المصريون يتخوفون من «استحقاقات يوليو»

الحكومة مجبرة على الزيادات... والبرلمان يناقش الموازنة ويقرها في أسبوع

المصريون يتخوفون من «استحقاقات يوليو»
TT

المصريون يتخوفون من «استحقاقات يوليو»

المصريون يتخوفون من «استحقاقات يوليو»

تستعد أروقة البرلمان المصري لاستقبال مشروع الحكومة الخاص بموازنة العام الجديد مطلع الأسبوع المقبل... ووسط تسريبات وتصريحات ومعلومات، يتأكد المصريون يوما بعد يوم أنهم سيواجهون بنودا واستحقاقات تزيد من الضغوط على كاهلهم الاقتصادي مع بدء تنفيذ الموازنة الجديدة مع أول أيام شهر يوليو (تموز) المقبل بعد أيام قليلة.
«النافذة الزمنية الضيقة وحدها كفيلة بإثارة القلق»، هكذا علق أحد المراقبين الاقتصاديين في مصر على الفترة المتاحة لمناقشة الموازنة وإقرارها في أروقة البرلمان، حيث تبدأ المناقشات في الجلسات العامة من يوم الاثنين وتستمر حتى الأربعاء (19 إلى 21 يونيو (حزيران)... متابعاً: «الحكومة والبرلمان وكل الأطراف مجبرة على أن تنفذ الموازنة الجديدة من أول يوم في شهر يوليو... لا وقت إذن للمناقشات الجادة أو الاعتراض على بنود ودراستها أو إعادة صياغتها بصورة حقيقية.. نفذ الأمر وعلينا مواجهة ما هو قادم».
وطوال الساعات الماضية، لم تهدأ دوائر الحكومة المصرية عن محاولة إيجاد بدائل لرفع أسعار بعض المحروقات والكهرباء في الموازنة الجديدة من أجل تقليص العجز بقدر الإمكان، ليس عن عجز العام السابق، ولكن إلى نسبة يمكن تحملها خلال العام المقبل.
لكن مصادر حكومية متطابقة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الأفكار والمحاولات لتأجيل رفع أسعار الطاقة لا يمكن تنفيذها عمليا، ورفع الأسعار حتمي مع بدء الموازنة. النقاشات حاليا حول تقسيم الأمر إلى شرائح بالنسبة لموضوع الكهرباء، مع محاولات توفير بدائل ضمان اجتماعي من أجل تلافي الآثار المتوقعة على دخل الأسر الأكثر احتياجا». وقالت المصادر إن دعم الطاقة في موازنة السنة المالية الجديدة يصل إلى حدود نحو 140 مليار جنيه (7.78 مليار دولار)، منها 110 مليارات جنيه مخصصة للمنتجات البترولية، و30 مليار جنيه للكهرباء.
وبحسب ما يدور داخل أروقة الحكومة، فإن أسعار الكهرباء ستزيد بدءاً من الشهر المقبل ربما بنسبة 20 في المائة مع استثناء «الشرائح الدنيا».. أما أسعار المحروقات الزائدة فتطال بالأساس بنزين 92 أوكتين «الشعبي»، والأكثر استهلاكا في السيارات الخاصة، حيث سيزيد بمعدل جنيه واحد للتر ليصل سعره الجديد إلى 4.5 جنيه (نحو 25 سنتا). أما الفئات الأخرى من المحروقات، فلا تزال الأحاديث حول زيادة أسعارها في طور المداولات والتكهنات حول الوقت الأنسب لذلك.
* تضخم متوحش
ومع تضخم عنيف كسر حاجز 30 في المائة، وانخفاض لسعر العملة المحلية إلى نحو ثلث قيمتها أمام سلة العملات في نحو 6 أشهر، تواجه كثير من الأسر مشكلات متفاقمة بحيث لا يمكنها تحمل المزيد من الضغوط. خصوصا أن زيادة أسعار الطاقة تتسبب في رفع كل أسعار السلع، رغم حقيقة أن النقل والشحن يعتمد على الكيروسين، الذي لم يتحدث أحد عن زيادة أسعاره - بشكل صريح - حتى الآن. ويتوقع الكثير من المراقبين أن يسفر تطبيق تلك الإجراءات عن قفزة جديدة في التضخم تتخطى حاجز 35 في المائة.
رجل الشارع في مصر الآن ينتظر بداية الشهر الجديد متمنيا ألا يأتي، كما يقول محمد صالح، وهو موظف بإحدى الشركات الحكومية صباحا ويقدم الطعام بأحد المطاعم في حي راقٍ بالقاهرة في الفترة المسائية، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «منذ وقت التعويم وأنا أحاول أن أضبط الحال.. ألغيت بنودا كثيرة مهمة من ميزانية البيت.. اعتبرنا أنواعاً من الأكل مثل اللحوم ترف وقلصناها بقدر المستطاع.. رمضان جاء مع زيادات أسعار في المحلات. وبعد أيام (يأتي) العيد ومحتاجين مصاريف.. والشهر المقبل يقال إن هناك زيادات في البنزين والكهرباء.. أنا مش عارف ممكن أعمل إيه تاني علشان أدبر حياتي. باشتغل 10 ساعات في اليوم ومن سنة كان مرتبي معقولاً. النهار ده مش عارف أعيش أنا وأولادي. أنا سايبها على ربنا يحلها من عنده؛ لأن أنا ماعنديش أي حلول».
* النمو والجاذبية مفتاح الحل
ويرى خبراء الاقتصاد في مصر وحول العالم أن تحقيق نمو جيد وجذب تدفقات استثمارية كبيرة هو الحل والمنفذ الوحيد للمصريين من أزمتهم الحالية، لأن الحكومة التي تعتمد في موازنتها بشكل كبير على الجباية الضريبية كمصدر للدخل القومي ليس أمامها بدائل تخفف بها عن المواطن، خاصة في ظل عدم تحقيق تقدم كبير في مصادر الدخل الأخرى الكبرى، مثل إيرادات قناة السويس التي تراجعت بفعل ركود عالمي بحركة التجارة، والسياحة التي لم تستطع أن تعود إلى سابق عهدها مع نكبتها بمزيد من المنغصات كلما حاولت النهوض.
ويشير هؤلاء إلى أن الإدارة المصرية أصبحت مجبرة تماما على المضي قدما في تنفيذ الجزء المتبقي من خطة الإصلاح الاقتصادي، «مهما كانت المصاعب أو التبعات»؛ لأن الجزء الذي تم بالفعل، وتضمن التعويم وخفض الدعم على سلع أساسية واستدانة قروض قيمتها مليارات الدولارات هي إجراءات كانت بدورها حتمية من أجل إصلاح حال الاقتصاد؛ ولكن الرجوع عنها حاليا - أو محاولة تمييع الموقف مجددا - هو «كارثي».
ومن هذه الجهة، قالت وزيرة التخطيط المصرية هالة السعيد أمس إن نمو اقتصاد البلاد ارتفع في الربع الثالث من السنة المالية 2016 - 2017 إلى 4.3 في المائة، تعديلا من رؤية سابقة للوزيرة قبل نحو شهر عند مستوى 3.9 في المائة، وذلك مقارنة مع معدل نمو فصلي 3.6 في المائة في الفترة الموازية قبل عام. وتوقعت السعيد أن «يصل معدل النمو إلى أربعة في المائة بنهاية العام الحالي». موضحة أن تسارع النمو في الربع الثالث جاء نتيجة ارتفاع النمو في قطاعات الاتصالات والسياحة والتشييد والنقل والصناعات التحويلية.
وفي تقريره الشهري عن الآفاق الاقتصادية العالمية لشهر يونيو، قدر البنك الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري بواقع 3.9 في المائة في السنة المالية 2016 - 2017 التي تنتهي هذا الشهر، بما يتوافق مع التوقعات الحكومية. وتوقع البنك كذلك أن يرتفع معدل النمو إلى 4.6 في المائة العام المالي المقبل، وإلى 5.3 في المائة بحلول العام المالي 2018 - 2019، ليعود إلى مستويات ما قبل عام 2011. وتابع التقرير: «من المتوقع أن يبقى النمو في مصر قرب 4 في المائة في السنة المالية 2017، ثم يزيد في السنتين التاليتين مدعوما بتطبيق تدريجي لإصلاحات في بيئة الأعمال وتحسن القدرات التنافسية رغم ضغوط التضخم المرتفع على النشاط في الأمد القصير».
وفي المقابل، تزداد من جهة أخرى أعباء الديون داخليا وخارجيا، وقالت الوزيرة هالة السعيد أمس إن الدين الخارجي لمصر زاد إلى 71.8 مليار دولار بنهاية فبراير (شباط) الماضي، وبهذا يكون الدين الخارجي قد زاد نحو 4.478 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) وفبراير، ارتفاعا من مستوى 67.322 مليار دولار بنهاية عام 2016.
* بشائر تحسن
لكن رغم الديون وأعبائها، فإن البعض أيضاً يرى أن المرحلة الصعبة قد تكون شارفت على الانتهاء، مدللا على ذلك بإجراءات خلال الأيام الماضية لا يجب أن تفوتها العين الفاحصة، ومن بينها إعلان البنك المركزي المصري مساء الأربعاء عن إلغاء القيود المفروضة على تحويلات النقد الأجنبي،، والسماح للبنوك بتنفيذ طلبات عملائها بالتحويل للخارج دون حد أقصى، مع مراعاة الالتزام بقواعد الإفصاح والهوية من أجل مكافحة أي عمليات مشبوهة.. وذلك في إجراء يحدث للمرة الأولى منذ عام 2011، ويرى عدد من الخبراء أنه يعد بمثابة إعلان بانتهاء مشكلات الاقتصاد المصري، ويؤكد على قوة الموقف النقدي لمصر، التي عانت من تدهور خطير لاحتياطيها من النقد الأجنبي خلال أكثر من 5 أعوام.
أيضاً الحديث عن دراسات حكومية للتوسع في شبكة الحماية الاجتماعية لمساندة الفئات المجتمعية الأقل دخلا والتي ستتأثر بتطبيق المرحلة التالية من إجراءات الإصلاح الاقتصادي، يطمئن البعض أن الفئات الأكثر احتياجا لن يتم سحقها تحت وطأة الإصلاحات.
لكن صالح، الذي يعمل موظفا حكوميا صباحا وعامل مطعم مساء، يقول إن مشكلته هي كيفية المرور من براثن تلك الفترة العسرة بسلام.. وأضاف: «مشكلتي ومشكلة غيري أن الحكومة قررت فجأة أنها تعالج مصائب سنين بعلاج حاسم.. أنا ما عنديش مشكلة مع الحكومة، ومستعد أنا وغيري نستحمل.. بس كان لازم يفهمونا نعمل إيه خلال الفترة دي ونتصرف ونعيش إزاي، مش يسيبونا في وجه الطوفان من غير ما حد حتى يفكر يعلمنا العوم (السباحة)».



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.