آمال موسى... شعرية «الوجه الهارب»

رسمت ملامحها في ديوانها «والحياة لم تضع بعد مساحيقها»

الشاعرة وغلاف ديوانها
الشاعرة وغلاف ديوانها
TT

آمال موسى... شعرية «الوجه الهارب»

الشاعرة وغلاف ديوانها
الشاعرة وغلاف ديوانها

أجواء من الفقد وحرقة الأحلام والذكريات، وتساؤلات حيرى متناثرة بلا إجابة عن معنى الموت والحياة، والخوف والعشق، تومض في صفحات ديوان «والحياة لم تضع بعد مساحيقها»، الصادر حديثاً للشاعرة آمال موسى... فما بين «حقنة بنسلين»، النص الذي يفتتح الديوان، ولطشة الختام في نص «لا هيبة لك أيها الموت»، تتجسد هذه الأسئلة الحيرى في شكل مرثية لذات تسعى لاستعادة رائحة الماضي، وتستحلبه كأنه لا يزال شاخصاً على عتبة البيت... تقول الشاعرة في النص الأول وكأنها تختزل نشوة الحياة في قبضة الذكرى:
«الصور التي خبأنا بها أسرارنا الصغيرة
كل واحدة من تلك الصور
هي اليوم حقنة بنسلين في جسدي الأعزل».
بينما في النص الأخير، الذي يمثل تحدياً بالأمل في مواجهة الموت إلى حد السخرية والتهكم، وتصويره على أنه زائر أعمى يجهل أصول الزيارة التي تقتضي أن يطرق الباب أولاً... وحسبما تقول الشاعرة في هذا النص:
«شكراً لك أيّها الموتُ
رصاصتُكَ الأولى قتلتكَ
وقتلتْ خوفي منك.
كن أكثر حضارة
لا تكن قاتلاً
وتعلّم أن تبدأ الزيارة بطرق الباب».
في هذا المناخ، تهيمن ثنائية الوجه الهارب على مدارات الفعل الشعري، وتبدو كأنها مفتاح للحاضر والماضي، وتعزز هذه الثنائية ذاتٌ منقسمة على نفسها إلى حد التشظي، فاقدة الثقة في المع والضد، فالشيء هو نفسه ولا نفسه معاً، حتى كأننا أمام أشباه حقائق لم تتح لها الفرصة للكذب.
وتستبطن هذا المعني نصوص الديوان، أحياناً بشكل مباشر وصريح، وعلى سبيل الإشارة والتلميح أحياناً أخرى، فعلى هذا النحو تقول الشاعرة:
«أراني ولا أراني/ نذرت وجهي للتيه/ وعيني للماضي»... وأيضاً: «أسمع ولا أسمع/ أسمع أشباح أصوات/ أشلاء أصوات/ بلا كلمات».
تكسب هذه الثنائية لغة الديوان حالة أشبه بالتأرجح الشجي بين الصدى والرنين، صدى الماضي المعلق دائماً في رنين الحاضر، في الغياب والحضور، في الرغبة والاشتهاء، أن أكون ولا أكون، ثمة إحساس بافتقاد البراءة في الداخل والخارج، يعلو أحياناً مشرباً بنزعة من التمرد إلى حد الصراخ والبكاء، في الوقت نفسه تتكثف حيرة الذات الشاعرة في البحث عن نقطة محايدة، تجعل المسافة محتملة، أو على الأقل ساكنة بين الشيء وضده، بين تعارضات الجسد والروح:
«رأيتني في لقطة محايدة
غير نادمة على شيء
فقط... لا كهرباء بيني والحياة».
إنه حياد بارد، يشبه العدم، صعب أن تستلقي في ظلاله الذات، تعيد ترتيب هواجسها ورؤاها وأحلامها وموقفها من العالم... هنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يدخل الأملَ أو الحرية في جسد الشعر، هل على الشاعر أن يظل يجتر تأملاته السلبية ليقيم نوعاً من التوازن الرخو بين مأساته، أو محنته الخاصة، ومأساة العالم من حوله؟
في الشعر الخلاق، يمكن أن نتلمس أوجهاً كثيرة للإجابة عن هذه الأسئلة، ربما أبسطها فكرة «العودة إلى البيت»، باعتباره الرحم الأول الذي رافق مولدنا ونمونا، وفيه مخزن طفولتنا وأحلامنا وظلالنا. إنه نقطة التوازن التي تعيد للشاعر أمنه ودفأه الداخلي، وتحفظ لبيته في اللغة خصوصية الروح والجسد، وقبل كل شيء، تحفظ خصوصية الشعر.
تلامس كثير من نصوص الديوان سقف هذه الخصوصية، وتصطدم به كنقطة توازن هاربة من أسوار الذاكرة والحلم، يطالعنا ذلك في نص «بيتُ الطين وتكاثرُ المعنى وبيتُ الإسمنت وذاكرة السرد»، وفيه تقول الشاعرة:
«فضاؤنا الكونيّ
وسرّنا.... بيتنا
ذاكرتُنا الموشّحة باللؤلؤ الأبيض
المكسّوة بشجر الفستق
فاكهة الصوفيين الأكثر زهداً في الماء.
يا أيُّها المفتونُ بأخبار غوث الزمان
علّمتني عشق العطور
علم العطور
شعريّة العطور
فكرة العطر الأولى
عرفان العطور
ومتى تُصبح البيوت سماء للورد.
وكيف يغدو العشّاق ملائكة
وهم يرشّون الكون بروح الورد».
في هذا النص، تسعى الذات الشاعرة إلى كسر الحواجز الهلامية بين الأشياء، خصوصاً بين طاقة الخيال والواقع. يتم ذلك باستعادة المكان/ البيت، استعادة روائحه وتفاصيله الصغيرة، ومفرداته الحميمة، وكأنها تميمة تتحصن بها الذات ضد الموت والزمن، وهواجس الذبول والانطفاء.
إن البيت يصبح برمزيته ومساقطه الدلالية بمثابة بؤرة تيقظ وتفتح للوعي، وعتبة للتشبث بإرادة الحياة والأمل، فالشعر لا يذهب إلى البيت كزائر عابر، أو غريب على العائلة، وإنما يذهب إليه كوعاء حاضن للوجود، وعلى الشاعر أن يدرك طبيعة العلاقة بين الإناء وما يحتويه... إنها علاقة خاطفة ومباغتة، سفر دائم من الداخل إلى الخارج، بين السطح والعمق، بين المرئي واللامرئي، صحو لا مواقيت نمطية له، بحثاً عن معنى آخر في المعنى.
تلتقط الشاعرة هذه المشهد من زاوية خاصة، قائلة:
«في المطارات:
أرى الحياة ناهضة من الغموض للتّو
لم تضع مساحيقها بعد
لم تسوِ تسريحة شعرها
لم تخلع ثوب النوم المخملي الشّفاف
لم ترتد الجينز السّماوي اللّون
لم تلبس حذاءها عالي الكعب
لم تتعطّر بعد
لم تضع إكسسوارات الفّضة
لم ترتشف قهوتها التركيّة قليلة السّكر
لم تضع أسطوانة الموسيقى بعد
إنّني في المطارات:
أباغت الحياة في مضجعها السريّ».
وسط هذا المناخ، تلوح مكابدات الحب والعشق في الديوان، وكأنها توق دائم للحرية، دونها تصبح الذات، بل العالم، في قبضة التيه والمجهول، حرية أن ترى نفسك في من تحب، في مرايا حضوره وغيابه... بهذه الروح، تخاطب الذات الشاعرة الحبيب العاشق، وكأنها لغة أخرى نائمة في بئر الأسرار، قائلة في أحد النصوص:
«قلت لي:
دونك كأنّني في علبة كبريت...
إذن تدرك عناء التنفّس في كون أقل قليلاً من علبة كبريت؟
أهديتُك عُربون العناء في حديقة الوعي السريّة...
ولاّعة من ذهب
مرسومٌ عليها طائر الفينيق.
ولكنّ علبة الكبريت لم تُعدم كما ظننت
إنّني استشعرُها
أسكنُها الآن
أتنفّسُ الآن داخلها
أزاحمُ أعوادها التي لا تتناقصُ أبداً».
هذا المعنى يطالعنا بصيغة تبدو أكثر شمولاً، خالقة نوعاً من الموازاة الرمزية الشيقة بين علبة الثقاب وغواية اللغة، فكلاهما مصدر للدفء على طريقته الخاصة، لكن دفء اللغة يظل الأنقى والأشهى. بهذه الروح، تلعب الشاعرة على أوتار القواعد والأدوات اللغوية، تريد أن تزحزحها عن سياقاتها التقليدية الثابتة، أو على الأقل تشيع في نسيجها حالة من الصخب والتهكم، وكأن هذه الأدوات صدى للعبة الحياة نفسها... الحياة التي يغير البشر كل يوم مساحيقها وألوانها، لكن لا أحد يستطيع أن يغير جوهرها، إنهم زائلون وهي وحدها تستمر... مثلما يشير هذا النص:
«يُذكّرني الجمعُ المذكّر والمؤنّث... بالمبتدأ
وبالزواج الكاثوليكي بين المبتدأ والخبر
ويقول:
إن المبتدأ يستمر
وأقول:
كالمسمار
كالألف
الحياة تستمر».
وهكذا، يمثل هذه الديوان - برأيي - نقطة فارقة في تجربة الشاعرة آمال موسى، فاللغة أكثر تكثيفاً وسلاسة، تستند على مائها الخاص، كما تتضافر حقول الرمز والدلالة، بشكل يمنح المعنى زوايا متنوعة للتأويل وإعادة القراءة وطرح الأسئلة، من داخل نسيج التجربة، وفي مشهد شعري متماسك، يحيل إلى نفسه، منفتحاً على الداخل والخارج ببصيرة تعي حيويتها وتوترها، وتمتلك القدرة على دفعهما إلى الأبعد والأعمق.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended