الأربعاء - 29 رجب 1438 هـ - 26 أبريل 2017 مـ - رقم العدد14029
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/04/26
loading..

مصر تواجه إرهاب الإنهاك

مصر تواجه إرهاب الإنهاك

من طنطا إلى الإسكندرية... «داعش» يفشل في شق وحدة النسيج الاجتماعي
الاثنين - 20 رجب 1438 هـ - 17 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14020]
تفجيرات طنطا والإسكندرية عمليات يائسة من «داعش» بعد فشل ذريع أصاب وجوده في سيناء (رويترز)
نسخة للطباعة Send by email
القاهرة: إميل أمين
يوم مؤلم ذاك «الأحد الدامي» الذي تعرضت فيه مصر، بمسيحييها ومسلميها، لاعتداءات إرهابية من قبل «داعش» الذي أعلن مسؤوليته عن تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، وما أسفر عنهما من قتلى وجرحى. والمؤكد أن الوقت لا يزال مبكرا لمعرفة أبعاد ما جرى على وجه الدقة، وهو ما ستكشف عنه ولا شك التحقيقات الجارية على قدم وساق، غير أن هذا لا يمنعنا من تقديم قراءة أولية لأبعاد المشهد الداعشي في مصر في اللحظة الراهنة، وتبعات هذا المشهد في المستقبل القريب والمتوسط.

بداية يمكننا طرح السؤال الجوهري: هل كان المقصود بتفجيرات أحد السعف أقباط مصر في كنائسهم فقط أو أن الهدف أكبر وأخطر ويتصل برؤية تنظيمية ومنهجية لـ«داعش»، ومن يقف وراءها، الهدف منها إرباك ثم إنهاك الدولة المصرية، التدخل من مرحلة الانحدار إلى هاوية الانهيار؟
الشاهد أن الجواب ليس باليسير، ويمكن أن يجمع الأمرين معا فالعداء الداعشي لأقباط مصر، يأخذ في نظرته الإجرامية ثلاثة منطلقات:
المنطلق الأول سياسي، وهنا لا بد من التذكير بأن «داعش» وبقية جماعات الإسلام السياسي، التي ظاهرت جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، باتت تنظر للأقباط نظرة ملؤها التخوين والملامة، فالجميع يعتبرهم خونة دعموا مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013، ثم انتخبوا السيسي، وهم بحضورهم الاقتصادي في الداخل، وبتمثيلهم العددي في الخارج داعمون للدولة المصرية، وعلى هذا الأساس لا بد من الاقتصاص منهم.
على أن المشهد على هذا النحو لا يكتمل، ذلك أنه ضمن تلك الأطر، يحاول الدواعش شق الصف المجتمعي المصري، عبر اللعب على أوتار الفتنة الطائفية، التي باتت تذكيها دماء الأقباط منذ أغسطس (آب) 2013 عندما أحرقت كنائسهم حول البلاد، وصولا إلى الأحداث الأخيرة، ومرورا بتفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر (كانون الأول) من 2016، قبل أعياد الميلاد.
هنا أيضا يحاول الدواعش مخاطبة الأقباط بالتخويف والتهديد، وإظهار عدم قدرة الدولة على توفير الحماية الكافية واللازمة لهم، ومن جانب آخر يراهنون على أي ردود فعل عاطفية من شباب الأقباط، تقود إلى حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد لتنزلق الدولة لاحقا في خضم الصراع المجتمعي، ناهيك من أن سيناريو قتل الأقباط يحاول أن يبعث برسالة إلى العالم الخارجي يرسم فيها صورة قاتمة عن حال ومال مصر والتعايش المشترك فيها، ودرجة الاستقرار والأمن، ما يؤثر - ولا شك - سلبا على السياحة والاستثمار، لا سيما في ظل أزمة اقتصادية تعيشها البلاد.
والمنطلق الثاني يتم فيه استهداف الأقباط من قبل الدواعش انطلاقا من منطلق آيديولوجي، فهم في تقديرهم وقراءتهم السابقة كفار صليبيون، وقد أصدر ما يعرف باسم «ولاية سيناء» أكثر من تحذير للأقباط هناك، وفي بقية ربوع البلاد، وجرت بالفعل عمليات تنكيل ببعض من أقباط العريش، الذين هجروا منازلهم وأعمالهم، هربا من الموت الداعشي، ولتلافي قتل الرجال وسبي النساء، كما يتوعدهم أفراد التنظيم.
أما المنطلق الثالث في واقع الأمر فيؤكد ما ننحو إليه من أن الهدف الاستراتيجي هو مصر، والهدف التكتيكي هو استهداف الأقباط، فغرض الدواعش توسيع ساحة المواجهة، ونقل الحرب من شبه جزيرة سيناء، إلى داخل العمق المصري.
السؤال الآن: هل تفجيرات طنطا والإسكندرية عمليات يائسة من دواعش سيناء بعد فشل ذريع أصاب وجودهم على أرض المحروسة بشكل مؤكد؟
المقطوع به أن ما جرى في منطقة «جبل الحلال» في سيناء على يد قوات الجيش الثالث الميداني، من هجوم كاسح لا يصد ولا يرد، قد شتت جمع وشمل إرهابي الصحراء، هؤلاء الذين نشروا بالفعل على صفحات «تيليغرام» صور قتلاهم، في حين بات أحياؤهم من دون ملاذ لهم، ولهذا بدا لهم أن خيار التسلل إلى الدلتا والوادي، ربما يمكنهم من التغطية على إخفاقاتهم العسكرية هناك، بل ومحوهم من خريطة الوجود الإرهابي على أرض المحروسة.
لكن القول إن الذين قاموا بعمليات «الأحد الحزين»، أو غيرها من العمليات التي سقط فيها شهداء من رجالات الشرطة والجيش والقضاء، من لاجئي كهوف سيناء فقط، يغفل إشارة مؤلمة وحزينة، بقدر ما هي خطرة وتتصل بالسياق الجغرافي والعملياتي الإقليمي في المنطقة برمتها.
فى نهاية ثمانينات القرن الماضي، وأوائل التسعينات شهدت مصر وعدد من دول المنطقة ظاهرة إرهاب، وموجة عنف، نتجت من جراء «العائدين من أفغانستان»، وقد اعتبر بعض المحللين الأمنيين في ذلك الوقت أن الإرهاب قد افتتح له «مدرسة» في أفغانستان، أرهق فيها المجاهدون النظام الحكومي الأفغاني، إلى أن وصلت البلاد إلى مرحلة طالبان.
الآن تعاني مصر وبقية العالم العربي، وربما الأجدر قولا، إنها ستعاني من تبعات «يتامى داعش» في العراق وسوريا على نحو خاص، هؤلاء الذين تخرجوا في «جامعة وأكاديمية للشر»، تفوق بمراحل ما عرفه أعضاء «القاعدة»، والآن وبعد أن بدأ «داعش» يخسر حضوره وسيطرته على الأرض في العراق وسوريا، بات البحث عن مواطئ قدم حديثة هو شغله الشاغل، وهنا يفهم لماذا باتت ليبيا على نحو خاص قبلة الدواعش الفارين، وفصيل منهم يحاول الإفلات والدخول إلى الأراضي المصرية سواء من ناحية الصحراء الغربية، مع ليبيا، أو من على الحدود السودانية المصرية في الجنوب، وتبقى مداخل ومخارج سيناء - ولا شك - بوابة معروفة منذ فترة طويلة لتسرب عناصر إرهابية للداخل المصري.
يعن للمرء التساؤل... من أين للدواعش وبقية التشبيكات الجهادية في مصر التي تحاول إنهاك وإرهاق الوطن المصري، عبر موجات عنف متزامنة كأمواج البحر، متفرقة أحيانا، ومتنوعة الأماكن أحيانا أخرى، ومتتالية دوما، من أين لهم أن يجدوا معينا بشريا يقوم على هذا القدر من العنف المميت والقاتل؟
هنا نحن أمام أكثر من حقيقة، الأولى منها أن الإرهاب لم يعد خلايا عنقودية، هيراركية، تراتبية، بل أضحى توجهات فردية، وربما مجموعات أو «مفرزات أمنية» محلية، ومغرقة في المحلية أحيانا، هذه تستطيع، وهي تفعل بالفعل، التواصل من خلال شبكة التواصل الاجتماعي، التي باتت في جزء غالب منها، أداة لتيسير الشر، وتحويل العالم إلى رقعة ملتهبة بالإرهاب.
وثانية تلك الحقائق أن أجهزة الأمن المصرية، لا سيما الشرطة منها، قد خسرت كثيرا من جراء التلاعب الذي جرى في مقدرات أجهزة الأمن الوطني بعد أحداث 25 يناير وحل «جهاز أمن الدولة»، الذي كان مراقبا ومتابعا بمهارة شديدة كل تلك العناصر، كما أن إزاحة عدد كبير من قياداته في سنة حكم الإخوان قد سبب حالة من الارتباك، سمحت للدواعش ومن لف لفهم باستقطاب وجوه شابة غير معروفة للأمن، ولا توجد ملفات بشأنهم أو اتهامات سابقة موجهة لهم، وجميع هؤلاء وقود محرقة التفجيرات والتفكيكات الجديدة التي تدور بها الآن دوائر الإثم. أضف إلى ما تقدم أنه في الفترة من يونيو 2012 وحتى يونيو 2013 توجهت أعداد كبيرة من المقاتلين المصريين، لا سيما من الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية إلى سوريا، وبعضهم مضى إلى العراق، وتختلف تقديرات أعدادهم، ويقول لنا مصدر قريب من دائرة تحليلات الإسلام السياسي إن وجودهم في صفوف «داعش» يقارب السبعمائة شخص. أما الطامة الكبرى التي ترهق بالفعل المقاومين للدواعش من جميع المؤسسات المصرية الفاعلة، فتتصل بالأعداد التي تجاوزت الثلاثة آلاف عنصر، من المؤدلجين، بل المغسولة أدمغتهم، الذين سمحت لهم إدارة محمد مرسي بالرجوع إلى مصر، والانتشار وسط صفوف المصريين، لبث سمومهم، وتحضير عملياتهم القاتلة.
على أن المتغير الذي لا يقل خطورة كذلك عما تقدم هو استغلال حالة الارتباك التي جرت في البلاد بعد إسقاط المصريين لحكم الإخوان المسلمين، فقد نمت في التربة المصرية، جماعات وتنظيمات متطرفة، استطاعت استقطاب شباب على درجة من التعليم الجامعي، ومن المعرفة التكنولوجية، ويجيدون التعاطي مع المواد الكيميائية، ويرتبون أوراقهم المعرفية بقوة، وجلهم من كليات العلوم والهندسة.
لقد بات هؤلاء وراء موجة انتشار المفرقعات التي رأيناها في حوادث كثيرة ضمن طول البلاد وعرضها، منها البدائية، ومنها المتقدم نوعيا، وبعض تلك الخلايا تلقت تدريبا عالي المستوى في الدول الموبوءة بالعنف، لا سيما سوريا. هذه الجماعات لم تعد وسائل الإعلام تستطيع التغطية على أنشطتها وحضورها حول العالم، ففي الأسبوعين الماضيين ضبطت سلطات الأمن السودانية في العاصمة الخرطوم، مجموعة من شباب الإخوان المسلمين الذين ينتمون إلى ما يعرف بـ«الكماليين» نسبة إلى «محمد كمال» العقل المدبر للعنف في جماعة الإخوان، الذي تم تصفيته مؤخرا على يد قوات الأمن المصرية، والسبب هو انفجار عبوة بينهم، ضمن عبوات كثيرة كانوا يعدونها للتصدير للداخل المصري، ولا شك أنه من هنا يفهم الدور المخرب للدول التي تقع في المحيط الإقليمي لمصر، التي تقف وراء الشحنات البشرية، والمتفجرات والقنابل، التي تجد طريقها للداخل المصري، وجميع تلك الدول توظف عناصر تلك المجموعات الإرهابية لصالح أجندات لا تخفى على عاقل، وتسير في درب واحد هو هدم الدولة المصرية وتحويلها إلى دولة فاشلة.
ثم ماذا؟ هذا هو بيت القصيد... كيف لمصر مواجهة هذا الإرهاب الأسود، الذي بات يمثل طاعون القرن الحادي والعشرين؟
لا بد بداية من فهم واضح وصريح لأهداف «داعش» التي تصب ضمن ما يسمى «مرحلة الإنهاك»، لبث اليأس في النفوس، عبر تجميع القوى الإرهابية تحت جناحيها.
هذا الفهم يقتضي وعيا مجتمعيا على الأصعدة كافة، وليس على الصعيد الأمني فقط، وإن كان الأخير مطلوبا بقوة في لحظة اشتعال الحرائق كالتي تعيشها البلاد.
عودة الوعي لا بد أن يدعم تماسك البناء المصري الإنساني الذي لم يستطع أي محتل أن يشقه، عبر آلاف السنين، وهذا جهد بالغ - لو تعلمون - يحتاج لرجالات الفكر والأدب، وعلماء الدين والاجتماع، ومنظري الاقتصاد وأصحاب النظريات السياسية، وأن تبقى العيون مفتوحة على سلامة الوطن واستقراره.
يقتضي الأمر بالفعل تحركا أمميا وليس مصريا فحسب، فالذي ضرب قلب مصر يوم «أحد الشعانين»، هم قطعان الذئاب المنفردة، التي أصابت الولايات المتحدة الأميركية في أورلاندو من قبل، وبعدها في السويد، وقبلها في فرنسا وألمانيا، وهنا لا بد من محاسبة «رعاة الإرهاب»، من الدول والأشخاص الاعتباريين، والعاديين، طالما مضوا سادرين في غيهم ودعمهم للإرهاب الأسود.
هنا أيضا تبدو أهمية التعاون الأمني والاستخباراتي الدولي، وفي الداخل المصري يستدعي المشهد خطوات ابتكارية غير تقليدية في مجابهة حروب الأشباح، مواجهات عمودها الفقري المعلومات الاستخباراتية، التي تستبق خطط الشر وتحركات الأشرار بعدة خطوات، بل بأميال بعيدة لدفعهم بعيدا عن إلحاق الضرر بالأبرياء العائدين من «أكاديمية داعش» للشر والموت.
العالم في حاجة إلى تناد دولي ينقذ أمنه وسلامه من رغبة الراغبين في الموت، لا الحياة، ومن دون مثل ذلك التنادي سيضحي الآخر، كما قال الفيلسوف الوجودي الفرنسي الشهير سارتر، «هو الجحيم»، وسيؤول نهار العالم برمته إلى قلق، وسيقضي ليله في أرق.
رحم الله شهداء «أحد الشعانين»، وحفظ مصر المحروسة من كل شر.