50 عاما على حرب 67 : الاستيطان... بدأ بضم القدس و14 قرية فلسطينية

إسرائيل تحيي انتصارها العسكري الأكبر بينما تزحف نحو دولة ثنائية القومية

جنود الجيش الإسرائيلي يعاينون الدمار الذي خَلَّفَه عدوان يونيو 1967 في أحد شوارع القدس (أ.ف.ب)
جنود الجيش الإسرائيلي يعاينون الدمار الذي خَلَّفَه عدوان يونيو 1967 في أحد شوارع القدس (أ.ف.ب)
TT

50 عاما على حرب 67 : الاستيطان... بدأ بضم القدس و14 قرية فلسطينية

جنود الجيش الإسرائيلي يعاينون الدمار الذي خَلَّفَه عدوان يونيو 1967 في أحد شوارع القدس (أ.ف.ب)
جنود الجيش الإسرائيلي يعاينون الدمار الذي خَلَّفَه عدوان يونيو 1967 في أحد شوارع القدس (أ.ف.ب)

كان قرار ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل، هو أكبر قرار استيطاني اتخذته إسرائيل منذ 50 عاماً. فمساحة القدس كانت يومها 6 آلاف دونم، لكن الحكومة ضمت معها 64 ألف دونم أخرى، تمتد شمالاً وشرقاً وجنوباً، وبضمنها 14 قرية فلسطينية. ومن هنا بدأت النقاشات حول الاستيطان اليهودي في بقية المناطق (أي في الضفة الغربية والجولان وسيناء)، علماً بأن القانون الدولي، يحرم على المحتل أن ينقل مواطنيه للسكن في المناطق المحتلة.
يكتب ثيودور ميرون، أحد أبرز الحقوقيين في العالم، الذي كان مستشاراً قانونياً لوزارة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، مذكرات في أواخر 1967 وأوائل 1968، يوضح فيها موقفه من المستوطنات. فيقول، في رسالة مرفقة بمذكرة سرية موجهة إلى السكرتير السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك: «خلاصة رأيي أن استيطان المدنيين في الأراضي الخاضعة للإدارة، يتعارض مع النصوص الصريحة لاتفاقية جنيف الرابعة».
وشرح ميرون الذي يعيش الآن في الولايات المتحدة، أسبابه، في صفحات عديدة، لكنها تلخصت كلها في كون إسرائيل إحدى الدول الموقعة على اتفاقية جنيف، التي تحظر نقل مواطنين من دولة الاحتلال إلى الأرض المحتلة. وكتب يقول إن «أي دفوع قانونية سنحاول إيجادها، لن تصمد أمام الضغط الدولي الذي سيمارَس علينا، حتى من جانب الدول الصديقة التي ستؤسس موقفها على اتفاقية جنيف الرابعة». وأوضح أن السبيل الوحيد الذي يراه ممكناً لإقامة مستوطنات لها مبرراتها القانونية، هو أن تكون معسكرات مؤقتة «يقيمها الجيش لا كيانات مدنية»، وحتى هذه الحجة قال إنه لا يحبذها.
ولكن الحكومات الإسرائيلية تبنَّت الفكرة، وبدأت فعلاً في السماح للمستوطنين اليهود بالسكنى في مواقع تابعة للجيش، تحولت، فيما بعد، إلى مستوطنات رسمية. ويختلف الإسرائيليون بل يتسابقون للفوز بمكانة صاحب الفضل في إقامة المشروع الاستيطاني. فحزب العمل، الذي يعتبر اليوم «معارضة يسارية»، يقول إنه صاحب الفضل، ولكنه فعلها بشكل مراقب لا يمنع قيام دولة فلسطينية. في حين أن اليمين الحاكم، يعتبر «العملية» الاستيطانية الحقيقية تمت سنة 1977، مع الانقلاب الذي أسقط حكم اليسار، وجاء باليمين بقيادة مناحيم بيغن إلى الحكم. ويقول عضو الكنيست إيتان بروشي، من حزب العمل: «نحيي، خلال الأسبوع المقبل، الذكرى اليوبيلية الخمسين لحرب الأيام الستة، وكلما اقترب موعد هذه الذكرى، يحاول اليمين ادعاء تملّكه للحدث التاريخي، والاحتفاء به في معركته للسيطرة على الوعي. ولن أستغرب إن سمعت عما قريب، ادعاءات تقول إن اليمينيين كانوا هم، عملياً، مَن خططوا لهذا النصر في عام 1967. فاليمين قام بادعاء تملُّكِه التام لقيم الاستيطان، وهو من يدعي اليوم تمثيله لروح الصهيونية (الحقيقية)، وهؤلاء يدّعون، وبالطبع فهم وحدهم من يفهمون في الأمن. إن أبناء التيار اليميني، في الواقع، هم المسؤولون عن تشويه القيم الاستيطانية، وعن تحويل الصهيونية من حركة قومية إلى حركة قومجية ميسيائية خلاصية مهدوية (تؤمن بالغيب، وترى في عملها تقرُّباً إلى الله وتقريباً للخلاص الموعود)، وقد كان جلّ ما أنجزه اليمين، هو فقداننا لغالبية الإنجازات الأمنية، الاستراتيجية والسياسية التي نجحت إسرائيل في تحقيقها أثناء حرب الأيام الستة».
ويضيف بروشي: «ينبغي علينا أن نكون دقيقين: الاستيطان والأمن هما، أولاً وقبل كل شيء، قيم أساسية ومكونة في وعي وفكر الحركة العمالية الصهيونية. والدليل على ذلك، أننا قمنا، في يوليو (تموز) من العام 1967، أي بعد شهر من انتهاء الحرب، ببناء كيبوتس مروم غولان (مستوطنة إسرائيلية في الجولان الذي تم احتلاله آنذاك)، وكانت أولى بوادر الازدهار الأول لروافع الاستيطان في هضبة الجولان، وفي غور الأردن، وفي شمال البحر الميت، بريادة الحركة الكيبوتسية وحركة الموشافيم اليسارية. لقد كان أعضاء الحركة الكيبوتسية هم أول من ذهبوا إلى الجولان، واستوطنوا أيضاً في أماكن قليلة الكثافة الديموغرافية، وتعد حيوية وضرورية لأمن الدولة. وهنا يكمن الفرق الواضح بين الفعل الصحيح والتشويه... لقد رأت الحركة العمالية في الاستيطان قيمة هدفها الإسهام في أمن الدولة، والمساعدة في الصراعات الدبلوماسية المرتقبة أمامها.
أما اليمين، في المقابل، فقد رأى في الاستيطان آليةً للإفشال الموجَّه ضد أي محاولة للتوصل إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأداة لتحقيق الأحلام بأرض إسرائيل الكبرى، بصبغات دينية، خلاصية. هناك مثال على هذا الفرق البنيوي والكينوني بين الحالتين، هو مخطط ألون. فبعد أيام معدودة على انتهاء المعارك، وحين كانت الدولة بأسرها ثَمِلة بنشوة انتصار الأيام الستة، تمعن يغئال ألون في الوضعية الجديدة، وحللها بحسب المصالح العملانية لدولة إسرائيل، وقد حسم الأمر تجاه تنازل عن الأراضي. لقد دمج مخطط ألون بين الاهتمام بأمن إسرائيل والحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين. كانت تلك الرؤية جديدة في ذلك الوقت. لقد رسّم مخططه درب الحركة الصهيونية منذ ذلك الوقت وحتى الأبد، الرؤية التي سعت إلى عودة اليهود إلى وطنهم، وإلى الاستيطان. الرؤية التي، على الرغم من كل ما سبق، وفي تلك اللحظات الحاسمة، أيدت التوصل إلى تسوية سياسية وتقسيم البلاد. هذا ما حدث أيضاً عشية صدور قرار الأمم المتحدة في عام 1947، وبفضل ذلك قامت الدولة. هذه هي أيضاً رؤية حزب العمل: الأمن، الاستيطان، والقدرة على التوصل إلى تسوية. لو ووفق على مخطط ألون في ذلك الوقت، لكانت إسرائيل اليوم في وضع أفضل من ناحية أمنية، سياسية، وأخلاقية. ولأسفنا الشديد، لم تتم الموافقة على هذا المخطط، ولكن، وعلى مر سنوات السبعينات، عمل حزب العمل بحسب مبادئ مخطط ألون؛ فقد دعم الاستيطان في كل من هضبة الجولان، غور الأردن، شمال البحر الميت، وعلى امتداد سلسلة الجبال الرئيسية، وامتنع عن الاستيطان في المناطق المكتظة بالفلسطينيين.
مع صعود الليكود إلى السلطة في عام 1977 تم تنفيذ السابقة التاريخية المتمثلة في تشييد مستوطنة «ألون موريه» (المستوطنة اليمينية الدينية الأولى التي تم إنشاؤها في الضفة الغربية) هذه هي المستوطنة التي أطلقت موجة الاستيطان في سائر أرجاء يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، والتي تعارضت مع مخطط ألون ومع أي منطق سياسي - أمني. هكذا وصلنا إلى الحالة القائمة اليوم: تحيي دولة إسرائيل ذكرى خمسين عاماً على انتصارها العسكري الأكبر وهي تسير بأحداق مفتوحة نحو مصير الدولة ثنائية القومية.
ويختتم بروشي: «قال ألون ذات مرّة: (ستشتاقون إلى مخطط ألون)، ورد عليه مناحيم بيغن (الليكود) قائلاً: (ستكون كثير من مستوطنات ألون موريه)، وقد صدق الزعيمان. نعيش اليوم في ظل توتر بين الرؤيتين. لقد رأى ألون في انتصار الأيام الستة فرصة لترسيم حدود الدولة، والتوصل إلى ترتيبات سلمية، ومنع تحقق الدولة ثنائية القومية. أما المعسكر الصهيوني، وهو من يسير على خطى بن غوريون، ألون، ورابين، فهو ملتزم بمواصلة السعي من أجل ترسيم حدود الدولة وفقا لمخطط ألون. علينا أن نؤكد أننا سنحمي المستوطنات في الخطوط الحيوية ونحتفظ بها، ونؤمن حاجاتنا الأمنية، ما من نية لدينا للتخلي عن أي مركّب أمني، ولكننا مع ذلك سنسعى إلى تسوية سلمية. على مشارف سبعين عاماً من الاستقلال، آن الأوان لنتحرر من عبودية خمسين عاماً من أرض إسرائيل الكبرى، ولكي نلجأ إلى عهد الحرية والسلام، وعهد الدولة اليهودية الديمقراطية التي تضمن أمنها وتضمن لنفسها أفقاً دبلوماسياً واعداً. عند ذلك فقط ستكون إسرائيل دولة قوية وعادلة أيضاً».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.