1300 أسير فلسطيني يبدأون الإضراب وإسرائيل تتحدى

عباس يطالب العالم بإنقاذ حياتهم والمواطنون ينظمون مسيرات غضب في الضفة

فلسطينيون في مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية خلال مسيرة تضامنية مع الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية خلال مسيرة تضامنية مع الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
TT

1300 أسير فلسطيني يبدأون الإضراب وإسرائيل تتحدى

فلسطينيون في مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية خلال مسيرة تضامنية مع الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية خلال مسيرة تضامنية مع الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

بدأ نحو 1300 أسير فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية أمس إضراباً مفتوحاً عن الطعام، معلنين بدء معركة صعبة وطويلة لتحقيق بعض مطالبهم المتعلقة بتحسين ظروف الاعتقال، وسط استنفار رسمي وشعبي ودعوات لمساندة الإضراب بكل الطرق الممكنة.
وأطلق الأسرى على الإضراب الجماعي، الذي يقوده عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الأسير مروان البرغوثي، «إضراب الحرية والكرامة»، ومن جهتها، ردت السلطات الإسرائيلية بالإيعاز لإدارة مصلحة السجون بعدم التفاوض معهم.
وأخرج الأسرى المضربون أمس كل المواد الغذائية من معتقلاتهم بعد أن حلقوا شعر رؤوسهم، إيذاناً ببدء الإضراب الأكبر منذ إضراب 2012 الذي خاضه مئات الأسرى، وحقق إنجازات لها علاقة بإنهاء العزل الانفرادي والسماح لذوي المعتقلين من غزة بزيارتهم.
ويطلب الأسرى في الإضراب الحالي، الذي يتوقع أن يأخذ وقتاً قبل بلورة اتفاق، «إنهاء سياسة العزل وسياسة الاعتقال الإداري، إضافة إلى المطالبة بتركيب هاتف عمومي للأسرى الفلسطينيين للتواصل مع ذويهم، زيادة على مجموعة من المطالب التي تتعلق بزيارات ذويهم وإنهاء سياسة الإهمال الطبي، والسماح بإدخال الكتب والصحف والقنوات الفضائية، إضافة إلى مطالب حياتية أخرى».
واختار الأسرى يوم 17 أبريل (نيسان) لأنه يعد يوماً للتضامن مع الأسرى، وهو يوم أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974.
ووجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمس التحية للأسرى بسجون الاحتلال الإسرائيلي، مجدداً تأكيده استمرار الجهود لضمان الإفراج عنهم ووقف معاناتهم، باعتبارهم القضية المركزية الحاضرة بشكل دائم للشعب الفلسطيني وقيادته.
ودعا عباس المجتمع الدولي إلى سرعة التدخل لإنقاذ حياة الأسرى الفلسطينيين، الذين بدأوا إضراباً مفتوحاً عن الطعام احتجاجاً على الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشونها في سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي. وحذر أبو مازن من تفاقم الأوضاع في ظل تعنت الحكومة الإسرائيلية، ورفضها الاستجابة للمطالب الإنسانية العادلة للأسرى، وفقاً لما نصت عليه الاتفاقات والمواثيق الدولية، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة.
ويثير العدد الكبير للأسرى المضربين قلقاً من نوع خاص، إذ يشارك كذلك كبار سن ومرضى في الإضراب، الذي يكتفي فيه الأسرى بتناول الماء والملح فقط طيلة أيام الإضراب.
وفي إضرابات سابقة، قضى أسرى نتيجة طول المدة والإهمال الإسرائيلي المتعمد لهم، ولذلك يحاول الفلسطينيون خلق أدوات ضغط مختلفة على إسرائيل لمساندة أبنائهم في السجون الإسرائيلية.
ومن جهته، دعا د. صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم إلى مساندة الحركة الوطنية الأسيرة في إضرابها الذي تقوده «ضد السياسات والممارسات العنصرية المخالفة للشرعية الدولية والإنسانية، وتشريعاتها التي تهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على انتهاكات حقوق الأسرى المكفولة بموجب القانون الدولي».
وقال عريقات في هذا السياق: «ستبذل القيادة الفلسطينية الجهود الحثيثة لحمل المجتمع الدولي على ممارسة أقصى أشكال الضغط على سلطات الاحتلال لاحترام حقوق الأسرى التي تكفلها المواثيق الدولية، والتعجيل بالإفراج عنهم خدمة لقضية السلام».
وأعلن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن وزارته استنفرت دبلوماسييها في كل أنحاء العالم للدفاع عن حقوق الأسرى، وأشار إلى عدالة المطالب الإنسانية التي يرفعها الأسرى في إضرابهم المفتوح عن الطعام، بصفتها عناصر مطلبية إنسانية وليست سياسية، وأضاف أن الأسرى «لم يقرروا الإضراب من أجل الحصول على رفاهية زائدة، وإنما يطالبون بحقوقهم كأسرى حرب وفقاً للقوانين الدولية، وهي في الغالب مطالب مرتبطة بظروف اعتقالهم وأوضاعهم في المعتقل، وما يقدم لهم خلال فترة أسرهم، فمن جهة، هم أسرى حرب حتى لو تنكرت إسرائيل لهذه الحقيقة، حسب اتفاقيات جنيف، ولا يجوز نقلهم إلى معتقلات داخل أراضي دولة الاحتلال، بل يجب إبقاؤهم في الأراضي المحتلة كما ينص على ذلك القانون الدولي، ومن جهة أخرى، فإننا لو نظرنا إلى مطالبهم التي تتعلق بظروف الاعتقال لوجدنا أنها مطالبات توفرها سلطات الاحتلال في سجونها لغير الفلسطينيين، ومتوفرة أيضًا في سجون الدول التي تلتزم باتفاقيات جنيف ومعايير القانون الدولي، وتحديدًا ما يتعلق بالحق في تواصل الأسير مع عائلته بشكل دائم، وانتظام زيارة الأقارب، وعدم وضع موانع وعوائق على زيارة أقاربهم من الدرجة الأولى، وهو ما تتعمد إسرائيل اللجوء إليه، في محاولة للضغط النفسي على الأسرى عن طريق عزلهم انفرادياً عن زملائهم، أو عن عائلاتهم».
وبالإضافة إلى الضغط الدبلوماسي الرسمي، خرج الفلسطينيون أمس في الشوارع لمساندة إضراب الأسرى، ونظم الفلسطينيون مسيرات في الضفة الغربية معلنين الاعتصام في خيام في قطاع غزة.
وتحولت مسيرات في الضفة الغربية إلى اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي. أما في غزة فقد أعلنت أمهات عدد من الأسرى أنهن لن يعدن من الخيام إلى منازلهن قبل إنهاء الإضراب وانتصار الأسرى.
وفي الداخل الفلسطيني، قال عدد من المتضامنين في مدينة أم الفحم إنهم أضربوا عن الطعام ليوم واحد تضامناً مع الأسرى في سجون الاحتلال.
ومن جانبها، رفضت إدارة مصلحة السجون أمس أي حوار مع الأسرى بعد أن تسلمت مطالبهم مكتوبة، وتوعدت بـ«اتخاذ إجراءات انضباطية بشكل فوري ضد كل من يشارك بالإضراب».
وكان وزير الأمن الداخلي في إسرائيل غلعاد أردان، قد أوعز لإدارة مصلحة السجون «بعدم إجراء المفاوضات مع الأسرى الفلسطينيين وإقامة مستشفى ميداني ونشر قوات التدخل السريع قرب السجون التي يوجد بها معتقلون فلسطينيون مضربون».
وبالإضافة إلى ذلك، تلقت مصلحة السجون تعليمات من أردان «لإجراء تفتيشات مكثفة في السجون للتأكد من عدم التواصل بين الأسرى، وكذلك اتخاذ ما يلزم لنقل الأسرى بين السجون المختلفة».
ويعني موقف وزير الأمن الإسرائيلي أن الإضراب سيأخذ وقتاً طويلاً على الأغلب، إذ لن يتراجع الأسرى قبل تحقيق مطالبهم.
وكان البرغوثي قد وجه بعدم إجراء أي تفاوض مع إسرائيل، معلناً أنه الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض ووقف الإضراب، بصفته التنظيمية.
وحظي الأسرى بكل دعم ممكن من القيادة الفلسطينية والفصائل والفعاليات المختلفة، إذ قال عضو المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية إن الاحتلال ليس أمامه إلا أن يذعن لشروط المقاومة الفلسطينية، مبرزاً «أن المقاومة الفلسطينية ستشد عزمها أمام الاحتلال، وأن الثمن الذي سيدفعه الاحتلال للإفراج عن الأسرى مقبل لا محالة».
وفي غضون ذلك، هدد أردان باتخاذ «تدابير قاسية ضد الأسرى المضربين والمتضامنين معهم في إسرائيل (فلسطينيي 48) والضفة الغربية والقدس الشرقية» المحتلة، وقال أردان إن «سياستنا معروفة، نحن لا نتفاوض مع الأسرى». وقرر سلسلة إجراءات لمواجهة الخطوات التصعيدية للأسرى، وذلك من خلال توزيع القيادات المعروفة للأسرى على مختلف السجون، وإقامة مستشفى ميداني أمام السجن. وجاءت هذه الخطوة بدعوى أن أحد أهداف الإضراب هو «إرباك المستشفيات»، ولذلك شدد أردان على أنه «لن يتحقق بعد الآن إرباك المستشفيات، وسيعالج المضربون بمستشفى ميداني بسجن النقب».
وزعم أردان أن وراء هذا الإضراب، تقف دوافع سياسية داخلية فلسطينية، بحجة أن مطالب الأسرى تشتمل على مطالب غير منطقية أو مقبولة، على حد تعبيره.
وقالت مصلحة السجون في بيان لها إنها ستستعمل كل الإمكانيات والأدوات المتاحة لمنع الإضراب ووأده في بدايته، وأعلنت عن حالة طوارئ في السجون لمواجهة الإضراب المفتوح عن الطعام. وقالت مصلحة السجون إنها تتعاون مع المؤسسات المختلفة «لاحتواء الإضراب»، وهي إشارة واضحة لنيتهم في قمع الإضراب، ومن بين هذه المؤسسات؛ الجيش الإسرائيلي، والشرطة، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، ووزارة الصحة وغيرها.
وقد تسربت رسائل من داخل السجون تفيد بأن أجهزة القمع في السجون أجرت تفتيشات داخل غرف السجن، وسحبت منها كل أجهزة التلفزيون والإذاعة والبضائع التي اشتراها الأسرى من دكان السجن، وحولت هذه الغرف إلى زنازين لا يتوفر فيها أي نوع من الاحتياجات والامتيازات، بما في ذلك الملابس.
وفي خطوة تهديد صريحة، نشرت مصلحة السجون شريط فيديو يظهر قواتها الضاربة خلال تدريبات جرت في اليومين الأخيرين، وموضوعها «كسر إضراب وتمرد». وأبرز الشريط بشكل خاص فرقة من الكلاب الشرسة التي تنقض على هدفها وتمزق جسده. كما أبرز عمليات القمع بالضرب المبرح والدوس على الأسرى وهم مرتمون بالأرض.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.