

إنه فيلم تسجيلي يحمل اسم بطله «فرانك سربيكو» لمخرج يواصل عمله في هذا النوع من الأفلام اسمه أنطونيو دامروسيو. يتعامل هنا مع فترات مختلفة من حياة التحري سربيكو ويجري مقابلات كثيرة تشمل رجال شرطة آخرين وجيران ومعارف وسينمائيين. كذلك يستعين بأرشيف ممتلئ من المعلومات والصور من صحف ومشاهد محاكم ومقاطع من الفيلم الروائي السابق. الغاية هي تقديم صورة متكاملة وثرية عن حياة التحري الذي تمسّـك بالمبادئ في الوقت الذي تخلّـى عنها آخرون كثيرون فعمدوا إلى تقاضي الرشى وفرض الخوات وسرقة غلل الأشرار.
مع أن جل هذا الفيلم يتعامل مع الفترة التي قضاها سربيكو في سلك البوليس (ما بين 1960 و1972) والتي شهدت إنزال رتبته من تحرٍ إلى رجل بوليس بالزي المعتاد لبعض حين، إلا أن الكثير مما يوفره للمشاهد يعود أيضاً إلى فترة ما قبل أن أصبح سربيكو تحرياً وإلى الفترة التي أعقبت ذلك بعدما كشف عن عمليات الفساد الإداري التي طالت الكثير من أترابه ومن هم فوق. يكرر فرانك أنه لم يرد أن يؤذي رفاقه في السلك؛ لذلك لم يستجب لطلب المحققين استخدام تسجيل صوتي حين الحديث إليهم. كان يقول إن رفاقه هؤلاء هم في أسفل سلم من المصالح، وإذا ما تم التعرض إليهم بقي الذين في أعلى السلم سالمين. ويؤكد عدد من رفاق سربيكو هذا، ويضيف أحدهم إن هناك من كان يعارض الفساد الحاصل في سلك بوليس نيويورك، لكن أحداً لم يجرؤ على التصدي له ومحاولة كشفه كما فعل فرانك سربيكو.
هذا ما عرّض سربيكو للكراهية من قِـبل رفاقه على أساس أنه واش (أو «جرذ» كما هي الكلمة المستخدمة في هذا المجال). وما لبث الكره أن تبلور إلى خطّـة تقتضي التخلص منه فتم تصميم فخ يتعرض فيه سربيكو لإطلاق نار عليه بحضور زميلين له.
المكالمة لإنقاذ حياته تمّـت من قِـبل رجل مدني، لكنها لم تتم من قِـبل رجلي الشرطة إذ تركاه لمصيره. وأحد أفضل حوارات الفيلم هي في تلك المشاهد التي جمع فيها المخرج بين سربيكو اليوم وبين أحد هؤلاء الشرطيين الذي وإن لم يعترف بدوره إلا أنه دافع عن فعلته بالقول: إن ما حدث لسربيكو لم يكن سوى رد فعل على موقفه عندما رفض أن يغض الطرف.
ترعرع سربيكو في بروكلين في الخمسينات. كان لدى والد الإيطالي محل لتصليح الأحذية. فرانك عمل هناك صغيراً وفي أحد الأيام دخل رجل شرطة بزيّـه الرسمي وطلب منه تلميع حذائه. يقول فرانك إنه كان مأخوذاً بالشرطي ذي البذلة الرسمية «سألمّـع حذاء الحكومة»، كما قال لنفسه. حين انتهى الصبي من تلميع الحذاء نهض الشرطي ومشى صوب الباب: «لم يدفع ولم يقل حتى شكراً». لكن الحادثة، على بساطة فحواها، تركت شيئا من الأثر الدفين ربما، كما يقول فرانك منقباً في ذكرياته الأولى خلال نصف الساعة الأولى من هذا الفيلم؛ ما دفعه إلى الرغبة في أن يصبح شرطياً. في الستينات أصبح سربيكو شرطياً ثم تحرياً بملابس مدنية، لكنه كان مختلفاً عن باقي أترابه من حيث إنه عاش هيبياً ومال إلى الوحدة وعدم الاختلاط مع رجال البوليس الآخرين. كان دائماً على خط النار؛ إذ طُـلب منه (كما طلب هو من نفسه أيضاً) معاشرة المجرمين والمطلوبين من شخوص الشارع الخطر والأماكن الموبقة.

مادة ثرية

بعض ما سبق ورد في فيلم سيدني لومِـت «سربيكو» كما جسّده ببراعته المشهودة آل باتشينو. والفيلم التسجيلي يكشف بعض الجوانب التي لم نكن نعرفها عن كيف تم تحقيق الفيلم السابق «ذات مرّة»، يقول سربيكو: «تابعت تصوير المشهد الذي يقوم فيه رجل بوليس أبيض بوضع وجه رجل أسود في بالوعة المرحاض. صرخت Cut. بهت الجميع. من هو ذلك الذي جرأ على إيقاف التصوير غير المخرج؟».
احتج سربيكو على مشهد رآه بعيد الصلة عن حياته. تلا ذلك مشادة بينه وبين المخرج الذي أخبره بأنه هو من يملك الكلمتين السحريتين خلال التصوير: Action وCut. من يومها تم منع سربيكو من حضور التصوير. لكن هذه الحكاية تؤكد أن لومِـت إنما استخدم الموضوع الخاص بالتحري سربيكو لكي يصيب أهدافاً أخرى؛ فهو مخرج غاضب لا يحتاج إلى طبل قبل أن يرقص على أنغام غضبه وميوله النقدية موظفاً الفيلم لهذه الغاية. لكن العمل منقسم بين تمهيد طويل (كيف عاش سربيكو حياة الهيبيز واختلط بثقافتهم) وساعة من التركيز على لب الحياة الخطرة التي قادها أول ما بدأ الكشف عن الفساد الإداري.
إلى هذا التشتت في الاهتمامات فإن شغل لومِـت عانى أيضاً نفسا طويلا واحدا، ويدا تحمل مطرقة للنيل من كل شيء ماثل. حياة سربيكو تتحوّل إلى أداة والشخصية (رغم براعة باتشينو القصوى في أدائها) مكتوبة بكسل ملحوظ.
إحدى أفضل المقابلات في الفيلم الجديد تأتي لاحقاً ومع الممثل جون تورتورو (ليس بعيد الشبه بسربيكو) الذي يثني على أداء باتشينو ثناء مستحقاً.
إنها مادة ثرية تلك التي جمعها المخرج دامبروزيو مضيفاً إليها ثراء إضافياً. هذا يتأتى من خلال التصوير (كريم لوبيز وتريڤور توِيتن) بمنوال واقعي كما لو أن العمل جزء من حكاية روائية مستمرة، والموسيقى (برندان كانتي) المهيمنة و- بالدرجة الأولى - عبر التوليف مروراً بكم كبير من المشاهد الحية لسربيكو والمقابلات المتنوعة والوثائقيات، كما من مشاهد الفيلم الروائي السابق. لكنه دامبروزيو هو من يعود إليه الفضل الأول في صنع فيلم مهم في فنّ منواله التسجيلي، كما مهم لما يعرضه ضمنه.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز