التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية

باحث أردني: واشنطن تخوض معركة الحدود السورية الشرقية لقطع «طريق الحرير» الإيراني

التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية
TT

التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية

التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية

تضاعف الانخراط العسكري المباشر، الجوي والبري، لقوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، خلال الأيام الماضية على نحو فعال في المنطقة الشرقية من سوريا، في مسعى لتمكين القوات السورية المعارضة الحليفة له من التقدم داخل محافظة دير الزور، وتمثّل في تفعيل الغارات الجوية والعمليات الخاصة إلى جانب العمليات البرية المباغتة في المعارك ضد تنظيم داعش.
هذا التدخل تفعّل في لحظة سباق بين التحالف الدولي وقوات النظام السوري المدعومة بميليشياتها للوصول إلى منطقة الحدود السورية - العراقية، حيث يسير النظام في معركتين متوازيتين، الأولى عبر خط تدمر - السخنة - دير الزور، والثانية عبر القلمون الشرقي من جهة ظاظا والسبع بيار لإعادة فتح طريق دمشق - بغداد عبر معبر التنف الحدودي، وتأمين «خط الحرير الإيراني من طهران إلى دمشق»، وهي المنطقة نفسها قرب التنف التي ضاعف فيها التحالف عملياته، مما يهدد حكماً بتقدم النظام إليها.
وحلقت طائرات هليكوبتر تابعة للتحالف الدولي على علو منخفض قرب مدينة البوكمال (بمحافظة دير الزور ليل الثلاثاء - الأربعاء، بحسب ما نقل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن مصادر موثوقة أكدت أن التحليق جرى في أجواء قرية السيال الواقعة في ريف المدينة، حيث ألقت هذه الطائرات قنابل ضوئية في سماء المنطقة التي توجد فيها شركة «الصفا»، المتخذة كمقر من قبل تنظيم داعش، وحصل تبادل لإطلاق النار بين عناصر كانوا على متن الهليكوبترات، وعناصر من التنظيم الموجودين في المقر، وعناصر آخرين كانوا يستقلون سيارتين بالقرب من الشركة، كما استهدفت الهليكوبترات سيارتي التنظيم، مما تسبب في تدميرهما.
الواقعة أكدها مصدر سوري معارض في المنطقة الشرقية لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنها «دليل على تفعيل قوات التحالف لعملياتها العسكرية في المنطقة»، لافتاً إلى أن العملية «جزء من سلسلة عمليات جوية وبرية ينفذها التحالف ضد (داعش)». وأوضح المصدر أن قوات أميركية وبريطانية ونرويجية موجودة من ضمن قوات التحالف الموجودة في قاعدة التنف العسكرية، «وتضطلع بدور عسكري استشاري وقتالي أيضاً»، مؤكداً أن «القوة البرية تشارك في العمليات البرية ضد (داعش)، وتنفذ عمليات خاصة ضد التنظيم، وتصد الثغرات على الجبهات في المعارك التي تنفذها قوات الجيش السوري الحر، قبل أن تعود إلى معسكر التنف»، لكنه أشار إلى أن قوات التحالف «تقاتل في الخطوط الثانية، وليس الخطوط الأولى، إلى جانب تقديم إحداثيات للضربات الجوية التي تنفذها طائرات التحالف في المنطقة».
وللعلم، تنتشر قوة عسكرية سورية معارضة مدعومة من قوات التحالف في المنطقة الممتدة من مدينة التنف الحدودية بين سوريا والعراق والأردن، إلى العمق غرباً حتى مسافة 150 كيلومتراً في بادية حميمة الواقعة شرق تدمر، كما تنتشر شمالاً إلى جنوب شرقي دير الزور قرب حدود منطقة البوكمال. لكن هذه القوة، التي تنفذ دوريات في البادية، غير قادرة على تغطية المنطقة الجغرافية الشاسعة، وتحتاج إلى عدد أكبر لتغطية انتشارها في المنطقة، كما قال قائد «جيش مغاوير الثورة» العقيد مهند الطلاع لـ«الشرق الأوسط»، نافياً في الوقت نفسه انعقاد اجتماع للفصائل السورية مع التحالف الدولي في العاصمة الأردنية عمّان، لتنسيق نقل مقاتلين من الشمال الشرقي لدير الزور باتجاه التنف.
وقال: «نقل المقاتلين هو فكرة مطروحة منذ فترة، لكنها لم تُترجم عملياً. نحن نحتاج إلى قوة مقاتلة أكبر تمكننا من طرد (داعش) من دير الزور». وتابع الطلاع: «نمتلك قوة عسكرية جيدة، لكن المساحات الجغرافية الواسعة تحتاج إلى عدد كبير بهدف تأمين الانتشار في المناطق التي تقدمنا إليها، وتصل إلى مسافة تبعد 150 كيلومتراً إلى العمق من مدينة التنف الحدودية مع الأردن وسوريا، كما بتنا قريبين من منطقة البوكمال شمالاً، فضلاً عن أن التقدم باتجاه الغرب وصل إلى ظاظا والسبع بيار التي دخل إليها النظام فجأة في أخيراً». ويسعى النظام من خلال هذا التقدم إلى ظاظا والسبع بيار الواقعتين في شمال شرقي القلمون الشرقي، إلى تسهيل عبوره إلى معبر التنف، مما يمكنه من إعادة فتح خط دمشق – بغداد، غير أن هذا التقدم قابله تقدم موازٍ للقوات السورية المدعومة من التحالف، وهو ما يشكل رادعاً لعدم احتكاك النظام معهم أو اقترابه مع قوات التحالف الأجنبية الموجودة في المنطقة، خلافاً لعمليات تقدمه على حساب قوات المعارضة التي تنتشر في القلمون الشرقي، وأبرزهم «أسود الشرقية»، ويقاتل «داعش» في المنطقة.
من جانب آخر، قال الباحث الاستراتيجي والخبير العسكري الأردني الدكتور فايز الدويري لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة التي يتسابق إليها النظام وحلفاؤه من جهة، والتحالف الدولي من جهة أخرى، هي منطقة شبه فراغ سكاني وشبه خالية من مفهوم السيطرة العسكرية، حيث كان تركيز الأطراف المتحاربة على المدن، وترك البادية، لكن الآن وبعد جولات آستانة وجنيف وتطورات الرقة وتدمر وخلط الأوراق الذي حصل، «ظهر شيء في الأفق هو مفهوم (طريق الحرير الإيراني) الذي يمتد من قُم إلى بغداد وشمال الموصل، وصولاً إلى الأراضي السورية»، لافتاً إلى أن مشروع «طريق الحرير الإيراني» كان مخططاً له أن يمر عبر منطقة الجزيرة وجنوب محافظة حلب، قبل أن يتمكن النظام من قلب المعادلة حول دمشق، مما دفعه للتفكير بفتح طريق دمشق بغداد عبر التنف، وهي أقرب من الخط الأول.
وقال الدويري: «هذا الاهتمام الإيراني ترجم على الأرض ببعدين؛ الأول تمثل في اندفاع الحشد الشعبي العراقي باتجاه البعاج والقيروان العراقيتين، والثاني باندفاع النظام مدعوماً بميليشيات مدعومة من إيران إلى السبع بيار وظاظا آملاً بالوصول إلى التنف»، رغم أن النظام يسير في معركة موازية أيضاً عبر تدمر - السخنة - دير الزور، لا يلتقي بزاويته مع الاتجاه الأول. وأردف الدويري شارحاً: «في ظل الواقع الحالي، تُطرح الأسئلة: أين سيذهب (داعش)، الجميع يفكر بتحقيق مكاسب. فالأميركيون يركزون على الرقة، ويضعون رؤية للسيطرة على مجرى الفرات الممتد من الطبقة في الشمال حتى مدينة الميادين والبوكمال في الشرق، لكنهم وجدوا في القسم الأول منها شريكاً مقاتلاً استراتيجياً هو ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بينما تغيب الجهة التي سيعتمد عليها الأميركيون لاستثمار جهدهم بالجزء الثاني في شرق سوريا، رغم أن هناك محاولات، ومن بينها القوات المدعومة من التحالف التي تقاتل الآن إلى جانبهم»، ثم لفت إلى أن تمديد واشنطن لدعم الأكراد من الشمال باتجاه دير الزور، في حال فشل الاعتماد على القوة الموجودة شرقاً «سيثير حساسيات إقليمية، لأنها مرتبطة بتوسع الكانتون الكردي من الشمال إلى الحدود العراقية وصولاً إلى الحدود مع الأردن».
وأضاف: «المعركة في دير الزور، هي معركة أميركية لقطع طريق الحرير الإيراني، ومن هنا تأتي أهميتها. لكن الأسئلة تتمثل في: هل يستطيع التحالف توجيه القوات السورية الحليفة بشكل صحيح ودعمها بالإسناد الناري الكافي والمستشارين؟ إذا استطاع، فإنه سيتمكن من قطع الطريق الإيراني». وإذ أشار إلى أن النظام وصل إلى منطقة السبع بيار من دون قتال، قال إن النظام سيتوقف عند تلك النقطة ولن يتقدم إلى التنف «منعاً لأي مواجهة مع القوات الأميركية والبريطانية الموجودة في المنطقة»، لكنه في الوقت نفسه «سيتريث ليرى في أي اتجاه سيحرك قواته بحسب متطلبات الموقف ومتغيراته».
* قوتان سوريتان ضد «داعش» في البادية
تنتشر قوتان سوريتان معارضتان ضد «داعش» في البادية السورية الجنوبية والشرقية؛ الأولى هي «مغاوير الثورة» وفصائل حليفة تحظى بدعم أميركي وتعمل تحت غطاء التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. أما وجهتها، فهي مدينة دير الزور على طور الحدود الشرقية الممتدة من التنف على مثلث الحدود السورية - الأردنية - العراقية، وشمالاً باتجاه دير الزور. وتطورت من ميليشيا «جيش سوريا الجديد» التي أُعلن عنها في الصيف الماضي وتعرضت لانتكاسة إثر ضربة جوية يُعتقد أنها روسية استهدفت معسكراً لهم في المنطقة، إلى «جيش مغاوير الثورة»، ولم يسجل لها أي احتكاك مع قوات النظام. أما القوة الثانية، فهي «أسود الشرقية» المدعومة من غرفة «الموك»، ويقتصر دعم الغرفة لها على الدعم اللوجيستي والتسليحي، من غير مشاركة في القتال إلى جانبها. وتنتشر هذه القوة في بادية جنوب شرقي السويداء حتى القلمون الشرقي، واستطاعت أن تحرز تقدماً كبيراً منذ 18 مارس (آذار) الماضي على حساب «داعش». ويقول مسؤول المكتب الإعلامي لـ«أسود الشرقية» سعد الحاج لـ«الشرق الأوسط» إن المعركة الأولى التي حملت عنوان «أسرجنا الجياد» سيطرت على مناطق مهمة على طول الحدود مع الأردن في جنوب شرقي سوريا والغوطة الشرقية والقلمون الشرقي، بينها معقل «داعش» في بير قصب، وصولاً إلى عمق البادية الشرقية قرب معبر التنف والعليانية وسرية البحوث العلمية إلى الحدود الأردنية.
ولفت إلى أن المعارك تواصلت حتى الفترة الأخيرة، حيث توقفت عند منطقة المحسا القريبة من ريف حمص الشرقي، وهي منطقة جبلية تربط بين البادية والقلمون الشرقي، ولا يزال «داعش» يسيطر عليها، مشيراً إلى أن السيطرة على هذه المنطقة «كان سيسهم في فك الحصار عن الغوطة الشرقية».
هذه الخطة تعرضت لانتكاسة قبل أسبوع، بعد اجتماع «آستانة» والاتفاق على مناطق تخفيف التصعيد. ويقول الحاج إن النظام «سحب قوات من الشمال ووجهها باتجاه البادية حيث تمركزت في منطقة السين ونقاط عسكرية محيطة، قبل أن تصل تعزيزات أخرى مَكَّنَت النظام من التقدم إلى السبع بيار وظاظا في عمق البادية القريبة من مطار السين، كونها تسهل وصوله إلى التنف شرقاً، فضلاً عن أنها تؤهله إلى الوصول باتجاه حاجز المثلث شرقي مطار السين جنوباً، وحاجز البصيري في تدمر شمالاً». ويضيف الحاج: «سيطرة النظام على السبع بيار أربكت صفوفنا وفرضت علينا معركة مع النظام، علماً أنها كانت على مدى سنتين تحت سيطرة (داعش)».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.