لوبان تواجه اقتراب ماكرون من الإليزيه بحملة عنيفة

اليمين الفرنسي يراهن على الانتخابات النيابية للالتفاف على فشله

ملصقان انتخابيان لماكرون ولوبان في مدينة بيثون شمال فرنسا (رويترز)
ملصقان انتخابيان لماكرون ولوبان في مدينة بيثون شمال فرنسا (رويترز)
TT

لوبان تواجه اقتراب ماكرون من الإليزيه بحملة عنيفة

ملصقان انتخابيان لماكرون ولوبان في مدينة بيثون شمال فرنسا (رويترز)
ملصقان انتخابيان لماكرون ولوبان في مدينة بيثون شمال فرنسا (رويترز)

انطلقت حملة الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي ستجرى يوم 7 مايو (أيار)، على خلفية «تصفية نزاعات» داخل الأحزاب التي أصيبت بنكسة غير مسبوقة.
وأوضحت الأرقام النهائية لوزارة الداخلية أن مرشح الوسط إيمانويل ماكرون قد حقق اختراقاً استثنائياً، إذ حصل على نسبة 24.01 في المائة من الأصوات، متخطيا منافسته مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، بثلاث نقاط. بيد أن الأهم من ذلك كله أن استطلاعات الرأي تجمع كلها على أن ماكرون سيحقق، في الجولة الحاسمة، فوزا باهرا مع تحقيق تقدم مريح للغاية على منافسته اليمينية.
و«الزلزال» السياسي الذي ضرب فرنسا، الذي تمثل بإخراج الحزبين اللذين كانا يتداولان السلطة منذ أربعين عاما وهما اليمين التقليدي المتمثل في حزب الجمهوريين والحزب الاشتراكي، أدى إلى انطلاق عمليات تصفية حسابات.
لم يتأخر اليمين في فتح النار على مرشحه فرنسوا فيون الذي حمله وزر الخسارة، وكذلك فعل الاشتراكيون مع بونوا هامون. وفي الوقت ذاته، تكاثرت رسائل التأييد لماكرون من اليمين واليسار. وانسحبت هذه الموجة على الرئاسة والحكومة، فأعلن فرنسوا هولاند تأييده لوزير الاقتصاد السابق، كذلك فعل رئيس حكومته برنار كازنوف والعديد من الوزراء.
وفي معرض تبريره وقوفه إلى جانب ماكرون، اعتبر هولاند أن «تأهل اليمين المتطرف (في الجولة الثانية) يمثل تهديدا لبلدنا». وأشارت أوساط في قصر الإليزيه إلى أن هولاند، في حال فوز لوبان بالرئاسة، قد يرفض لقاءها من أجل عملية التسلم والتسليم. كما أعلن أمس المحفل الماسوني المسمى «محفل المشرق الكبير» تأييده لماكرون وحث رئيسه كريستوف هاباس على الوقوف بقوة بوجه لوبان والاقتراع لمرشح الوسط.
بيد أن هذا السيناريو يبدو مستبعدا للغاية بسبب دعوات التأييد التي تهطل على ماكرون ليس إعجابا به، وإنما لقطع طريق الإليزيه على لوبان. وانطلقت هذه الموجة منذ إعلان أولى النتائج واستمرت طيلة يوم أمس؛ وشملت حزب الجمهوريين والحزب الاشتراكي وأحزاب الوسط والعديد من النقابات واتحاد أرباب العمل، ناهيك عن دعم البورصة الباريسية وارتفاع قيمة اليورو إزاء العملات الدولية.
ومرة أخرى، عاد الحديث عن تشكيل «جبهة جمهورية» تقف سدا بوجه مارين لوبان وتمنعها من تحقيق انتصار «تاريخي» ستكون نتائجه، وفقا للداعين للجبهة، بالغة الضرر على فرنسا وعلى البناء الأوروبي وعلى علاقات فرنسا مع بقية دول العالم.
وإزاء هذا الطوق الآخذ بالتشكل، سارعت مارين لوبان صباح أمس، إلى التنديد به وقالت في تصريح صباحي إن «هذه الجبهة الجمهورية العتيقة الفاسدة تسعى للالتفاف حول ماكرون»، مضيفة أن «أحدا لا يريدها والفرنسيون يمقتونها بعنف نادر». وبرأي لوبان، فإن قيام هذه الجبهة «سيكون عاملا مساعدا» لها.
حتى الآن، بقي المرشح جان لوك ميلانشون الذي حل في المرتبة الرابعة متأخرا قليلا عن فرنسوا فيون، خارج مجموعة الداعين للاقتراع لصالح ماكرون. وفي الكلمة التي ألقاها ليل أول من أمس، بدا ميلانشون بالغ التأثر لأنه كان يأمل بنتيجة أفضل وأن يحل على الأقل في المرتبة الثالثة. ورفض مرشح «فرنسا المتمردة» الدعوة لدعم مرشح الوسط الذي كان يصفه في خطبه ومهرجاناته الانتخابية بأنه «مرشح المصرفيين». وقالت مجموعة من كوادر الحركة، اتصلت بهم «الشرق الأوسط» أمس، إن ثمة ميلا لعدم إعطاء توجيهات وترك حرية الخيار لأنصار الحركة. لكن هذا الموقف لا ينال الإجماع بتاتا، إذ سارعت صحيفة «لومانيتيه» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الفرنسي، وهو أحد أهم المجموعات الداعمة لميلانشون، إلى إطلاق دعوة للوقوف «سدا منيعا» بوجه لوبان. بينما تأمل هذه الأخيرة التي تفتقر جديا لخزان من الأصوات يسمح لها بالحصول على تأييد فئات من أنصار ميلانشون.
وحجة لوبان في ذلك أن العديد من التدابير الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الرغبة في إعادة التفاوض حول المعاهدات الأوروبية والخروج من العملة الموحدة واتخاذ تدابير حمائية للمنتجات الفرنسية والعداء بشكل عام للاتحاد الأوروبي وللعولمة. لكن مراقبين سياسيين يستبعدون أن يتحمل ميلانشون، الذي لم يوفر مناسبة للتنديد بلوبان وبأفكارها وآيديولوجيتها خصوصا إزاء الضعفاء والمهاجرين والإسلام، مسؤولية مساعدتها على الوصول إلى قصر الإليزيه.
يعي أنصار ماكرون أن لوبان ليست خصما هينا والدليل على ذلك أن الجبهة الوطنية التي ورثتها عن والدها استقطبت 7 ملايين ناخب، وهي نسبة عالية جدا وتمثل مليون ناخب إضافي قياسا لما حصلت عليه في الانتخابات الماضية. ويعي أنصار ماكرون أن الجناح المتشدد في حزب الجمهوريين لن ينساق لتوجيهات قيادة الحزب، وأنه سيميل لصالح زعيمة الجبهة الوطنية التي استأنفت منذ الأمس حملتها في زيارات لعدد من مدن الشمال الفرنسي الذي حلت فيه في المرتبة الأولى لجهة الأصوات التي حصلت عليها. كذلك، شهدت باريس مساء أمس في ساحة «لاريبوبليك» تجمعا شعبيا داعما لها، فيما هي تستمر في تقديم نفسها على أنها «مرشحة الشعب» مقابل مرشح العولمة وأوروبا وعالم المال والأعمال.
ويتوقع المراقبون حملة انتخابية عنيفة. وتمثل المبارزة التلفزيونية التي ستجرى يوم 3 مايو (أيار)، أي قبل أربعة أيام من جولة الإعادة، إحدى المحطات الفاصلة في السباق نحو الإليزيه. وتريد لوبان أن تتفوق على والدها الذي تأهل هو الآخر في العام 2002 للدورة الثانية، لكنه خسر السباق بوجه الرئيس جاك شيراك. والأسوأ من ذلك بالنسبة لليمين المتطرف، أنه حصل على أقل من عشرين في المائة من الأصوات بفضل أصوات اليسار التي انصبت لصالحه.
هذه الاعتبارات دفعت بالوزير السابق ورئيس حزب الديمقراطيين الوسطي، فرنسوا بايرو، وهو حليف رسمي لماكرون منذ ما قبل الجولة الأولى إلى التحذير من الاحتفال بالانتصار قبل أن يحصل. وقال بايرو منبهاً، إن الانتخابات «لا تكسب أبدا سلفا»، وخوفه أن تدفع استطلاعات الرأي أنصار ماكرون إلى التراخي باعتبار أن المعركة أصبحت محسومة وفق ما تفيد به استطلاعات الرأي، التي تعطي ماكرون ما بين 60 و64 في المائة من الأصوات.
ويبدو أن صورة الموقف السياسي في فرنسا ستشمل تغييرات جذرية، وإعادة تموضع، والبدء بالتفكير بالانتخابات النيابية التي ستحصل في شهر يونيو (حزيران) المقبل. ويراهن اليمين أن ماكرون لن يكون قادرا على توفير أغلبية برلمانية، وأنه إذا حافظ على وحدته فإنه سيكون قادرا على الفوز بها وبالتالي استعادة السلطة التي لم ينجح فيون في الإمساك بها بسبب فضائحه. ومنذ الآن، يطرح حزب الجمهوريين اسم عضو مجلس الشيوخ والوزير السابق فرنسوا باروان، ليكون رئيسا لحكومة التعايش بين رئيس جمهورية وسطي ورئيس حكومة يميني، مما سيدخل فرنسا، إذا ما تحقق هذا السيناريو، في دوامة من عدم الاستقرار السياسي.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».