وزير الخارجية الفلسطيني في باريس وعينه على واشنطن

رياض المالكي لـ «الشرق الأوسط» : ليس لدينا وهم بقدرتنا على قلب الموازين في أميركا لكن هناك فرصة

المالكي (أ.ب)
المالكي (أ.ب)
TT

وزير الخارجية الفلسطيني في باريس وعينه على واشنطن

المالكي (أ.ب)
المالكي (أ.ب)

شسيشيس يعتبر وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن أمام السلطة الفلسطينية «فرصة» للمساهمة في بلورة سياسة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب التي «ما زالت في طور البلورة». وهو يراهن على «خصوصية شخصية ترمب»، باعتباره «يختلف عن سابقيه من حيث تفكيره ورؤيته». ولذلك، فهو لا يستبعد أن يتخذ ترمب قراراً مخالفاً لما ينصح به مستشاروه، رغم تشديده على ألا أوهام لدى السلطة بقدرتها على قلب الموازين في واشنطن.
تحدث المالكي إلى «الشرق الأوسط» من باريس، حيث التقى نظيره الفرنسي جان مارك إيرولت ومسؤولين وممثلي مجموعة من منظمات المجتمع المدني. لكن عينه كانت على واشنطن، خصوصاً على زيارة الرئيس محمود عباس للبيت الأبيض للقاء الرئيس ترمب في الثالث من الشهر المقبل.
وعرض الوزير الفلسطيني مضمون محادثاته مع نظيره الفرنسي، خصوصاً حض فرنسا على الاعتراف بالدولة الفلسطينية قبل انتهاء عهد الرئيس فرنسوا هولاند منتصف الشهر المقبل. بيد أن الجانب الفرنسي اعتبر أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتم مع نهاية عهد، بل يتعين انتظار الحكومة المقبلة. وتناول المالكي العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتخوفه من انعقاد مجلس الشراكة الأوروبي - الإسرائيلي، والحاجة إلى معارضة فرنسا ذلك، كما فعلت في السابق، بالنظر إلى الممارسات الإسرائيلية على الأرض. وفيما يلي نص الحوار:
* هل يمكن أن تخبرنا عن طبيعة لقاءاتك في العاصمة الفرنسية، وتحديداً مع الوزير إيرولت؟
- نحن لا نزال نصر في لقاءاتنا مع الفرنسيين على موضوع رئيسي، هو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لأننا نعتقد أن الاعتراف قد يكون في هذه المرحلة أسهل بكثير (مما كان عليه في السابق)، باعتبار أن عهد الرئيس هولاند في أيامه الأخيرة. لكن الطرف الفرنسي يرى عكس ما نرى، بل يعتبر هذا الموضوع اليوم أصعب بكثير، والعرف يحتم ترك الملف للعهد الجديد.
* هل يعني ذلك أنكم طلبتم الاعتراف مباشرة، وهم رفضوا؟
- نعم. طلبنا ذلك. الرئيس عباس في زيارته الأخيرة أثار الموضوع مع الرئيس هولاند شخصياً، وأبلغناهم بأن هناك مجموعة من الدول الأوروبية معنية (بأن تلحق بفرنسا) في حال قامت باريس بهذه الخطوة. لكن لهم رأي مختلف وهم يعتبرون أن عدد هذه الدول سيكون قليلاً، بل أقلية، بينما المطلوب خطوة أكبر وأكثر جذباً لأكبر عدد من الدول الأوروبية. ومع ذلك، أكد الجانب الفرنسي التزامه بهذا الموضوع واستمراره في العمل عليه بشكل جدي. ومن جهتنا، طلبنا أن يبقى موضوع الاعتراف على جدول أعمال الحكومة المقبلة، وأنه يتعين طرحه داخل الاتحاد على مستوى المجلس الوزاري لمناقشته من أجل اتخاذ قرار. ووعدني الوزير إيرولت بذلك، وبالتالي سنستمر في التواصل مع باريس.
أما الموضوع الثاني الذي أثرناه، فهو الاستيطان، وذكرنا أن فرنسا معنية به عن طريق القرار الدولي رقم 2234 الذي صوتت لصالحه. وواضح أن إسرائيل تنتهك روحه ومضمونه، ما يتطلب خطوات ليس على المستوى الفرنسي والأوروبي فحسب، بل على مستوى مجلس الأمن. ونحن نعول كذلك على الدور الفرنسي داخل المجلس وطرح الموضوع بقوة، بغض النظر عن موقف الإدارة الأميركية الجديدة من القرار 2234، بسبب خطورة الإجراءات الإسرائيلية، لكونها تهدد حل الدولتين وفرنسا معنية بالحفاظ عليه. كذلك تناولنا العلاقات الثنائية ومسألة تطويرها وإضراب الأسرى وشرحت بإسهاب أسبابه ومطالبهم العادلة، ورد إيرولت بأنه مطلع على التفاصيل. ومع ذلك طلبت منه التدخل لدى «الصليب الأحمر» والحكومة الإسرائيلية.
من جانب آخر، نحن قلقون على المستوى الأوروبي مما سيحصل مع إسرائيل، وتحديداً من عقد «مجلس الشراكة»، باعتبار أن شيئا كهذا (تطوير العلاقات مع إسرائيل) سيعطي إشارات سلبية وخطيرة. ونعني بذلك أنه عندما يدين الاتحاد الأوروبي بدوله وكمجموعة الاستيطان الإسرائيلي، لكنه في اليوم التالي يجلس مع الإسرائيليين وكأن هذا لا علاقة له بما يقوم به الإسرائيليون في فلسطين، فإن في ذلك تناقضاً في الموقف الأوروبي، كأنهم يفصلون تماماً بين تعزيز العلاقة مع إسرائيل من جانب والممارسات الإسرائيلية وانتهاك القوانين الدولية من جانب آخر.

لقاء عباس - ترمب
* الجديد في الملف الفلسطيني هو اللقاء المرتقب يوم 3 مايو (أيار) في واشنطن بين الرئيسين عباس وترمب. ما المنتظر منه؟ وهل لديكم مؤشرات على خطة أو أفكار أميركية جديدة؟
- عندما كنا في البحر الميت (بمناسبة القمة العربية)، حصل تنسيق على أعلى مستوى بين مصر والأردن وفلسطين في كيفية طرح الملف الفلسطيني أمام الإدارة الأميركية الجديدة، واتفقنا على اللغة التي سنتحدث بها مع الأميركيين. هذه اللغة التزمت بها مصر والأردن في لقاءي الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله الثاني مع الرئيس ترمب. والملك الأردني تحدث باسم العرب وبصفته رئيساً للقمة العربية. وعندما سيصل الرئيس عباس إلى واشنطن، فستكون الأمور بالنسبة إليه أسهل بكثير لأنه سيطرح القضايا نفسها باللغة نفسها حيث سيسمعها ترمب للمرة الثالثة من مسؤول حتى تتبلور (في ذهنه) وتتحول عنده إلى مسألة أساسية. وأعتقد أن تكرار طرحها من قبل القادة العرب مهم جداً.
بالمقابل، ليس لدينا أي وهم لجهة أننا نستطيع أن نقلب كل الموازين وبأن هذه الزيارة ستغير الفكر الراسخ لدى ترمب. ما نقوله مرده إلى أنه تبين لنا أن الإدارة الحالية في طور تكوين موقف بخصوص تلك «الصفقة التاريخية» (التي طرحها ترمب لإيجاد حل للموضوع الفلسطيني). وخلال فترة تكوين الموقف، فإن أي دخول عليها عن طريق طرح قضايا وإدخال معلومات وحقائق تدعم موقفنا، فإن كل ذلك سيكون في مصلحتنا. لهذا السبب، فإن الزيارة المقبلة في توقيتها مهمة جداً. كما أن الزيارات التي سبقت كانت أيضاً مهمة. وأشير إلى زيارة رئيس المخابرات الفلسطينية إلى واشنطن التي أعقبتها زيارة مدير المخابرات المركزية الأميركية إلى رام الله، وكذلك زيارة المبعوث الخاص الأميركي إلى رام الله أيضاً لأكثر من يومين واجتماعه مع الرئيس عباس للمرة الثانية على هامش اجتماعات القمة العربية. كل ذلك نعتبره مفيداً ومهماً.
* إسرائيل ما زالت تقول وتتصرف على أساس أن ترمب يقف إلى جانبها ويتفهم مواقفها. أليس كذلك؟
- بغض النظر عما تروج له إسرائيل عن إدارة ترمب وعن قربها منه وتبنيه المواقف الإسرائيلية اليمينية الفاشية، أو فيما يتعلق بالأشخاص الذين تتكون منهم الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي، فنحن لدينا قناعة مفادها أن هذه الزيارة ستوفر الفرصة للرئيس عباس كي يطرح الحقائق كما هي أمام الرئيس ترمب ويقنعه بها ويعمل على تغيير المفاهيم المتكونة لديه. وقناعتنا أن الرئيس لديه القدرة والكاريزما للقيام بذلك.
لدينا إشارات إلى إمكانية طرح هذه القضايا المذكورة بكامل الوضوح أمام ترمب. لذلك نعتبرها محاولة مهمة يجب أن نستغلها بشكل جيد، ولهذا السب سيتم إرسال وفد رفيع المستوى إلى واشنطن الأحد المقبل للتحضير لزيارة الرئيس، وسيكون من ضمنه (كبير المفاوضين) صائب عريقات لتغطية الجانب السياسي و(رئيس الاستخبارات) ماجد فرج لتغطية الجانب الأمني ورئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني نائب رئيس مجلس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية محمد مصطفى ليغطي الجانب الاقتصادي. نحن نريد أن تكون هذه الزيارة ناجحة وليست عبارة عن زيارة مجاملة أو محض بروتوكولية. ولذا، فإن ذهاب الوفد الذي أشرت إليه (غداً) الأحد وبقاءه في واشنطن حتى قدوم الرئيس مهم جداً لتذليل القضايا كافة والاتفاق على العناوين كلها.
عملياً، نريد أن نحصل على تأكيد من الرئيس ترمب التزام حل الدولتين، وعلى إشارة واضحة إلى أنه لن ينقل السفارة الأميركية إلى القدس، وكلام واضح في موضوع وقف الاستيطان، والتزام بالقيام بكل ما يمكنه القيام به للضغط على الجانب الإسرائيلي لوقف الممارسات القمعية والفاشية، وإشارة واضحة إلى أننا سنستطيع، خلال أي مرحلة تفاوضية، أن يكون هناك انفتاح اقتصادي وتنموي، وأن تسمح لنا إسرائيل بالاستفادة من كل الإمكانيات والموارد لتطوير الاقتصاد والتنمية الفلسطينية. هذا ما نريده ونعتقد أن هناك إمكانية متاحة للرئيس ترمب كي يقول هذه الأمور ويؤكد عليها بكل قوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لن يكون لديه أي خيار إلا أن يتعامل معها ومع المنطق الجديد والواضح (الذي نريده) من ترمب.
* لكن لو نظرنا إلى ما حصل قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومنذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، نجد أنه ليس ثمة ما يشجع ويعطي مبررات للتعويل على مواقف جديدة للإدارة الأميركية. وعندما كان نتنياهو في واشنطن سمعنا خطاباً أميركياً غير مسبوق في تبنيه المواقف الإسرائيلية. هل تبقى، رغم ذلك، فسحة للمراهنة على تغيرات في الموقف الأميركي؟
- نعم. صدرت مواقف وتصريحات أميركية، في السياق الذي تشير إليه، بمناسبة الاتصالات الأميركية - الإسرائيلية. الآن هناك اتصالات فلسطينية مع الإدارة الأميركية. علينا أن ننتظر كي نقوم ونسمع وسيكون للإسرائيليين اهتمام كبير للغاية بما سيصدر من إشارات وتلميحات، ليست فقط كلامية وإنما أيضاً جسدية من الرئيس ترمب بخصوص نتائج لقائه مع الرئيس عباس. بالنسبة لنا، هذا الأمر مهم جداً، إذ إننا لا نستطيع أن نحكم جزئياً على الإدارة الأميركية من خلال زيارة نتنياهو إلى واشنطن، وعلينا أن ننتظر حتى تتم زيارة أبو مازن (عباس) وبعد ذلك سنرى النتائج، بغض النظر عن الحلقة الضيقة التي تحيط بترمب وما تميل إليه وتحبذه.
بالنسبة إليّ، لا أريد التوقف عند سوداوية الصورة حتى هذه اللحظة رغم وجود مؤشرات سوداء. لكن أيضاً علي أن أنتظر حتى يتسنى للرئيس عقد محادثات مع ترمب، وبعد ذلك سنحكم على الموضوع. اليوم، أرى أن هناك فرصة أعطيت لنتنياهو وهناك استفادة كاملة من قبل إسرائيل واللوبي اليهودي من كل ما هو متاح لهم في واشنطن. ونحن ليست لدينا الفرص نفسها المتاحة لهم ولا نشبههم في موضع القرب من دوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية. لكن لدينا فرصتنا الآن في لقاء الرئيسين، وهذا الإطار مهم بالنسبة إلينا.
* هل حمل المسؤولون الأميركيون الذين قاموا بزيارتكم والتقيتم بهم أفكاراً جديدة؟ هل ثمة ما يوحي بمقاربة جديدة؟
- هم جاؤوا واستمعوا، ويمكن اعتبار زياراتهم استكشافية. كانوا مستمعين إلى كل تفاصيل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. ونعتبر أن استماعهم كان مهماً. اللقاء الأول بين (المبعوث الخاص لترمب) جيسون غرينبلات والرئيس كان تعارفياً، وعرض له أبو مازن رؤية واضحة وتفصيلية، وبقي غرينبلات مستمعاً. لكنه في المرة الثانية عاد بمجموعة من الاستفسارات والأسئلة، وكان أبو مازن يقدم له الأجوبة بالتفصيل. وبالتالي نحن نرى أن ثمة تطوراً حصل في هذا النوع من اللقاءات من حيث طبيعتها ومضمونها. وفي رأينا أن هذا مهم إذا كنا نقرأ التطور والتحول الذي يحدث لدى إدارة ترمب بخصوص المعلومة والمعرفة وكيفية التفاعل معها، لكننا لا نستطيع القول إن الأمور بخير، لأننا نتابع تفاصيل المشهد الأميركي كافة من التصريحات والتعيينات وطبيعة صنع القرار وتأثير اللوبيات اليهودية. هذا كله موجود وصحيح. ورغم ذلك، فعلينا أن نحاول وعلينا أن نبذل جهداً كبيراً لأننا نشعر أن لدينا الآن فرصة. الرئيس ترمب يختلف عن سابقيه من حيث التفكير والرؤية، وقد يتخذ قراراً بشأن موضوع معين، بغض النظر عما يقوله مستشاروه. ولذا نحن نراهن على هذه الخصوصية في شخصيته.
* تحدثت بداية عن «صفقة تاريخية» قد يكون ترمب ساعياً إليها... ما المقصود بذلك؟
- هذا ما قاله ترمب نفسه. لقد انتقل من تعبير الاتفاق إلى الصفقة. ربما كلمة صفقة أهون بالنسبة إليه للتعبير عما يجول في نفسه وعن تجاربه السابقة. في نهاية المطاف، نحن ليس لدينا أي مانع في استعمال هذه التعابير، إذا كانت تعطينا النتيجة التي نسعى إليها.
* هل المقصود أنها فقط تعابير لغوية، وليس لها مضمون سياسي؟
- هي كذلك.
* في لقاء سابق، شرحت لي أن لديكم «خطة ب» في حال فشلت الجهود لإخراج الملف من الطريق المسدود. هل ما زلتم عند خطتكم؟
- علينا أن ننتظر لنرى لقاء الرئيس مع ترمب.
* هل يعني هذا أن الأمور مجمدة في انتظار ما سيخرج به الاجتماع؟
- المهلة لا تتجاوز أسبوعين، وبعدها ستكون الأمور اتضحت.



أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.