وزير الخارجية الفلسطيني في باريس وعينه على واشنطن

رياض المالكي لـ «الشرق الأوسط» : ليس لدينا وهم بقدرتنا على قلب الموازين في أميركا لكن هناك فرصة

المالكي (أ.ب)
المالكي (أ.ب)
TT

وزير الخارجية الفلسطيني في باريس وعينه على واشنطن

المالكي (أ.ب)
المالكي (أ.ب)

شسيشيس يعتبر وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن أمام السلطة الفلسطينية «فرصة» للمساهمة في بلورة سياسة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب التي «ما زالت في طور البلورة». وهو يراهن على «خصوصية شخصية ترمب»، باعتباره «يختلف عن سابقيه من حيث تفكيره ورؤيته». ولذلك، فهو لا يستبعد أن يتخذ ترمب قراراً مخالفاً لما ينصح به مستشاروه، رغم تشديده على ألا أوهام لدى السلطة بقدرتها على قلب الموازين في واشنطن.
تحدث المالكي إلى «الشرق الأوسط» من باريس، حيث التقى نظيره الفرنسي جان مارك إيرولت ومسؤولين وممثلي مجموعة من منظمات المجتمع المدني. لكن عينه كانت على واشنطن، خصوصاً على زيارة الرئيس محمود عباس للبيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب في الثالث من الشهر المقبل.
وعرض الوزير الفلسطيني مضمون محادثاته مع نظيره الفرنسي، خصوصاً حض فرنسا على الاعتراف بالدولة الفلسطينية قبل انتهاء عهد الرئيس فرنسوا هولاند منتصف الشهر المقبل. بيد أن الجانب الفرنسي اعتبر أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتم مع نهاية عهد، بل يتعين انتظار الحكومة المقبلة. وتناول المالكي العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتخوفه من انعقاد مجلس الشراكة الأوروبي - الإسرائيلي، والحاجة إلى معارضة فرنسا ذلك، كما فعلت في السابق، بالنظر إلى الممارسات الإسرائيلية على الأرض. وفيما يلي نص الحوار:
* هل يمكن أن تخبرنا عن طبيعة لقاءاتك في العاصمة الفرنسية، وتحديداً مع الوزير إيرولت؟
- نحن لا نزال نصر في لقاءاتنا مع الفرنسيين على موضوع رئيسي، هو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لأننا نعتقد أن الاعتراف قد يكون في هذه المرحلة أسهل بكثير (مما كان عليه في السابق)، باعتبار أن عهد الرئيس هولاند في أيامه الأخيرة. لكن الطرف الفرنسي يرى عكس ما نرى، بل يعتبر هذا الموضوع اليوم أصعب بكثير، والعرف يحتم ترك الملف للعهد الجديد.
* هل يعني ذلك أنكم طلبتم الاعتراف مباشرة، وهم رفضوا؟
- نعم. طلبنا ذلك. الرئيس عباس في زيارته الأخيرة أثار الموضوع مع الرئيس هولاند شخصياً، وأبلغناهم بأن هناك مجموعة من الدول الأوروبية معنية (بأن تلحق بفرنسا) في حال قامت باريس بهذه الخطوة. لكن لهم رأي مختلف وهم يعتبرون أن عدد هذه الدول سيكون قليلاً، بل أقلية، بينما المطلوب خطوة أكبر وأكثر جذباً لأكبر عدد من الدول الأوروبية. ومع ذلك، أكد الجانب الفرنسي التزامه بهذا الموضوع واستمراره في العمل عليه بشكل جدي. ومن جهتنا، طلبنا أن يبقى موضوع الاعتراف على جدول أعمال الحكومة المقبلة، وأنه يتعين طرحه داخل الاتحاد على مستوى المجلس الوزاري لمناقشته من أجل اتخاذ قرار. ووعدني الوزير إيرولت بذلك، وبالتالي سنستمر في التواصل مع باريس.
أما الموضوع الثاني الذي أثرناه، فهو الاستيطان، وذكرنا أن فرنسا معنية به عن طريق القرار الدولي رقم 2234 الذي صوتت لصالحه. وواضح أن إسرائيل تنتهك روحه ومضمونه، ما يتطلب خطوات ليس على المستوى الفرنسي والأوروبي فحسب، بل على مستوى مجلس الأمن. ونحن نعول كذلك على الدور الفرنسي داخل المجلس وطرح الموضوع بقوة، بغض النظر عن موقف الإدارة الأميركية الجديدة من القرار 2234، بسبب خطورة الإجراءات الإسرائيلية، لكونها تهدد حل الدولتين وفرنسا معنية بالحفاظ عليه. كذلك تناولنا العلاقات الثنائية ومسألة تطويرها وإضراب الأسرى وشرحت بإسهاب أسبابه ومطالبهم العادلة، ورد إيرولت بأنه مطلع على التفاصيل. ومع ذلك طلبت منه التدخل لدى «الصليب الأحمر» والحكومة الإسرائيلية.
من جانب آخر، نحن قلقون على المستوى الأوروبي مما سيحصل مع إسرائيل، وتحديداً من عقد «مجلس الشراكة»، باعتبار أن شيئا كهذا (تطوير العلاقات مع إسرائيل) سيعطي إشارات سلبية وخطيرة. ونعني بذلك أنه عندما يدين الاتحاد الأوروبي بدوله وكمجموعة الاستيطان الإسرائيلي، لكنه في اليوم التالي يجلس مع الإسرائيليين وكأن هذا لا علاقة له بما يقوم به الإسرائيليون في فلسطين، فإن في ذلك تناقضاً في الموقف الأوروبي، كأنهم يفصلون تماماً بين تعزيز العلاقة مع إسرائيل من جانب والممارسات الإسرائيلية وانتهاك القوانين الدولية من جانب آخر.

لقاء عباس - ترمب
* الجديد في الملف الفلسطيني هو اللقاء المرتقب يوم 3 مايو (أيار) في واشنطن بين الرئيسين عباس وترمب. ما المنتظر منه؟ وهل لديكم مؤشرات على خطة أو أفكار أميركية جديدة؟
- عندما كنا في البحر الميت (بمناسبة القمة العربية)، حصل تنسيق على أعلى مستوى بين مصر والأردن وفلسطين في كيفية طرح الملف الفلسطيني أمام الإدارة الأميركية الجديدة، واتفقنا على اللغة التي سنتحدث بها مع الأميركيين. هذه اللغة التزمت بها مصر والأردن في لقاءي الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله الثاني مع الرئيس ترمب. والملك الأردني تحدث باسم العرب وبصفته رئيساً للقمة العربية. وعندما سيصل الرئيس عباس إلى واشنطن، فستكون الأمور بالنسبة إليه أسهل بكثير لأنه سيطرح القضايا نفسها باللغة نفسها حيث سيسمعها ترمب للمرة الثالثة من مسؤول حتى تتبلور (في ذهنه) وتتحول عنده إلى مسألة أساسية. وأعتقد أن تكرار طرحها من قبل القادة العرب مهم جداً.
بالمقابل، ليس لدينا أي وهم لجهة أننا نستطيع أن نقلب كل الموازين وبأن هذه الزيارة ستغير الفكر الراسخ لدى ترمب. ما نقوله مرده إلى أنه تبين لنا أن الإدارة الحالية في طور تكوين موقف بخصوص تلك «الصفقة التاريخية» (التي طرحها ترمب لإيجاد حل للموضوع الفلسطيني). وخلال فترة تكوين الموقف، فإن أي دخول عليها عن طريق طرح قضايا وإدخال معلومات وحقائق تدعم موقفنا، فإن كل ذلك سيكون في مصلحتنا. لهذا السبب، فإن الزيارة المقبلة في توقيتها مهمة جداً. كما أن الزيارات التي سبقت كانت أيضاً مهمة. وأشير إلى زيارة رئيس المخابرات الفلسطينية إلى واشنطن التي أعقبتها زيارة مدير المخابرات المركزية الأميركية إلى رام الله، وكذلك زيارة المبعوث الخاص الأميركي إلى رام الله أيضاً لأكثر من يومين واجتماعه مع الرئيس عباس للمرة الثانية على هامش اجتماعات القمة العربية. كل ذلك نعتبره مفيداً ومهماً.
* إسرائيل ما زالت تقول وتتصرف على أساس أن ترمب يقف إلى جانبها ويتفهم مواقفها. أليس كذلك؟
- بغض النظر عما تروج له إسرائيل عن إدارة ترمب وعن قربها منه وتبنيه المواقف الإسرائيلية اليمينية الفاشية، أو فيما يتعلق بالأشخاص الذين تتكون منهم الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي، فنحن لدينا قناعة مفادها أن هذه الزيارة ستوفر الفرصة للرئيس عباس كي يطرح الحقائق كما هي أمام الرئيس ترمب ويقنعه بها ويعمل على تغيير المفاهيم المتكونة لديه. وقناعتنا أن الرئيس لديه القدرة والكاريزما للقيام بذلك.
لدينا إشارات إلى إمكانية طرح هذه القضايا المذكورة بكامل الوضوح أمام ترمب. لذلك نعتبرها محاولة مهمة يجب أن نستغلها بشكل جيد، ولهذا السب سيتم إرسال وفد رفيع المستوى إلى واشنطن الأحد المقبل للتحضير لزيارة الرئيس، وسيكون من ضمنه (كبير المفاوضين) صائب عريقات لتغطية الجانب السياسي و(رئيس الاستخبارات) ماجد فرج لتغطية الجانب الأمني ورئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني نائب رئيس مجلس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية محمد مصطفى ليغطي الجانب الاقتصادي. نحن نريد أن تكون هذه الزيارة ناجحة وليست عبارة عن زيارة مجاملة أو محض بروتوكولية. ولذا، فإن ذهاب الوفد الذي أشرت إليه (غداً) الأحد وبقاءه في واشنطن حتى قدوم الرئيس مهم جداً لتذليل القضايا كافة والاتفاق على العناوين كلها.
عملياً، نريد أن نحصل على تأكيد من الرئيس ترمب التزام حل الدولتين، وعلى إشارة واضحة إلى أنه لن ينقل السفارة الأميركية إلى القدس، وكلام واضح في موضوع وقف الاستيطان، والتزام بالقيام بكل ما يمكنه القيام به للضغط على الجانب الإسرائيلي لوقف الممارسات القمعية والفاشية، وإشارة واضحة إلى أننا سنستطيع، خلال أي مرحلة تفاوضية، أن يكون هناك انفتاح اقتصادي وتنموي، وأن تسمح لنا إسرائيل بالاستفادة من كل الإمكانيات والموارد لتطوير الاقتصاد والتنمية الفلسطينية. هذا ما نريده ونعتقد أن هناك إمكانية متاحة للرئيس ترمب كي يقول هذه الأمور ويؤكد عليها بكل قوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لن يكون لديه أي خيار إلا أن يتعامل معها ومع المنطق الجديد والواضح (الذي نريده) من ترمب.
* لكن لو نظرنا إلى ما حصل قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومنذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، نجد أنه ليس ثمة ما يشجع ويعطي مبررات للتعويل على مواقف جديدة للإدارة الأميركية. وعندما كان نتنياهو في واشنطن سمعنا خطاباً أميركياً غير مسبوق في تبنيه المواقف الإسرائيلية. هل تبقى، رغم ذلك، فسحة للمراهنة على تغيرات في الموقف الأميركي؟
- نعم. صدرت مواقف وتصريحات أميركية، في السياق الذي تشير إليه، بمناسبة الاتصالات الأميركية - الإسرائيلية. الآن هناك اتصالات فلسطينية مع الإدارة الأميركية. علينا أن ننتظر كي نقوم ونسمع وسيكون للإسرائيليين اهتمام كبير للغاية بما سيصدر من إشارات وتلميحات، ليست فقط كلامية وإنما أيضاً جسدية من الرئيس ترمب بخصوص نتائج لقائه مع الرئيس عباس. بالنسبة لنا، هذا الأمر مهم جداً، إذ إننا لا نستطيع أن نحكم جزئياً على الإدارة الأميركية من خلال زيارة نتنياهو إلى واشنطن، وعلينا أن ننتظر حتى تتم زيارة أبو مازن (عباس) وبعد ذلك سنرى النتائج، بغض النظر عن الحلقة الضيقة التي تحيط بترمب وما تميل إليه وتحبذه.
بالنسبة إليّ، لا أريد التوقف عند سوداوية الصورة حتى هذه اللحظة رغم وجود مؤشرات سوداء. لكن أيضاً علي أن أنتظر حتى يتسنى للرئيس عقد محادثات مع ترمب، وبعد ذلك سنحكم على الموضوع. اليوم، أرى أن هناك فرصة أعطيت لنتنياهو وهناك استفادة كاملة من قبل إسرائيل واللوبي اليهودي من كل ما هو متاح لهم في واشنطن. ونحن ليست لدينا الفرص نفسها المتاحة لهم ولا نشبههم في موضع القرب من دوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية. لكن لدينا فرصتنا الآن في لقاء الرئيسين، وهذا الإطار مهم بالنسبة إلينا.
* هل حمل المسؤولون الأميركيون الذين قاموا بزيارتكم والتقيتم بهم أفكاراً جديدة؟ هل ثمة ما يوحي بمقاربة جديدة؟
- هم جاؤوا واستمعوا، ويمكن اعتبار زياراتهم استكشافية. كانوا مستمعين إلى كل تفاصيل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. ونعتبر أن استماعهم كان مهماً. اللقاء الأول بين (المبعوث الخاص لترمب) جيسون غرينبلات والرئيس كان تعارفياً، وعرض له أبو مازن رؤية واضحة وتفصيلية، وبقي غرينبلات مستمعاً. لكنه في المرة الثانية عاد بمجموعة من الاستفسارات والأسئلة، وكان أبو مازن يقدم له الأجوبة بالتفصيل. وبالتالي نحن نرى أن ثمة تطوراً حصل في هذا النوع من اللقاءات من حيث طبيعتها ومضمونها. وفي رأينا أن هذا مهم إذا كنا نقرأ التطور والتحول الذي يحدث لدى إدارة ترمب بخصوص المعلومة والمعرفة وكيفية التفاعل معها، لكننا لا نستطيع القول إن الأمور بخير، لأننا نتابع تفاصيل المشهد الأميركي كافة من التصريحات والتعيينات وطبيعة صنع القرار وتأثير اللوبيات اليهودية. هذا كله موجود وصحيح. ورغم ذلك، فعلينا أن نحاول وعلينا أن نبذل جهداً كبيراً لأننا نشعر أن لدينا الآن فرصة. الرئيس ترمب يختلف عن سابقيه من حيث التفكير والرؤية، وقد يتخذ قراراً بشأن موضوع معين، بغض النظر عما يقوله مستشاروه. ولذا نحن نراهن على هذه الخصوصية في شخصيته.
* تحدثت بداية عن «صفقة تاريخية» قد يكون ترمب ساعياً إليها... ما المقصود بذلك؟
- هذا ما قاله ترمب نفسه. لقد انتقل من تعبير الاتفاق إلى الصفقة. ربما كلمة صفقة أهون بالنسبة إليه للتعبير عما يجول في نفسه وعن تجاربه السابقة. في نهاية المطاف، نحن ليس لدينا أي مانع في استعمال هذه التعابير، إذا كانت تعطينا النتيجة التي نسعى إليها.
* هل المقصود أنها فقط تعابير لغوية، وليس لها مضمون سياسي؟
- هي كذلك.
* في لقاء سابق، شرحت لي أن لديكم «خطة ب» في حال فشلت الجهود لإخراج الملف من الطريق المسدود. هل ما زلتم عند خطتكم؟
- علينا أن ننتظر لنرى لقاء الرئيس مع ترمب.
* هل يعني هذا أن الأمور مجمدة في انتظار ما سيخرج به الاجتماع؟
- المهلة لا تتجاوز أسبوعين، وبعدها ستكون الأمور اتضحت.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.