عصر النهضة واستيقاظ أوروبا

مأساة العرب أن عصورهم الوسطى جاءت بعد نهضتهم وتنويرهم

آلان تولون
آلان تولون
TT

عصر النهضة واستيقاظ أوروبا

آلان تولون
آلان تولون

يقدم لنا البروفسور آلان تالون في هذا الكتاب صورة بانورامية عن عصر النهضة الأوروبية. والباحث المذكور هو أستاذ في جامعة السوربون ومؤرخ حداثي للتاريخ الديني والتيارات الفكرية الأوروبية إبان القرن السادس عشر على وجه الخصوص. وهو قرن استيقاظ أوروبا كما هو معلوم وخروجها من ظلاميات العصور الوسطى وأصوليتها المسيحية، كما أنه قرن الإصلاح الديني للمسيحية. وفيه يقدم لنا صورة دقيقة عن ذلك العصر المجيد الذي مشى بالبشرية الأوروبية خطوات واسعة نحو الحداثة والنور والتحرر من اللاهوت والكهنوت.
ونفهم منه أن مفهوم عصر النهضة في معناه الأولي يعني تلك الحركة الثقافية التي ظهرت في إيطاليا بداية القرن الرابع عشر قبل أن تنتشر في كل أنحاء أوروبا في نهايات هذا القرن بالذات. ويرى البعض أن عصر النهضة يتوسط بين العصور الوسطى المسيحية - والعصور الحديثة العلمانية والفلسفية. وبالتالي، فهو يقف بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن مفكري عصر النهضة كانوا حاقدين على العصور الوسطى الكهنوتية؛ لأنها قضت على الفلسفة الإغريقية بحجة أنها وثنية إلحادية. والواقع أن هؤلاء المفكرين كانوا يشعرون بأنهم يولدون من جديد بعد أن خرجوا من ظلاميات الكهنة المسيحيين واكتشفوا آداب الإغريق والرومان وفلسفتهم. كما اكتشفوا آداب العرب وفلاسفتهم الكبار من أمثال ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن طفيل وابن باجة الخ... وبالتالي؛ فللعرب فضل كبير على نهضة أوروبا. وكل هذه الآداب الفلسفية كانت القرون الوسطى المسيحية قد طمستها كلياً تقريباً بحجة أنها خارجة على الاعتقاد الديني.
وربما كان بترارك أول مفكر وكاتب نهضوي أوروبي (1304 ـ 1374). ومعلوم أنه كان منفتحاً على آداب الإغريق والرومان كل الانفتاح. ولكنه في الوقت ذاته كان مشدوداً إلى المسيحية، عقيدة آبائه وأجداده. وبالتالي؛ فقلبه كان مع الدين وعقله مع الفلسفة إذا جاز التعبير. وعندئذ ظهر مصطلح الدراسات الإنسانية معارضة لها بالدراسات اللاهوتية والدينية. وكان المقصود بها الدراسات المتركزة على كبار أدباء وشعراء وفلاسفة العصور القديمة السابقة على المسيحية: كهوميروس، وأفلاطون، وأرسطو، وفرجيل، وشيشرون، وعشرات غيرهم.
وبقدر ما كانت العصور الوسطى المسيحية تهملهم وتكفرهم لأنهم وثنيون راح مفكرو عصر النهضة يهتمون بهم ويجعلون من عملية اكتشافهم ودراستهم أكبر رسالة لهم في الحياة. ولذلك؛ شعر فلاسفة عصر النهضة بأنهم يعيشون مرحلة جديدة من التاريخ. شعروا وكأنهم قد استيقظوا على التاريخ بعد سبات طويل.
وقد عبر عن ذلك أحسن تعبير أحد كبار مفكري عصر النهضة الإيطالية مارسيل فيشان عندما قال: أشعر بأني أعيش عصراً ذهبياً أعاد الفنون الليبرالية إلى النور: أي علم الفصاحة والنحو، وفن الرسم والنحت، وفن العمارة، والموسيقى... ومعلوم أن مارسيل فيشان كان من كبار فلاسفة عصر النهضة (1433 ـ 1499) ومن أكبر المعجبين بأفلاطون. وقد أسس المدرسة الأفلاطونية في مدينة فلورنسا إبان عصر النهضة.
أما الكاتب الشهير رابليه (1494ـ 1553) فكان من كبار مفكري عصر النهضة الفرنسية. وقد تحدث عن تلك القطيعة الكائنة بين ظلمات العصور الوسطى والعصر الجديد المليء بالأنوار: أي عصر النهضة. ثم سادت هذه الصورة البشعة عن العصور الوسطى وكرست في الكتب المدرسية منذ القرن التاسع عشر وحتى أمد قريب في كل أنحاء أوروبا، بل وحتى في العالم العربي أيضا.
ولكن بعض المؤرخين احتجوا مؤخراً على هذه النظرة التبسيطية للأمور، وقالوا بما معناه: لا يمكن الزعم بأن العصور الوسطى كانت ظلامية كلها. فالواقع أنه وجد آنذاك بعض المفكرين الكبار المستنيرين بضوء العقل. وأكبر دليل على ذلك فلاسفة العرب من أمثال الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن طفيل، وابن رشد، وابن باجة، وابن عربي، والمعري، وأبو بكر الرازي، إلخ... وكلهم عاشوا في فترة العصور الوسطى بحسب التقسيم الأوروبي لتاريخ الفكر. ولذلك قال ريجيس دوبريه مؤخرا: مأساة العرب أن عصورهم الوسطى جاءت بعد نهضتهم وتنويرهم على عكس أوروبا. فعادة تكون العصور الوسطى أولا، ثم تجيء النهضة والتنوير، ولكن عند العرب حصل العكس. ولهذا السبب فهم بأمس الحاجة اليوم إلى نهضة ثانية وتنوير جديد. نقصد بذلك أن النهضة الأولى حصلت في القرن التاسع عشر، وأما التنوير الأول فقد حصل في العصر الذهبي العباسي - الأندلسي أساسا.
ومعلوم أن التقسيم الأوروبي لتاريخ الفكر يتحدث عن ثلاثة عصور أساسية: العصور القديمة اليونانية - الرومانية (الممتدة من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الخامس بعد الميلاد). ثم العصور الوسطى من عام 500 ميلادية إلى عام 1500 تقريباً. ثم العصور الحديثة من عام 1500 وحتى اليوم.
وبما أن كل فلاسفة العرب المذكورين عاشوا قبل عام 1500، بل وحتى قبل عام 1200، فإن هذا يعني أنهم كلهم مرميون في غياهب العصور الوسطى. فهل يمكن القول بأنهم كانوا ظلاميين متخلفين أو متعصبين كما توحي به هذه الصورة التبسيطية؟ بالطبع لا. لقد كانوا نورا على نور. فهم لم يهملوا دراسة الفلسفة اليونانية، على العكس، ولم يهملوا العلم والعقل، على العكس تماماً. ولهذا السبب فإن تحقيب التاريخ الأوروبي للفكر لا ينطبق على تحقيب التاريخ العربي.
ولكن عودة مفكري عصر النهضة الأوروبية إلى الماضي البعيد، وإلى فلاسفة اليونان والرومان وأدبائهم لا تعني مجرد العودة إلى الماضي ونسيان الحاضر والمستقبل. فالواقع أنها كانت عودة خلاقة لتغيير الحاضر أو لتجديد الحياة الحاضرة بكل جوانبها. وهنا تكمن ابتكارية عصر النهضة وحداثته. فقد كان يمثل عودة إلى الوراء من أجل القفز إلى الأمام. والواقع أن التحولات الفكرية التي حصلت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في أوروبا مرتبطة بثلاثة أشياء: أولها الإصلاح الديني الذي حصل في النصف الأول من القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر. وثانيها الحركة الإنسانية النهضوية التي تمثلت بالعودة إلى الآداب القديمة، آداب اليونان والرومان والعرب وترجمتها والاستفادة منها. وثالثها الاكتشافات العلمية الكبرى التي حصلت في ذلك العصر على يد كوبرنيكوس وسواه. ويمكن القول بأن أولى العلامات والبشارات على ظهور عهد جديد للفكر والسلوك انبثقت في إيطاليا منذ نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر. ولكن ماذا نفعل بدانتي (1265 - 1321) الذي ولد قبل ذلك؟ كل هذه التواريخ تقريبية. ويمكن أن نضيف إلى ما سبق الاكتشافات الجغرافية وتحسن الأوضاع الاقتصادية. وقد انعكس كل ذلك على الفكر. فنقد الفلسفة المسيحية السكولائية الاجترارية كان عاماً شاملاً. وهي عبارة عن تدجين لفكر أرسطو من قبل الكهنة المسيحيين. لقد جعلوا من فلسفة أرسطو مجرد خادم لعقيدتهم الدينية. وهذه هي وظيفة الفلسفة في القرون الوسطى: مجرد خادم مطيع وذليل للاهوت الديني. ولكن كان لها فضل عقلنة الدين إلى حد ما. وكان من أكبر نقادها الفيلسوف النهضوي الإيطالي لورنزو فالا (1407 ـ 1457). ومعلوم أن أرسطو كان يسيطر على الفكر الأوروبي منذ أن تبنته الكنيسة المسيحية وقدمت تركيبة توفيقية تصالح بين فلسفته وبين العقيدة المسيحية. وقد بلور هذه التركيبة بكل نجاح القديس توما الإكويني الذي استفاد من ابن رشد ونقده في الوقت ذاته. ومعلوم أن ابن رشد صالح الإسلام مع فلسفة أرسطو من خلال كتابه الشهير: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. وفعل الشيء ذاته في الجهة اليهودية الفيلسوف اليهودي العربي ابن ميمون من خلال كتابه الشهير أيضا: دلالة الحائرين. وقد دبجه بالعربية مباشرة.
ولذلك؛ راح بعض فلاسفة عصر النهضة يهتمون بأفلاطون أكثر من أرسطو من أجل تحجيم هذا الأخير. ومعلوم أن تاريخ الفلسفة كله ليس بشكل من الأشكال إلا صراعا بين أفلاطون المثالي - وأرسطو الواقعي. ولهذا السبب أنشأ الأمراء الإيطاليون الأكاديمية الأفلاطونية للمفكرين النبلاء. وسلموا مقاليدها لمارسيل فيشان المذكور سابقا. وكان أول مترجم لأعمال أفلاطون. وكانت الفلسفة الإيطالية مليئة آنذاك بالشخصيات الإبداعية. وفي خضم هذا الإبداع والابتكار ظهر غاليلو (1564 ـ 1642) الذي واصل اكتشافات كوبرنيكوس وشكّل الأسس الراسخة للعلم الحديث: أي علم الفيزياء والفلك والرياضيات. ولولا ثورته العلمية لما كانت كل هذه الحداثة التي نشهدها اليوم. ولهذا السبب نقول إن عصر النهضة شكل خطوة كبيرة إلى الأمام.
ومن أهم فلاسفة عصر النهضة الذين ساهموا في تشكيل الحداثة نذكر نيقولا ميكافيلي (1469 - 1527) الذي اشتهر بكتاب: الأمير. وهو الذي أسس علم السياسة بالمعنى الحديث للكلمة. نقصد بذلك أنه أسس الواقعية السياسية التي خلع اسمه عليها فأصبحت تدعى بالميكافيلية. ولكن الكلمة اتخذت معنى سلبيا في الاستخدام الشائع لأنك عندما تقول عن شخص بأنه ميكافيلي فكأنك تقول بأنه وصولي، انتهازي، ذرائعي، إلخ. ولكن هذا ليس صحيحاً في الواقع، أو قل ليس صحيحا بشكل كامل لأن نظرية ميكافيلي عن السياسة أوسع من ذلك وأكثر تعقيداً. ومن كبار فلاسفة عصر النهضة الذين مهدوا للحداثة يمكن أن نذكر جيوردانو برينو (1548 ـ 1600) الذي انتهى نهاية مأساوية. فقد حرقته محاكم التفتيش لأنه شكك بصحة بعض العقائد المسيحية، ولأنه تبنى النظرة العلمية والفلسفية عن العالم والكون. وكان أكبر فيلسوف إيطالي في عصره. كان هذا المفكر يقول إن معرفة الكون هي هدف الحياة الفلسفية. وكان يقول أيضا إن هذه المعرفة غير ممكنة إلا عن طريق العقل والتجربة العملية المحسوسة. لهذا السبب اعتبره هيغل أحد مؤسسي الفلسفة الحديثة. ولا ينبغي أن ننسى «ايراسم» أمير عصر النهضة وكتابه الشهير: ثناء على الجنون. وفيه ينتقد رجال الدين وكيفية تلاعبهم بالدين؛ بغية تحقيق مآربهم الخاصة التي لا علاقة لها بسمو الدين ومبادئه المثالية العالية. ونجد صورته على غلاف الكتاب. ولكن تحرر الأوروبيين من العقلية الكهنوتية كان صعبا. وذلك لأن التعليم القروسطي السكولائي كان مهيمنا على العقول. نحن نقول عقلية عصر الانحطاط التي لم نخرج منها حتى اللحظة بدليل هيمنة التعليم الديني التقليدي، التكراري الاجتراري، على العرب والمسلمين ككل.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended