أدباء عالميون في «بيت حافل بالمجانين»

حوارات شهيرة نشرتها مجلة «باريس ريفيو» بالعربية

نجيب محفوظ - إرنست همنغواي - بورخس
نجيب محفوظ - إرنست همنغواي - بورخس
TT

أدباء عالميون في «بيت حافل بالمجانين»

نجيب محفوظ - إرنست همنغواي - بورخس
نجيب محفوظ - إرنست همنغواي - بورخس

9 حوارات مهمة مع أدباء تركوا بصمة لا يزال أثرها ممتداً في عالم الأدب يضمها هذا الكتاب «بيت حافل بالمجانين» الذي ترجمه ترجمة شيقة الشاعر أحمد شافعي، وصدر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
شملت الحوارات: همنغواي، وهنري ميلر، وبورخيس، وكارلوس فوينتس، وكونديرا، ونجيب محفوظ، وبول أوستر، وسوزان سونتاج، وأمبرتو إكو... ويوضح شافعي في تقديمه الكتاب قصة هذه الحوارات، مشيرا إلى أنها رافقت مجلة «ذي باريس ريفيو» منذ تأسيسها عام 1953؛ حيث حرصت المجلة على أن تركز على الإبداع القصصي والشعري، منحية النقد جانبا. وفي المقابل، فتحت الباب على مصراعيه للكتاب أنفسهم ليتحدثوا عن إبداعهم، في شكل حوارات، يجريها معهم نخبة من المحررين المختصين، بلغة بسيطة سلسة، مهمومة بأن يعبر الكاتب عن هواجسه ورؤاه وأفكاره بحرية تامة، وعن جوانب من شخصيته قد لا تكشف عنها هذه الأعمال، بحسب المترجم، مشيرا إلى أنه «على مدار أكثر من ستين عاما، لم يصدر عدد من المجلة إلا وفيه حوار أو أكثر مع كاتب يستعرض تجربته من شتى أوجهها».
ويكشف المترجم عن طرائق رافقت الآلية التي أجريت بها هذه الحوارات مع الأدباء؛ فمنهم من ضرب فكرة الحوار في مقتل، بإصراره على ألا يجيب عن الأسئلة شفاهة، بل يكتب إجاباته، ويسلمها للمحاور في مظروف مغلق، مثلما فعل الكاتب الروسي ناباكوف، ومنهم من أصر على إجراء حواره عبر البريد، مثل الشاعر الإنجليزي فيليب لاركن، ومنهم من أصر على الإجابة كتابة في حضور المحاور على أن يقوم الاثنان معا فيما بعد بعملية قص ولزق، مثل الروائي التشيكي ميلان كونديرا.
ويذكر المترجم أن صدر المجلة كان رحبا أمام «تماحيك» الكتاب، فكانت ترحب بأن يراجعوا حواراتهم بأنفسهم، وتشجعهم على ذلك.
عن أهمية هذه الحوارات، يترجم شافعي مقالا مهما للروائي التركي أورهان باموق، لافتا إلى أن المقال كان مقدمة كتاب صدر عام 2007 بعنوان «حوارات ذي باريس ريفيو2»، وترجمت هذه المقدمة إلى الإنجليزية، ونشرت أيضا في صحيفة «الغارديان» البريطانية.
يروي باموق في مقالته التي عنونها باسم: «تدفعنا الشياطين» أنه عندما قرأ حوار فوكنر في مجلة «باريس دي ريفيو» للمرة الأولى في إسطنبول عام 1977، انتابه التيه «كما لو كنت عثرت على نص مقدس».
كان باموق في الخامسة والعشرين يجاهد لينتهي من روايته الأولى، بينما تومض أصداء فوكنر عليه حين يقول: «فكتابة المرء لروايته الأولى لا تقتضي فحسب أن يتعلم كيف يحكي حكايته وكأنها حكاية شخص آخر، إنها أمر يتعلق في الوقت نفسه بأن يصبح المرء شخصا يستطيع أن يتخيل رواية من بدايتها إلى منتهاها، بطريقة متزنة».
ثم يرفد ذلك إعجابه المبكر بصاحب رائعة «الصخب والعنف»، بمعادلة شيقة يذكرها فوكنر ردا على سؤال لمحاوره: كيف يصبح المرء روائيا جادا؟ يقول فوكنر: «تسعة وتسعون في المائة من الموهبة... تسعة وتسعون في المائة من النظام، وتسعة وتسعون في المائة من العمل»، لافتا إلى أن الكاتب عليه ألا يشعر أبدأ بالرضا عما يفعل؛ «فالعمل لا يصل أبدا إلى الجودة التي يمكن أن يكون عليها».
وفي ما يشبه النصائح، يتابع فوكنر قائلا: «لا تكف عن الحلم، واطمح إلى أعلى مما تحسب أنك قادر على تحقيقه، لا تقصر اهتمامك على أن تبز معاصريك أو أسلافك، حاول أن تتفوق على نفسك، الفنان خالق تدفعه الشياطين، وهو لا يعرف لماذا اختارته الشياطين هو بالذات، وهو دائم الانشغال بالتساؤل عن سر ذلك».
ومن داخل همّ الكتابة يلخص باموق أهمية هذه الحوارات قائلا: «لم أكن صديقا لأي من الكتاب الأتراك في جيلي، وزادتني العزلة قلقا على مستقبلي، وكلما كنت أجلس لقراءة تلك الحوارات، تتبدد الوحدة، كنت أكتشف أن ثمة آخرين يشعرون بمثل ما أشعر به، وأن المسافة ما بين ما كنت أشتهيه وما حققته مسافة طبيعية، وأن نفوري من الحياة اليومية المعتادة ليس علامة على علة تعتريني، بل دليل ذكاء».
ومن الأشياء المهمة في هذه الحوارات اهتمام محرريها بسيكولوجية وطقوس الكتابة لدى محاوريهم من الكتاب، فهمنغواي كان يكتب واقفا، منتعلا حذاءين واسعين، بينما الآلة الكاتبة على ارتفاع صدره في مواجهته، كما كان يضع لكل مشروع جديد ما يشبه الماكيت بالقلم الرصاص.
ويشير محاوره جورج بلتمون، في الحوار المنشور في عدد ربيع 1958 من المجلة، إلى أن همنغواي متكلم بارع، يتمتع بخفة دم، ولديه ثروة مدهشة من المعارف في كثير من الموضوعات، إلا أنه رغم ذلك يصعب عليه التكلم عن الكتابة، ليس لأن أفكاره عنها قليلة، وإنما لأن لديه شعورا قويا بأن تبقى هذه الأفكار دونما إعلان.
وعن أفضل حالات الكاتب، فيرى همنغواي أنها تكمن في أن يكون الكاتب في حالة حب. ويروي أنه حين يعمل على كتاب أو على قصة، يكتب «بمجرد أن يظهر أول ضوء من الصباح. في ذلك الوقت لا يكون هناك من يزعجك، ويكون الجو إما منعشا أو باردا، فتعمل ويدفئك العمل».
ويعترف همنغواي بأنه يعيد الكتابة كل يوم وصولا إلى النقطة التي توقف عندها، وحينما ينتهي العمل يقوم بذلك مرة أخرى بشكل طبيعي. ويذكر همنغواي في هذه السياق أنه كتب الصفحة الأخيرة من روايته الشهيرة «وداعا للسلاح» 39 مرة قبل أن يرضى عنها.
على عكس همنغواي يروي هنري ميلر أنه لا يقوم بالتصحيح أو المراجعة أثناء عملية الكتابة؛ ففي حوار أجراه معه جورج ويكس في لندن، ونشر في عدد صيف وخريف 1962 من المجلة، يقول ميلر: «لنفترض أنني كتبت شيئا بأي طريقة كانت، بعدها يبرد، أنا أتركه يستريح فترة، شهرا أو اثنين، أنظر فيه بعين باردة، وأقضي فيه وقتا رائعا. بالضبط أعمل فيه ببلطة، لكن ليس دائما، في بعض الأحيان يأتي بالضبط كما أردت له». وعن كيفية المراجعة، يقول ميلر: «عندما أراجع أستخدم القلم الحبر في التغيير، في الحذف، في الإضافة، وتبدو المخطوطة بديعة بعد ذلك، مثل بلزاك، ثم أعيد الكتابة على الآلة الكاتبة، وفي أثناء ذلك أجري مزيدا من التغييرات. أفضل أن أقوم بنفسي بإعادة الطباعة».
وعن عادات الكتابة لدى خورخي لويس بورخيس، يروي محاوره رونالد كريست في حوار مطول أجراه معه في المكتبة الوطنية الأرجنتينية، ونشر في عدد شتاء وربيع عام 1967 من المجلة، أن بورخيس يصل في عصر كل يوم إلى المكتبة، فيملي رسائله وقصائده على سكرتيرته، التي تقوم بصفِّها، ثم تلاوتها عليه، وقد تنسخ الواحدة منها بعد مراجعات بورخيس لها، وقد تصل إلى مرات كثيرة قبل أن يرضى عنها.
ويروي كريست أنه في بعض الأمسيات كانت السكرتيرة تقرأ له، فلا يفوت فرصة أن يصحح لها نطقها للإنجليزية. وكان بورخيس حين يدخل إلى المكتبة مستندا على عصاه، يتوقف الجميع لوهلة عن الكلام احتراما له، وتعاطفا مع رجل شبه أعمى. ويلفت كريست إلى أن بورخيس لم يكن جادا طوال الوقت، فقد كان يتمتع بروح مرحة، فكان حين يرغب في التفكير، يترك مكتبه، ويتجول حول قاعة المطالعة المستديرة، فيشاغب القراء بإلقاء النكات الصغيرة العملية.
ويؤكد بورخيس أن قصصه تكمن في مواقفها، وليس في شخصياتها، ويبرر ذلك بطريقة مازحة قائلا: «إلا فيما يتعلق بفكرة الشجاعة، ربما لأنني أنا شخصيا لا أتسم بكثير منها». ويكشف نجيب في حوار أجرته معه تشارلوت الشبراوي، ونشر بالمجلة في عدد صيف 1992 عن أن «سعيد مهران» السجين واللص الشهير بطل روايته «اللص والكلاب»، الذي دوخ الشرطة، هو صاحب أول تأثير أدبي عليه.
وحول طبيعة استلهامه شخصيات قصصه، يذكر محفوظ أنه يكتب ما يحدث حوله؛ في البيت، في المدرسة، في الشارع، في العمل، وكذلك الأشياء التي يتحدث فيها أصدقاؤه حين يمضي وقتا معهم، وتترك أثرا فيه. وكما يقول: «قصصي القصيرة تأتي من قلبي مباشرة»، أما الأعمال الأخرى فتحتاج إلى تحضير، لافتا إلى أنه حين كتب «الثلاثية» قام ببحث موسع، ووضع لكل شخصية ملفا خاصا بها، وأنه إذا لم يفعل ذلك لكان تاه، ونسي أشياء كثيرة.
ويذكر محفوظ أن من عادات الكتابة لديه أنه يراجع كثيرا ويحذف كثيرا: «أكتب على الصفحة كلها، بل على الوجهين، غالبا ما تكون مراجعاتي أساسية، وبعد أن أراجع أعيد كتابة القصة، وأرسلها إلى الناشر مباشرة، ثم أمزق كل المسودات وأرميها».
إنها عادات وطقوس لا تنفصل عن طبيعة الكتاب ومزاجهم الشخصي، بل أحيانا تنعكس على رؤاهم وأفكارهم، لكنها في كل الأحوال تعطي لأعمالهم مذاقا خاصا... مثلما منحنا هذا الكتاب الشيق.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.