هلع في غزة بعد تخلي السلطة عن قطاع الكهرباء

قرار إضافي ضد {حماس} وصفته بـ«الجنوني» قد يغرقها في ظلام شامل

طفل فلسطين يتابع داخل سيارة عامل محطة بنزين يملأ خزانها (رويترز)
طفل فلسطين يتابع داخل سيارة عامل محطة بنزين يملأ خزانها (رويترز)
TT

هلع في غزة بعد تخلي السلطة عن قطاع الكهرباء

طفل فلسطين يتابع داخل سيارة عامل محطة بنزين يملأ خزانها (رويترز)
طفل فلسطين يتابع داخل سيارة عامل محطة بنزين يملأ خزانها (رويترز)

مع إعلان مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية، يوآف مردخاي، أن السلطة الفلسطينية أبلغته قرارها بوقف دفع أثمان الطاقة الكهربائية التي تزوّد بها إسرائيل قطاع غزة، وتصل إلى 125 ميغاواط، أي نحو ثُلث حجم استهلاك الطاقة في القطاع، دب الخوف والرعب والقلق في أوساط الغزيين، الذين هرعوا إلى محطات الوقود والغاز بشكل لا إرادي أو مفهوم، في محاولة للتزود بما تيسر من المواد التي تعد بديلا محتملا للطاقة.
وشهدت محطات تعبئة الوقود والغاز في القطاع، أزمة كبيرة وخانقة، وسط إشاعات مضخمة حول قرب انقطاع الكهرباء عن غزة بشكل كامل، ونفاد كميات الوقود والغاز منها. واضطرت هيئة البترول التي تسيطر عليها حماس في قطاع غزة، إلى إصدار بيان قالت فيه إنه «لا توجد أزمة وقود في قطاع غزة والأمور مستقرة وطبيعية». ودعت الهيئة «المواطنين إلى عدم الخوف والانجرار وراء الإشاعات».
وقال مدير هيئة البترول في قطاع غزة، خليل شقفه، إن «الكميات المتوفرة تغطي الاحتياج». وأضاف، «سيتم فتح معبر كرم أبوسالم الجمعة لإدخال الوقود إلى قطاع غزة، سولار وبنزين وغاز طهي، وبالتالي ندعو المواطنين إلى عدم الهلع». لكن نداء هيئة البترول لم يلق آذانا صاغية في غزة، التي يعتقد سكانها أنهم مقبلون على أيام صعبة للغاية، الأمر الذي دفع حركة حماس إلى التهديد بأن غزة تشبه قنبلة شديدة الانفجار ستطال الجميع.
ويعني توقف تزويد إسرائيل لقطاع غزة بالكهرباء، أن يغرق القطاع في ظلام دامس بعد توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة عن العمل قبل أسابيع.
وتوقفت محطة كهرباء قطاع غزة عن العمل، بعد نفاد كميات الوقود التي وفرتها قطر كدعم لمدة 3 أشهر، بهدف تشغيل المحطة. واتهمت سلطة الطاقة في القطاع، وزارة المالية في رام الله بفرض ضرائب باهظة على الوقود الذي يجري إدخاله لصالح المحطة. أما وزارة المالية في رام الله، فردت بالقول إن حماس التي تسيطر على الشركة في غزة تجبي الأموال ولا تحولها إلى رام الله.
ومع توقف المحطة، ظلت إسرائيل تزود قطاع غزة بالكهرباء من خلال 10 خطوط، تنتج 125 ميغاواط، وتشكل 30 في المائة من احتياج قطاع غزة للكهرباء. وكانت السلطة الفلسطينية تدفع ثمن هذه الطاقة، نحو 40 مليون شيقل شهريا، حيث تقوم إسرائيل باقتطاع هذا المبلغ من عائدات الضرائب الفلسطينية.
ولكن السلطة قررت بدءا من الشهر الحالي، التوقف عن دفع هذه الأموال، ضمن سلسلة إجراءات أقرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في محاولة لحشر حماس في الزاوية، وإجبارها على تسليم قطاع غزة إلى الحكومة الفلسطينية.
وقال مصدر مسؤول في حركة فتح لـ«الشرق الأوسط»، إن «القرار باختصار، إما نحكم غزة أو يحكمون. عليهم أن يقرروا، لكن لن تبقى السلطة صرافا آليا لحكم حماس». وبدأت إجراءات السلطة الشهر الماضي، بحسم ثلث الراتب من الموظفين الذين يتلقون رواتبهم من رام الله، وألحقتها بقرار وقف الإعفاءات الضريبية على الوقود الذي تحتاجه محطة توليد الطاقة في غزة، ومن ثم التوقف عن دفع ثمن الكهرباء التي تأتي من إسرائيل.
ويعني توقف محطة توليد الكهرباء عن العمل، توقف إسرائيل عن تزويد الطاقة لغزة، وإحداث شلل كامل في قطاع الكهرباء بالنتيجة.
وتحتاج غزة إلى 400 ميغاواط من الكهرباء، لا يتوفر منها في حال عملت محطة التوليد الوحيدة، إلا نصفها فقط. ونتتج المحطة 60 ميغاواط، تضاف إليها الإمدادات الإسرائيلية البالغة 125 ميغاواط في حين تأتي 25 ميغاواط عبر خطوط كهرباء من مصر.
وبالإضافة إلى القلق الكبير الذي تركته الخطوة في نفوس الغزيين، فقد أغضبت الخطوة حركة حماس وأقلقتها.
ووصف سامي أبو زهري، المتحدث باسم حماس، الخطوة بأنها تصعيد خطير وعمل جنوني.
وقالت سلطة الطاقة في قطاع غزة، التي تديرها حماس، «إنها خطوة كارثية في ظل أزمة الكهرباء المستفحلة منذ نحو 10 أعوام». وأضافت: «إن لهذه الخطوة تبعاتها الخطيرة على كافة مناحي الحياة في القطاع».
واتخذت السلطة الخطوة الجديدة، بعدما لم تتلق ردا من حماس على مبادرة قدمها عباس، وحملها اثنان من أعضاء مركزية فتح في غزة، إلى قيادة الحركة، وتقوم على إلغاء حماس للجنة الإدارية التي شكلتها، وتسليم قطاع غزة فورا إلى حكومة التوافق من أجل الذهاب إلى انتخابات عامة بعد 3 أشهر.
وقالت حماس إنها تقدمت بتساؤلات لفتح حول آليات عمل الحكومة ومصير الرواتب والإعفاءات الضريبية، لكن فتح لم ترد.
ومع جمود الاتصالات هذه، وافقت اللجنة المركزية لحركة فتح، في اجتماع عقد في وقت متأخر الأربعاء، على مواصلة الإجراءات ضد غزة. وأعلنت في بيان لها، «رفضها لمحاولات حماس شرعنة الانقسام، من خلال تشكيل ما يسمى باللجنة الإدارية، ورفضها استمرار الوضع القائم في غزة، بما يشمل ما تقوم به حماس من مخالفات قانونية ووطنية بحق شعبنا هناك».
وأكدت اللجنة المركزية «تصميمها على إنهاء الانقسام، ودحر مشروع الكيان المنفصل في غزة، وتصميمها على اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك، خاصة في ضوء عدم تجاوب حركة حماس مع محاولة فتح الأخيرة التوصل إلى التفاهم اللازم، بما يمكن حكومة الوفاق من تسلم المهام كافة، وممارسة مسؤولياتها القانونية في قطاع غزة».
وقال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حسين الشيخ، في بيان أمس، «نحن لدينا قرار استراتيجي بالعمل الجاد والدؤوب وبكل السبل، لإنهاء الانقسام ودفع حماس إلى مربع المصالحة، وندرك حجم المعاناة والألم الذي يعيشه شعبنا في القطاع الحبيب بعد عشر سنوات من الانقلاب، وفِي الوقت نفسه نعرف أن حلم إنهاء الانقسام هو رغبة وقرار شعبي، لذلك نضع حماس أمام مسؤولياتها وأن تلتقط الفرصة واليد الممدودة من قبلنا لإنهاء الانقسام». وأردف: «فتح اتخذت قرارا استراتيجيا باتباع كل السبل لإنهاء الانقسام والخلاص من الانقلاب المقيت المدمر للمشروع الوطني الفلسطيني، وليكن موقفنا واحدا وخطابنا واحدا في مواجهة الرفض الحمساوي للمصالحة».
والتصعيد ضد حماس في غزة جاء قبل لقاء مرتقب بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الثالث من الشهر المقبل. ويفترض أن يلتقي عباس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني قبيل لقائه ترمب. وسيضع عباس السيسي وعبد الله في صورة الإجراءات ضد غزة.
ومن غير المعروف ما إذا كانت إسرائيل ستقطع الكهرباء عن غزة، مع توقف دفع السلطة أثمانها، أم أنها ستستمر في ذلك وتفرض خصومات بالقوة، أو تلجأ إلى مصادر دولية.
وقال موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، إن إسرائيل لن تلجأ إلى قطع الكهرباء فورا عن قطاع غزة، بعد أن أبلغتها السلطة الفلسطينية بوقف دفع فاتورة الكهرباء الشهرية. وأوضحت مصادر إسرائيلية أن تل أبيب قلقة من تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، وستبحث عن حلول لأزمة الكهرباء مع المجتمع الدولي. وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن الجهات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، ستدرس عددا من البدائل والحلول بالتنسيق مع المجتمع الدولي.
وكان ضابط في الجيش الإسرائيلي حذر الثلاثاء، من أن انقطاع التيار الكهربائي الوشيك في قطاع غزة، قد يؤدي إلى نشوب صراع بين حماس وإسرائيل.
وقال الضابط للصحافيين، متحدثا، شريطة عدم الكشف عن اسمه، إن «القصة هنا هي معضلة حماس - أين ستستثمر المال؟ في القنوات العسكرية أم في الاحتياجات المدنية في القطاع». وأضاف، «هناك احتمال أن يدفع ذلك بحماس إلى اشتباك مع إسرائيل».
لكن مسؤولين في حماس، فضلوا التركيز أكثر على عباس بدلا من حرب محتملة مع إسرائيل.
وقال خليل الحية القيادي في حماس إن عباس سيفشل في تركيع غزة، محذرا عباس من أن قنبلة غزة ستنفجر في وجهه.
وتهاجم حماس عباس منذ بداية الإجراءات بشكل غير مسبوق. وتحولت جلسة للمجلس التشريعي في غزة الأربعاء إلى حفل لهجوم على عباس. ووصل الأمر بمروان أبو راس، العضو عن كتلة حركة حماس البرلمانية، إلى المطالبة في جلسة لكتلة الحركة، بـ«إعدام عباس أمام شعبه وسط مدينة غزة، وفقا للحكم الشرعي». واتهم أبو راس، الرئيس الفلسطيني «بأنه يسيطر على أموال غزة، ومن ثم يصرفها على التنسيق الأمني مع الاحتلال»، وقال، «إنه إذا كان عباس لا يريد غزة وتحمل أعبائها، فإن عليه إلا يأخذ من أموالها ولو قرشا واحدا». لكن الأرقام وفق الحكومة الفلسطينية تبدو مختلفة.
يشار إلى أن الميزانية العامة للسلطة الفلسطينية، بلغت 4.14 مليار دولار، شكلت حصة غزة منها، نحو 1.65 مليار دولار، أي نحو 40 في المائة من أموال السلطة الفلسطينية. ويقول عباس نفسه إن أكثر من نصف ميزانية السلطة تذهب لغزة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».