شخصيات جاكومَتي الخيطية ترحل من الوجود إلى العدم

غاليري «تيت مودن» ينظم له معرضاً استعادياًَ يغطي خمسة عقود

«الرجل الموميء بسبابته» 1947
«الرجل الموميء بسبابته» 1947
TT

شخصيات جاكومَتي الخيطية ترحل من الوجود إلى العدم

«الرجل الموميء بسبابته» 1947
«الرجل الموميء بسبابته» 1947

يحتضن غاليري «تيت مودن» بلندن معرضا استعاديا كبيرا للفنان السويسري ألبرتو جاكومَتي. وقد ضمّ المعرض أكثر من 250 عملا فنيا يجمع بين الرسم الزيتي والأعمال النحتية المصنوعة من الطين والجص والمرمر والخشب والبرونز. يكمن التحدي الأكبر في هذا المعرض أنه يغطي الجزء الأعظم من تجربة الفنان، كيف بدأ؟ وبمن تأثر؟ وما المدارس والتيارات الفنية التي انضوى تحتها؟ وكيف صنع بصمته الخاصة التي تحيل إليه في خاتمة المطاف؟ وبما أنّ هذا المعرض يغطي مدة خمسة عقود، فلا غرابة أن نصادف أعماله الأولى مثل منحوتة الصبي سيمون بيرار التي أنجزها عام 1917 - 1918 حتى أعماله الأخيرة مثل «التماثيل الأربعة» الصغيرة التي أنجزها قبل وفاته بقليل.
ينحدر جاكومَتي من أسرة فنية، فوالده جيوفاني جاكومَتي هو رسّام ما بعد انطباعي، وشقيقه دييغو نحّات معروف، أما الأخ الثالث برونو فقد أصبح مهندسا معماريا. لا شك في أن لوحات الوالد وكتبه ومجلاته الفنية هي التي حفّزت ألبرتو على حُب الفن، والانقطاع إليه، فبدأ الرسم والنحت منذ وقت مبكر جدا خصوصا أنه تتلمذ في مدرسة الفنون الجميلة بجنيف قبل أن ينتقل إلى باريس عام 1922، ليتعرّف هناك على حركتين فنيتين مهمتين، وهما التكعيبية والسريالية، ليستوحي منهما كثيرا من موضوعات أعماله المبكرة.
ليس مصادفة أن يضع القائمون على المعرض 28 منحوتة في الصالة الأولى، فغالبية هذه التماثيل الرأسية والنصفية تعود لأمه وأبيه وأشقائه وأصدقائه المقرّبين، لكن لو تأملنا بعضها جيدا لوجدنا فيها شيئا مختلفا لا ينتمي للنحت السائد آنذاك، فعلى الرغم من وجود بعض المنحوتات الطبيعية التي تلبّي اشتراطات الفن الكلاسيكي فإن هناك منحوتات أخرى تخالف ما هو سائد ومألوف كما هي الحال في منحوتة صديقته الفنانة الأميركية فلورا مايو التي نفّذها بالجص وقطع وجهها بشكلٍ مسطّح ثم حفر عليه المعالم بآلة حادة ولم يجد حرجا في تزيينه ببعض الألوان الجذابة. في الصالتين الثانية والثالثة ثمة أعمال نحتية تكعيبية مثل «الثنائي»، و«الرأس المُحدّق» و«المرأة المستلقية التي تحلم» وغيرها من الأعمال التي لفتت انتباه السرياليين ووجدوا ضالتهم فيها، الأمر الذي جعلهم يستقدمونه إلى حركتهم الفنية التي تفتقر إلى المنطق، وتعبِّر عن العقل الباطن.
تضمّ الصالة الرابعة خمس منحوتات مهمة جدا لعدة أسباب، فهي تكعيبية وسريالية من جهة، كما أنها تكشف عن تأثره بالفن المصري القديم والفن الأفريقي من جهة أخرى. فمنحوتة «المكعّب» المتعددة السطوح توحي بالأوجه الإبداعية المتعددة للفنان نفسه، لكنها لا تخلو من القسوة، والصمت الثقيل، والموت الذي يتحدانا جميعاً، وهو من الأفكار الجوهرية التي اشتغل عليها جاكومَتي كثيراً. أما منحوتة «المرأة الملعقة» فهي مستوحاة مباشرة من تراث شعب الـDan الليبيري الذي يعتقد بأن تجويف الملعقة مساوٍ لتجويف رحم المرأة. ويعتقد كثير من النقاد الفنيين بأن جاكومتي قد كثّف هذه الفكرة ومنحها بُعدا عالميا من خلال تعميم أشكال المنحوتات الأفريقية التي أضاف إليها بعضا من لمساته الخاصة.
على الرغم من أن تماثيل المرأة في أعمال جاكومتي واقفة دائما، بينما يتحرك الرجال في اتجاهات متعددة، فإن تمثال «المرأة السائرة» 1932 يخالف النسق الذي اعتاد عليه الفنان، كما يحمل هذا العمل أصداء الفن اليوناني والفن المصري القديم. يميل هذا العمل إلى البساطة أو السهل الممتنع المقرون بالعمق، لأنه موقن تماما بأن هناك قوة كامنة في الأشياء البسيطة.
كثرت التأويلات بشأن المنحوتة المعنونة بـ«امرأة محزوزة الحنجرة» 1932 فهناك من اعتبرها حشرة أو عقربا، وهناك من صوّرها سُرعوفا يلتهم أنثاه بعد الجماع، ولكن المنحوتة المعدنية في مجمل الأحوال تمثل العنف، والقسوة، والترويع، والاغتصاب، والقتل، ولعل هذه الفكرة مستوحاة من قصة قصيرة للقاتل المتسلسل جاك السفّاح الذي كان يبثّ الرعب في قلوب النساء اللواتي يعملن في الأحياء الفقيرة بلندن.
تتضمن الصالة الخامسة سبع عشرة منحوتة صغيرة جدا، حتى إن الناظر لا يستطيع أن يتعرّف جيدا على ملامح بعض هذه المنحوتات الصغيرة التي تبدو وكأنّ الفنان جاكومتي رآها من مسافة بعيدة. لم تنبع هذه الفكرة من فراغ، فذات مرة شاهد صديقته الفنانة البريطانية إيزابيل نيكولاس، وهي تمشي من بعيد على رصيف شارع سان ميشال، فعلقت الصورة بذهنه وراح ينفذّها في كثير من أعماله الفنية.
تركت الحرب العالمية الثانية آثارها على كل الفنانين الأوروبيين، ووضعتهم جميعا في مواجهة الخوف والقتل والإبادة الجماعية التي لم تتورع النازية والفاشية عن القيام بها في أي لحظة حاسمة. هنا تضاءلت فيكَرات جاكومتي وهزلت حتى أصبحت خيطية، وهي في أفضل الأحوال كانت تشبّه بسيقان الأشجار الجرداء في موسم الشتاء تارة، وبالهياكل العظمية التي لا يكسوها سوى الجلد. كان جاكومتي صديقا لعدد غير قليل من الأدباء والفنانين والفلاسفة أمثال صموئيل بيكيت، وجان جينيه، وأندريه بروتون، وسارتر، وسيمون دي بوفوار، وغيرهم السرياليون والوجوديون والعبثيون الذين أوحوا إليه بثيمات العبث، واللاجدوى، وثنائية «الوجود والعدم»، وما إلى ذلك من أفكار سوداوية انعكست لا شعوريا في منجزه الفني، حيث حقق لنا أعمالا نحتية تنطوي على استطالات في معظم معالم الجسد البشري خصوصا الأطراف والعنق والوجه الذي بَراهُ حتى صار أشبه بحافة السكين! تبدو السطوح الخارجية لتماثيله وكأنها عُجُر أو كرات طينية مدوّرة من سمت الرأس إلى أخمص القدمين، نساء ورجالاً، صغارا وكبارا، وكأنّ الفنان لا يحبّذ السطوح الملساء أبدا.
ما يميز هذا المعرض الاستعادي هو حضور «نساء فينيسيا» التي رُمم بعض فيكَراتها الثمانية وعرضن جميعا في مكان واحد. وبما أن المعرض يضم لوحات زيتية منفّذة بأسلوب مرهف وتقنية عالية، فلا بد من الإشارة إلى لوحات زوجته أنيت آرم وشقيقه دييغو، وعشيقته كارولين وبعض أصدقائه من الأدباء والفنانين والمفكرين والمصورين الذين أحبّ منجزاتهم الإبداعية فخّلدهم في لوحاته الزيتية على وجه التحديد.
يتفرد هذا المعرض الاستعادي بوجود الأعمال النحتية التي بيعت بأسعار فلكية مثل تمثال «الرجل المومئ بسبابته»، الذي بلغ ثمنه 141.3 مليون دولار أميركي. وقد وصف النقاد هذا التمثال غير الواقعي بأنه «مزيج من الهشاشة والتصميم القوي». التمثال يومئ بيده اليسرى، ويؤشر بسبابة يده اليمنى إلى شيء معين لم نتعرف عليه كمشاهدين، وهو سائر من مكان ما مجهول بالنسبة إلينا، وذاهب إلى مكان لا نعرفه أيضاً. إنها، على أي حال، رحلتنا في الزمان والمكان، وأقدامنا التي تبدو مغروسة في الأرض ما هي إلا وهم آخر من أوهام الوجود.
أشرنا سلفا إلى أنّ جاكومَتي تبنى السريالية والتكعيبية بعد بدايته الكلاسيكية، لكنه سرعان ما تبنى ثلاثة تيارات فنية في آنٍ معا، وهي التعبيرية التي تتمثل في مجمل أعماله النحتية ولوحاته الزيتية التي تمحورت على فن البورتريه، والشكلية، إضافة إلى التشخيصية التي تُعد الركيزة الأساسية في منجزه الإبداعي الذي يمثل فيه الإنسان رمزا شعبيا لصدمة ما بعد الحرب.
حاز الفنان ألبرتو جاكومَتي كثيرا من الجوائز المحلية والعامة، نذكر منها الجائزة الكبرى للنحت في بينالي البندقية عام 1962، والجائزة الوطنية الفرنسية الكبرى للفنون عام 1965.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.