رياض حجاب: بداية تحالف عسكري لدعم السوريين... وإيران ترد بحشود غير مسبوقة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن «جبهة النصرة» تلبس «أقنعة باهتة» لتنظيم «القاعدة»

رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
TT

رياض حجاب: بداية تحالف عسكري لدعم السوريين... وإيران ترد بحشود غير مسبوقة

رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
رياض حجاب («الشرق الأوسط»)

قال المنسق العام لـ«الهيئة التفاوضية العليا» السورية المعارضة، رياض حجاب، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، إنه يلاحظ لأول مرة «معالم حراك إقليمي فاعل، وتشكل تحالف عسكري واعد يتمتع بقيادة حازمة وطرح ميداني يهدف إلى رفع المعاناة عن الشعب السوري بعدما أخفقت الدبلوماسية الدولية»، لافتا إلى وجود «تدفق غير مسبوق للأسلحة في سوريا، وحشود غير مسبوقة لإيران وميليشياتها، وهناك عمليات انتشار وإعادة تموضع تقوم بها سائر القوى الفاعلة، حيث لا تلوح لنا في الأفق بوادر توافق دولي على أي من المشروعات المطروحة للتهدئة أو وقف القتال».
وقال حجاب في الحديث الذي جرى عبر الهاتف إن «هيئة تحرير الشام» و«فتح الشام» هي «أقنعة باهتة» لـ«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة الذي «لم يحل في أرض إلا دمرها، وكان وبالاً على أهلها»، داعياً «جميع العناصر الخارجية إلى مغادرة بلادنا، وندعو الشباب المغرر من أبنائنا إلى العودة لصوت العقل ونبذ أوهام التطرف وخزعبلات الفتاوى المارقة». وهنا نص الحديث.

* بعد لقائكم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل، كيف ترون الموقف الأوروبي؟ هل أنتم واثقون أن باريس ستبقى ملتزمة العمل على الانتقال السياسي في سوريا في ظل حكم ماكرون؟
- من المبكر الحكم. أوروبا خرجت للتو من سلسلة انتخابات شكل فيها اليمين تحدياً للمنظومة التقليدية القائمة منذ عقود. كما أنها تصارع من أجل المحافظة على استقرارها السياسي والاقتصادي، وتخفيف الأضرار الناجمة من قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكن تنامي مشكلات الهجرة واللجوء، ومخاطر الجماعات الإرهابية المتطرفة، وغيرها من التحديات تفرض عليها السعي للعب دور بارز في الملف السوري.
باريس كانت ولا تزال أحد أوثق أصدقاء الشعب السوري، وقدمت لنا الكثير من الدعم الدبلوماسي، وهي أحد أبرز مكونات التحالف الدولي ضد الإرهاب، وزادت في الآونة الأخيرة من تواجدها العسكري عبر إرسال فرق من القوات الخاصة؛ ما يؤكد التزامها القيام بدور أكثر فاعلية على الأرض. ولا شك أن حرص الرئيس ماكرون على استقبالنا وتأكيد التزامه معالجة الملف السوري، وما صدر عنه من تصريحات تؤكد عزم فرنسا على منع النظام من تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، والإصرار على مغادرة بشار الأسد وزمرته؛ وغيرها من مواقف شجاعة تمثل في مجملها مؤشرات قوية على استمرار فرنسا في خطها الداعم للمطالب العادلة للشعب السوري.
كذلك الحال بالنسبة إلى الحكومة الألمانية التي تصدرت في الكثير من ملفات الأزمة السورية، وبخاصة فيما يتعلق باستقبال اللاجئين وفي دعم المسارات التفاوضية، بدا من الواضح في اجتماعاتنا الأخيرة مع مختلف المسؤولين في برلين أن الحكومة الألمانية عازمة على ممارسة دور فاعل، ونشعر بالكثير من الامتنان للدعم الألماني لمواقفنا في الأمم المتحدة وفي غيرها من المحافل الدولية.
* هل يمكن أن تفعل الدول الأوروبية شيئاً من دون أميركا؟
- من غير الممكن لأي دولة أن تتحرك منفردة في المشهد السوري. ساحة الصراع باتت أكثر تشابكاً وتعقيداً، وهناك تحالفات وتقاطعات يصعب تجاوزها على الصعد السياسية والعسكرية. والحكومات في ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية تعكف على صياغة سياستها الخارجية، وعلى إعادة تقييم تهديداتها الأمنية التي تمثل تفاعلات الأزمة السورية أحد محركاتها. كما أنها منخرطة في دبلوماسية حثيثة لتنسيق المواقف بينها كدول أوروبية، وكذلك في مد خطوط التواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة التي لا تزال خطتها العسكرية في سوريا غير واضحة المعالم.
* كيف انعكست زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الرياض والقمم هناك على دعم المعارضة السورية؟
- بصورة كبيرة. لأول مرة منذ التدخل الميداني السافر لحلفاء النظام يلمح السوريون معالم حراك إقليمي فاعل، وتشكل تحالف عسكري واعد يتمتع بقيادة حازمة وطرح ميداني يهدف إلى رفع المعاناة عنهم بعدما أخفقت الدبلوماسية الدولية في تحقيق ذلك خلال السنوات الماضية.
الرياض تمثل بيضة القبان في الميزان العسكري والأمني في الشرق الأوسط، حيث دأبت على معالجة الأزمات وإطفاء الحرائق التي تشعلها إيران في المنطقة، ولا شك أن إعلان تشكيل التحالف الإسلامي في الرياض يمثل الخطوة الأولى لإنقاذ المنطقة من تهديد الميليشيات الطائفية والجماعات المتطرفة العابرة للحدود، وتوفير صمام أمان لبعض الجمهوريات التي تعاني من انهيار مؤسساتها العسكرية جراء الأحداث التي شهدتها في السنوات الماضية. لا شك في أن التحالف الجديد سيكون له دور كبير في استعادة التوازن وجعل المناطق الآمنة حقيقة على الأرض. ولا بد من التأكيد في هذا المجال على أن زيارة ترمب لم تكن سوى تدشين لعمل شاق قام به فريق واعد يتمتع برؤى استراتيجية بعيدة الأفق.
إضافة إلى الدعم المعنوي المتمثل في استعادة الأمل بإمكانية اتخاذ الأصدقاء إجراءات ميدانية لوقف معاناة السوريين؛ يمكن ملاحظة تحرك عجلة التغيير في المنطقة، حيث اندفعت إيران وحلفاؤها إلى إعادة التموضع بعدما تراجعت ميليشياتها أمام تقدم المعارضة في نقاط استراتيجية عدة.
* ما موقفكم من الأنباء عن دخول «الحشد العراقي» إلى سوريا؟
- نتابع أنباء دخول «الحشد العراقي» إلى سوريا، والذي يأتي ضمن استراتيجية إعادة تموضع شاملة تنفذها إيران في الجنوب السوري وعلى الحدود السورية - العراقية، ولا شك في أن ذلك يأتي ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى إفساد التوافقات الدولية لإنشاء مناطق آمنة في البلاد. نعتبر الحشد العراقي قوة احتلال مثلها مثل جميع الميليشيات الطائفية وجماعات المرتزقة الذين جلبتهم إيران من مختلف البلدان لمشاركة النظام في جرائمه ضد الشعب السوري الأعزل، ودعونا، ولا نزال ندعو، إلى خروج سائر القوات الأجنبية وإحلالها بقوات حفظ سلام أممية تشرف على وقف القتال وتضمن امتثال سائر الأطراف بذلك.
وننبه في اتصالاتنا مع سائر الأصدقاء والأشقاء إلى المخاطر الإقليمية والدولية لعملية الانتشار الأخيرة التي تنفذها الجماعات التابعة لإيران، وما يمكن أن تجلبه من فوضى على المنطقة بأسرها.
* قيل أن هناك تحركاً أميركياً لإضعاف نفوذ إيران، هل جرى أي تنسيق معكم؟
- نحن على اطلاع بتوجهات واشنطن إضعاف النفوذ الإيراني، وناقشنا ذلك مع المسؤولين عن الملف السوري في وزارة الدفاع (البنتاغون)، لكن تفاصيل الخطة الأميركية لا تزال غير واضحة، كما أن الاستعدادات الأميركية لمواجهة انسياب الميليشيات العراقية واللبنانية وغيرها من المجموعات الطائفية لا تزال محل تساؤل؛ وذلك نظراً لتباطؤ رد الفعل، وعدم اتخاذ إجراءات كافية لوقف ذلك الانتشار، والاقتصار في الوقت الحالي على التصريحات الإعلامية والضربات الموضعية التي يبقى أثرها محدوداً على الأرض.
الحقيقة هي أن التحديات الميدانية تتزايد بصورة كبيرة في ظل دخول الروس طرفاً في عمليات إعادة التموضع والانتشار، ويتطلب الأمر موقفاً دولياً حاسما، وهذا ما نناقشه مع الحلفاء والأصدقاء.
* لديكم موقف رافض لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي تدعمها أميركا ضد «داعش»، لكن تراهنون بالوقت نفسه على أميركا؟
- لا نراهن على أميركا، بل نراهن على تشكيل تحالف دولي فاعل يضع حداً لأكبر كارثة إنسانية تشهدها البشرية في القرن الحادي والعشرين، ويأخذ على يد الظالم، ويدعم المطالب العادلة لشعبنا. نحن في صراع مركب تتداخل فيه الأطراف، وتتباين المواقف، وتختلف الوجهات، وعلينا إدارة ذلك الصراع فيما يحقق القدر الأكبر من المكاسب لشعبنا ويدرأ عنه القدر الأكبر من الخسائر، ولا بد من الاعتراف بأن الظاهرة الأكثر بروزاً في الوقت الحالي تتمثل في التباين بين مختلف المؤسسات الأميركية الفاعلة على الأرض؛ الأمر الذي يتيح لنا استثمار خطوط الصدع وتباين التوجهات داخل مؤسسات اتخاذ القرار لتحقيق مصالح السوريين.
المواقف الأميركية تباينت في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بمسارات الدعم السياسي والعسكري وبقاء الأسد أو مغادرته، وفي نمط التفاهمات والتحالفات. الإدارة الجديدة تمر بمرحلة تحول في تحديد الموقف من الأزمة السورية، كما أنها تخوض صراعات داخلية في واشنطن، وينعكس ذلك بصورة واضحة على تعاملها مع الملف السوري.
موقفنا ثابت في الإصرار على رحيل الأسد وزمرته ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين وعلى صيانة وحدة الأراضي السورية ورفض مشروعات التقسيم الطائفي أو الإثني، ونسعى إلى إنشاء حراك محلي ودولي داعم لهذا التوجه، ولا يمكن أن نقبل بأي صفقة تجتزئ بلادنا أو تنتهك وحدتها تحت أي ظرف.
* «جبهة النصرة»... وجنيف
* ما موقفكم من «جبهة النصرة» باسميها الجديدين «هيئة تحرير الشام» و«فتح الشام»؟
- هي كلها أقنعة باهتة لتنظيم «القاعدة» الذي لم يحل في أرض إلا دمرها، وكان وبالاً على أهلها. ندعو جميع العناصر الخارجية إلى مغادرة بلادنا، وندعو الشباب المغرر من أبنائنا إلى العودة لصوت العقل، ونبذ أوهام التطرف وخزعبلات الفتاوى المارقة، وندعو المجتمع الدولي إلى وضع حد للقتل والظلم والتعصب والكراهية والطائفية والتمييز وغيرها من العوامل التي تشكل بيئة للتطرف ومحضناً لجماعات الإرهاب الدولي.
* هل تعتقد أن عملية جنيف في الوقت الراهن مهمة، أم أن التركيز كله على العمليات العسكرية على الأرض؟
- لا شك في أن عملية جنيف مهمة. هي تمثل مقياس تطور الأحداث على الأرض وهي المسار السياسي الوحيد الذي يتمتع بالشرعية الدولية، ويقوم على أساس مجموعة من القرارات الأممية التي توافق عليها المجتمع الدولي. نحن ملتزمون إنجاح الوساطة الأممية والتعاون المطلق مع جميع الجهود المخلصة لوقف الانتهاكات التي يرتكبها النظام وحلفاؤه ضد السوريين.
المشكلة الأساسية تكمن في سعي النظام وحلفائه لإفشال الوساطة الأممية بشتى السبل. من ذلك، التصعيد على الأرض كلما انعقدت جلسة مفاوضات جديدة، وتوظيف الجلسات في جنيف كفرصة للترويج الإعلامي للنظام وكسر عزلته، والإمعان في التلكؤ وإضاعة الوقت في محاولة يائسة لتحقيق حسم عسكري بعيد المنال.
وعندما ضاقت الأمور على النظام وحلفائه في عرقلة مسار جنيف؛ بادروا إلى إنشاء وعاء دبلوماسي رديف يهدف إلى معالجة الأمور الميدانية لإفراغ الوساطة الأممية من محتواها من جهة، وفرض الأمر الواقع عبر محاولة التوصل إلى تفاهمات إقليمية تعترف بالوجود العسكري لإيران وجماعاتها المتطرفة العابرة للحدود من جهة أخرى، علماً بأن النظام هو المستفيد الأكبر من إنشاء مرجعية بديلة عن جنيف لأنه يرغب في تجنب التغيير الحتمي وتفادي تطبيق القرارات الأممية التي تقوم جنيف على أسإسها كمرجعية، والتي لا تخدم النظام ولا تحقق أجندته الدموية.
* أين دور «الهيئة التفاوضية» في مسار «آستانة» الذي ترعاه روسيا وتركيا وإيران؟ هل بالفعل بات الدور للفصائل المسلحة؟
- نحن في خضم المعترك الدبلوماسي، ولن نخلي ساحة الصراع السياسي للخصم وسنلاحقه أينما ذهب، ولن نتوقف حتى تتحقق المطالب العادلة لشعبنا. رغم ما يشوب «آستانة» بصفتها وعاءً دبلوماسيا رديفا للوساطة الأممية؛ قررنا خوض غمار المعترك السياسي، وذلك من خلال توجيه الفريق المفاوض للذهاب وتشجيعه على المشاركة الفاعلة، وتقديم النصح والمشورة والإرشاد لأعضائه، ونجحنا في تحديد سقف «ميداني» في آستانة بحيث لا تتجاوز دورها أو تحاول الأطراف «الراعية» من خلالها التوصل إلى تسوية سياسية خارج دائرة المظلة الأممية.
ولا يخفى عليكم أن الكثير من الفصائل المشاركة في اجتماعات آستانة تمثل أبرز مكونات «الهيئة العليا».
* هل أنت قلق من أن سوريا ستقسم انطلاقا من مناطق «خفض التصعيد» الأربع؟
- يصعب تقديم إجابة مبسطة على هذا التساؤل، الجميع يتحدث عن: «إنجاح جهود الهدنة»، وإنشاء «مناطق آمنة»، وفرض «مناطق خفض تصعيد»، لكن الواقع على الأرض يختلف تماماً عما يصدر من تصريحات، هناك تكديس غير مسبوق للأسلحة التي أصبحت تتدفق في الآونة الأخيرة على مختلف أطراف الصراع، وهنالك حشود غير مسبوقة لإيران وميليشياتها، وهناك عمليات انتشار وإعادة تموضع تقوم بها سائر القوى الفاعلة، ولا تلوح لنا في الأفق بوادر توافق دولي على أي من المشروعات المطروحة للتهدئة أو وقف القتال. نأمل في أن يهيمن صوت العقل، وأن يكون للتحالف الإسلامي دور في إعادة التوازن ووقف القتال وإنشاء نظام مراقبة فاعل لضبط الامتثال، وأن يتم ذلك بعيداً عن محاولات بعض القوى الطامعة التوصل إلى اتفاقيات جانبية لاقتسام سوريا بينها إلى مناطق نفوذ.
* ظهر في الفترة الأخيرة انقسام إضافي في جسم المعارضة السياسية والعسكرية، كيف تقوم واقع المعارضة؟
- فكرة المعارضة في جميع الممارسات السياسية تقوم على تعزيز التنوع والتعدد واختلاف الرؤى، ولا يمكن إنشاء «جسد معارض» بالمعنى الحرفي لهذا المصطلح؛ لأن الفكرة من وجود جماعات متعددة للمعارضة هو توفير خيارات وبدائل وليس إنشاء كيان موحد.
التحدي الأكبر يكمن في أمرين أساسيين: أولهما، تحديد حد أدنى لمبادئ تتفق عليها جميع أطراف المعارضة، وهذا ما حققه مؤتمر الرياض من خلال وثيقة التأسيس التي تم إقرارها بالإجماع. الآخر، التوصل إلى حالة من التعاون والتنسيق لتحقيق الأهداف المشتركة، وهنا يقع مكمن الخلل؛ إذ إن الجهد الأكبر انصب منذ اللحظة الأولى لتأسيس «الهيئة العليا للمفاوضات» التوصل إلى نمط من التنسيق والعمل المشترك ومنع تحول التنوع والاختلاف إلى خلاف يعرقل تحقيق أهداف الثورة.
ولا بد من الاعتراف بأن تباين التوجهات واختلاف جهات الدعم، ومحاولات بعض المكونات فرض وجهات نظرها أو ممارسة دور الوصاية عبر الاستئثار بالنصيب الأكبر من التمثيل، وما إلى ذلك من المظاهر السلبية في أداء المعارضة فوتت علينا الكثير من الفرص، وبخاصة أن بعض الجهات الخارجية تراهن على كسر شوكة المعارضة والتشكيك في تمثيلها للمطالب العادلة للشعب السوري، وتسعى إلى إدخال عناصر لا يمكن اعتبارها جزءاً من المعارضة من حيث الممارسة أو المفهوم.
«الهيئة العليا» أخذت على عاتقها منذ اللحظة الأولى لتأسيسها تقريب وجهات النظر واستيعاب جميع الأطراف وتمثيل مختلف المكونات، ورأب التصدعات التي تظهر بين الفينة والأخرى، ونالنا الكثير من حملات التشويه والتخوين من قبل بعض الجهات التي دخلت المعترك السياسي حديثاً، ولا تزال قاصرة دون استيعاب مقتضيات العمل الدبلوماسي والممارسة الاحترافية.
بروز هذه الظواهر هو أمر طبيعي في المراحل الأولى لتشكل الكيانات السياسية الوليدة، ولا تثنينا هذه التحديات على الاستمرار في جهودنا الحثيثة لرأب الصدع، وعلى تذكير الجميع بضرورة التحلي بروح المسؤولية وبمقتضيات العمل المشترك فيما يحقق الصالح العام.
* ألا تظن بضرورة إقدام المعارضة على مراجعة خطابها وتحالفاتها في ضوء التغييرات في سوريا والإقليم والعالم؟
- لا شك في أن المعارضة خسرت على الصعد السياسية والميدانية والشعبية بسبب استشراء الخلاف بينها، وفقدانها موازنة الأولويات، وضعف استيعابها متطلبات المرحلة.
نعم. نحن في حاجة ملحة إلى مراجعة خطابنا السياسي، وإلى تصحيح مسار حراكنا الدبلوماسي، وإلى صياغة تحالفاتنا وأدوات ممارستنا.
كما يتعين علينا إعادة رسم خريطة علاقاتنا الداخلية والخارجية على ضوء التحولات العميقة التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية، وأن تنطلق جهودنا من ضرورة تحقيق التمثيل الشعبي داخلياً وحيازة الشرعية والاعتراف الدولي خارجياً. لكن قبل ذلك علينا أن نعمل على حل الخلافات داخل أجساد بعض مكونات المعارضة، التي تمنعها من إقامة علاقات صحية فيما بينها وبين المكونات الأخرى، وعلينا معالجة الكثير من الظواهر السلبية كظاهرة الاقتتال بين الفصائل على سبيل المثال، وأن نتوافق فيما بيننا على إيجاد آليات ناضجة للتعاون والتنسيق فيما يحقق مصالح الشعب، وليس مصالح بعض الفئات التي فقدت البوصلة وانخرطت في معارك هيمنة واستحواذ ضد شركائها بدلاً من أعدائها.



مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.


مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

عرضت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء» العراقية المسلحة المدعومة من إيران هاشم فنيان رحيمي السراجي، التي تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية.

وقالت وزارة الخارجية في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، الخميس، إن البحث جارٍ عن السراجي المعروف أيضاً باسم أبو آلاء الولائي، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وجاء في المنشور أن «كتائب سيد الشهداء»، «قتلت مدنيين عراقيين وهاجمت منشآت دبلوماسية أميركية في العراق، بالإضافة لمهاجمة قواعد عسكرية أميركية وأفراد في العراق وسوريا».

وعرض المنشور إمكان الإقامة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المكافأة المالية لمن يدلي بمعلومات عنه.

والسراجي أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي» المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من إيران ويشكّل الكتلة الأكبر في البرلمان.

وتستهدف جماعات مدعومة من إيران السفارة الأميركية في بغداد ومنشآتها الدبلوماسية واللوجستية في المطار، بالإضافة إلى حقول نفط تديرها شركات أجنبية.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي استمرت أكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار للحشد الشعبي ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فيما استهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وكثّفت واشنطن ضغطها على بغداد لمواجهة الفصائل الموالية لطهران من خلال تعليق شحنات النقد وتجميد تمويل برامج أمنية في العراق.