كتاب لبنانيون: لماذا لا ينتقد المثقف نفسه؟

علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس
علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس
TT

كتاب لبنانيون: لماذا لا ينتقد المثقف نفسه؟

علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس
علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس

سماح إدريس: العرب والاستشراق المعكوس

كتب الكثير عن النكسة وتداعياتها، لكنني أعتقد أن أسوأ انعكاساتها هي في محاولة بعض المثقفين العرب، تأبيد هذه الهزيمة إلى حد، ليس اعتبارها قدراً محتوماً، وإنما أمر كامن في بنية ما يسمونه العقل والمجتمع العربيين. وكأنما هناك نوع من الاستشراق المعكوس نتبناه عن غباء العقل العربي، وعدم قدرة هذا الإنسان على تجاوز تخلفه، فصارت النكسة دائمة. هذا ليس فقط خيانة للدور الذي يفترض أن يؤديه المثقف، وإنما خيانة لكل فكرة التطور.
دور الثقافة هو تحسين الراهن. هناك في التاريخ العربي المعاصر ما يشجع العقلية المهزومة، سواء بالتركيز على اجتياح إسرائيل عام 1982، أو احتلال العراق، ثم تدمير الربيع العربي.
النظرة التشاؤمية المغرقة في جلد الذات، تتغاضى عما حققه العرب في أماكن أخرى وعلى رأسها ضرب إسرائيل في لبنان، وعجزها عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني ولو بالأمعاء الخاوية.
قد يبدو هذا الكلام كلاماً غير ثقافي وغير عقلاني، وسط كل الإحباطات. لكن لننظر إلى حقيقة أساسية هي أن العدو لم يكسرنا رغم كل تآمرنا وهزائمنا، ما زلنا قادرين على أن نرفع صوتنا، قادرين على الحياة، ولن نستسلم لما يفرض علينا. وما يجري الآن في العالم، أعتقد سيكون حافزاً جديداً لنا على النهوض. نحن إزاء تكون مجتمع دولي جديد، ليس قوامه الأمم المتحدة والحكومات الغربية والاستعمارية، وإنما حركات المقاطعة ضد إسرائيل التي تستقطب مئات آلاف الناشطين على المستويات الفنية والأكاديمية والكنائس الأميركية والأوروبية. وهذا مؤثر على ما يمكن أن يكون عليه العالم بعد سنوات، إذ سيكون مغايراً لما تريده الصهيونية التي استعبدته باسم الهولوكوست.
* الروائية علوية صبح: تنصّل المثقف
الأدب والفن جزء من التحولات الكبرى. وهزيمة 67، التي لا أحب أن أسميها نكسة، هزّت الوجدان العربي وزلزلت الكتاب والمثقفين، لكن أغلب النصوص التي كتبت على الأثر، هي نصوص مخذولة، ورثائيات. ساد الخطاب المهزوم، والذائقة ما عادت تتحمل سوى الانكسار وتوجيه الاتهامات إلى الأنظمة وهي تحملها مسؤولية الهزيمة.
لكنني أسأل نفسي: لماذا بقي المثقف يستثني نفسه من المحاسبة؟ لماذا لم يوجه نقداً لذاته؟
كشفت الهزيمة، كم أننا نعيش في مجتمعات لا قيمة فيها للفرد إلا حين يكون زعيماً، وهي عقلية لا تزال سائدة. استبدل المثقف العربي بعد 67 بخطابه النضالي آخر تنصلياً، ونقل بندقيته من كتف إلى آخر، وتحول من عبادة الشخص (الزعيم) إلى التعصب للأحزاب والآيديولوجيات والقوى التي صعدت بعد الهزيمة. في هذه الفترة رأينا ازدهار نجم القومية والبعثية والشيوعية والحركات الإسلامية، وصار المثقف خادماً لها وبدّل بخطابه المهزوم خطابات حزبية، عوضاً عن أن يكون ناقداً لهذه الأحزاب. وسادت على الأثر، الآيديولوجيا في الأدب، وابتعد المثقف عن مهمته في كشف المستور ووضع الأسئلة وأخذ بدلاً عن ذلك يقدم الإجابات. هكذا غرقت الكتابات الأدبية بالعقائد السياسية بدل أن تنشغل بالحياة.
يحضرني هنا، عملان مهمان عبرا عن صدمة المثقف أمام ما حصل بعد الهزيمة، أحدهما هو «حفلة سمر من أجل 5 يونيو (حزيران)» للرائع سعد الله ونوس الذي عبر فيه عن غضبه ونقده لما حصل، والآخر هو «ثرثرة فوق النيل» للكبير نجيب محفوظ. وهي رواية أدهشتني وأعتبرها واحدة من أهم ما كتب، فهي أشبه بقصيدة روائية. بطل محفوظ مختلف عن الذي نجده عند ونوس، فهو أشبه بمجذوب، إذ استبدل محفوظ بالتعبير عن الغضب، العبثية، واستغرق البطل في الملذات والهروب من الواقع.
مع صعود الأحزاب الآيديولوجية النضالية والثورية، ولد الحلم المسلح الحزبي بدل الفرد القومي أو الشيوعي أو الإسلامي، صار الإيمان عامة بالعقيدة الحزبية لا القناعة الذاتية، ثم انكسرت الحزبية وانهزمت أيضاً. وهنا لم يجرِ المثقف نقداً لدوره وبدل ذلك صار البطل الثوري هو الموضوع، وتميز الأدب بتمجيد المناضل، فيما أصبح الأديب مقاولاً أو خادماً للخطاب السياسي.
مستغرب أن المثقف الثوري حمّل الفن والثقافة مسؤولية هزيمة يونيو وتنطّح البعض ليحمّل أم كلثوم مثلاً الوزر، لأنها تغني أغنيات عاطفية، ووجدناها تنشد بعد الهزيمة «أصبح عندي الآن بندقية». هناك من حمل الرحابنة مسؤولية اختراع لبنان الصورة الحلم، وبالتالي كانوا من أسباب اندلاع الحرب الأهلية. مرة أخرى لم يلُم المثقف نفسه بشيء.
بالإمكان ذكر أسماء كثيرة، لكتاب معروفين انضووا تحت لواء أحزاب ودافعوا عن آيديولوجياتها، وتنقلوا بينها، ولم يقوموا بأي مراجعة ذاتية، بل على العكس، بعضهم تنصل حتى من نتاجه الذي كتبه خلال مرحلة يريد نكرانها. استبدل المثقف باستمرار خطاباً بخطاب آخر، وفي كل مرة لخدمة مشروع سياسي يعتبره منتصراً. وفي النهاية تُرمى المسؤولية على الحاكم، بينما الأدب في ماهيته وجوهره، هو عملية كشف للحجب ومقاربة للحياة وتعبير عن أعماقها.
* غسان علم الدين: القمع هو النكسة
لا يمكن الفصل بين تجربة الشريف حسين رغم نقاء فكرته في موالاته للإنجليز ضد العثمانيين، تبعاً لوعود مكماهون، الذئب الإنجليزي لاستقلال البلاد العربية ولم يحدث ذلك بالطبع، وتجربة عبد الناصر، مع الإشارة إلى بعض الاستثناءات الإيجابية في تجربته كالرؤية إلى المستقبل الاقتصادي وبناء المصانع... ولكن اعتماده على السوفيات ونصيحتهم شبه الخديعة، بألا يكون البادئ بالحرب، هي من أهم عوامل نكسة 1967. الاستبداد وإقصاء الخصوم لم ينعكس على هؤلاء فقط، بل أيضاً على أصحاب التجارب الإبداعية الكثيرة التي كانت لها رؤيتها وهمها الوطني أيضاً. تم تسفيه الجميع وزجهم في السجون، مثل الشعراء أمل دنقل، ونجيب سرور، وصلاح عبد الصبور، وآخرين كثر. جرى هذا في مصر وسوريا، أيام الجمهورية العربية المتحدة، وتجلى في الشبكات الأخطبوطية المخابراتية لصلاح نصر وعبد الحميد السراج. وعلى رغم جماليات إبداعية كثيرة أفضت إليها التعبئة العسكرية والسياسية (المناضلة) فإن إلغاء وسحقاً مخيفاً، حجب عنا حركات كانت تتفاعل في مصر ودول عربية أخرى، كالتي كانت تشق طريقها إلى عقول وقلوب الناس في أوروبا وفلسفاتها. حيث كان سارتر وسيمون دو بوفوار ودالي وليفي ستراوس ووليم بوروز؛ الوجودية، والتفكيكية، والتكعيبية، والانطباعية، والبتلز، والبلوز... وعوض أن يترك المجال للناس أن تأخذ مبادرتها لنفسها، تم ضبط ومراقبة كل ما يسمى المصنفات الأدبية والفنية. وحظر كل ما لا يتلاءم مع فكر الثورة التي انحصرت في المقاومة العسكرية لإسرائيل وأميركا والغرب. وكان المناوئون لهذا النهج، ومن تضرروا بفعل ما سمي ثورات من إسلاميين وغيرهم، يعملون عملهم ويضخون أموالاً طائلة، وأفكاراً تسري كالنار في الهشيم، خصوصاً أن دعاة الثورة والقومية العربية كانوا ينهزمون، الهزيمة تلو الأخرى في معاركهم التي جيشوا لها كل الطاقات وأهمها الاقتصادية، وأفضت إلى تجويع الشعوب العربية. إذ لا دعم ولا هبات، ولا الإنتاج القومي المحلي بقادر على سد إهراءات الجوع من الملبس والمأكل والسكن. جاءت نكسة 67 تتويجاً لذاك النهج الذي عاش في عروشه المستبدة بدل أن ينهمك، في صنع مجتمعات حديثة تتلاءم مع النقلات النوعية، على صعيد الإنتاج الفكري، والثقافي، والاقتصادي أو على صعيد ترك علاقات الشعوب العربية بين بعضها بعضاً، وجعلها تستفيد من الثورة الفرنسية التي كانت ولا تزال تعطي ثمارها في العالم أجمع، وتحرير العبيد في أميركا، وإعداد العدة لركائز يكون المواطن فيها سيد نفسه، يتمتع هو وأسرته ومجتمعه بمقومات الاكتفاء الذاتي. وكان أن خسرنا 80 في المائة من مساحة فلسطين التي جيشت كل الطاقات لاستردادها، وفوقها شبه جزيرة سيناء والجولان السوري ولاحقاً جنوب لبنان، فلا حكم الشريف حسين تحقق ولا حكم القوميين العرب وعبد الناصر. مع الأول جرى تقسيم العالم العربي ومع الثاني خسرنا مزيداً من أرضنا، ووجدنا أنفسنا أمام أسهل الخيارات التي كانت تتحرك على الأرض: التطرف الديني.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».