ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

رئيس تحرير «التلغراف» الأسبق لـ «الشرق الأوسط» : على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها
TT

ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها

بعد أشهر من الملاحقة والانتظار، استطاعت مديرة أعمال الصحافي البريطاني اللامع ماكس هيستينغز ترتيب لقاء يجمعني به لمدة ساعة من جدوله اليومي الحافل. التقيته في مقهى مبنى «سوميرسيت هاوس» اللندني العريق. سبعيني، طويل القامة، يرتدي معطفاً كلاسيكياً ويحمل شنطة جلدية قديمة، تخيلت لوهلة أنها كانت ترافقه في مغامراته السابقة. قهوته من دون حليب أو سكر، منديله من قماش، ولهجته أرستقراطية.
أرخ في 6 كتب تفاصيل الحروب ودفن بين صفحاتها أسرار الاستخبارات. أن تحاور أهم المراسلين الحربيين في بريطانيا ليس أمراً سهلاً، لذلك حضرت عشرات الأسئلة مسبقاً.
سألته أولاً عن أولى تجاربه في تغطية الحروب، واعترف لي أنه كان صغيراً وطائشاً حينها. إجابته بددت انطباعي الأول. فصياغته المتقنة وكنز مصطلحاته تدل على خبرة السنوات، لكن، يقبع وراءها شاب تحدى السلطة وكسر القوانين يوماً. عندها، تخليت عن النص واسترسلنا في الحديث. صراحته صادمة وخفة ظله ساخرة، وآراؤه عميقة ومثيرة للجدل.
شكرته على وقته أخيراً، هو ليباشر عمله في كتابه الجديد عن فيتنام، وأنا لإيجاد المقدمة الملائمة لتصاحب هذا الحوار الشيق. لكن، قبل أن نفترق قال لي: اخترت إجراء الحوار معك اليوم، رغم أنني أرفض عشرات المقابلات مع الصحف البريطانية، لأنني أريد الوصول إلى القراء العرب. وفيما يلي نص الحوار:

* نشأت في منزل لأب وأم كانا أعلاماً في الصحافة، فوالدك كان مراسلاً حربياً، ووالدتك كانت رئيسة تحرير مجلة الأزياء الأميركية «هاربرز بازار»، كيف أثر ذلك على اختيارك لمهنة الصحافة؟
- في مطلع شبابي، أردت أن أكون جندياً، لكنني سرعان ما اكتشفت أنني لا أمتلك الانضباط اللازم للالتحاق بالجيش، أو القدرة البدنية لأكون جندياً جيداً، فعكفت على الكتابة، وبدأت مسيرتي الإعلامية في التلفزيون، ومن ثم انتقلت إلى الصحافة الورقية.
* كيف كانت تجربتك كمراسل حربي في مختلف أنحاء العالم؟
- أعتقد أن جميع الصحافيين الشباب لديهم حلم السفر والتجوال؛ كنت من المحظوظين لبدء مسيرتي الصحافية في وقت كان العالم يشهد أحداثاً مثيرة. تلقيت منحة لأدرس المهارات الصحافية في الولايات المتحدة عام 1967. وخلال إقامتي هناك، زرت البيت الأبيض، وقابلت رؤساء أميركيين، منهم ليندون جونسون ورونالد ريغان وريتشارد نيكسون ونائب الرئيس الأسبق هوبرت هامفري. قمت بتغطية انتخابات عام 1968 الرئاسية هناك. كما كنت شاهداً على أحداث فاجعة ومحورية في الولايات المتحدة، كاغتيال مارتن لوثر كينغ وروبرت كينيدي والاحتجاجات وغيرها. كما قمت بتغطية الحرب في فيتنام. كان عمري 24 عاماً عندما زرت البلاد للمرة الأولى، كنت صغيراً وطائشاً... لكن التجربة أسرتني.
* ماذا عن تجربتك في تغطية حرب الفوكلاند؟
- في جزر الفوكلاند، أدرت أكبر خبطة صحافية في تاريخي المهني، لأن جميع زملائي من الصحافيين الحربيين لم يريدوا الذهاب إلى هناك، ليقينهم أن الحرب لن تقع، وأنه سيتم اللجوء إلى تسوية دبلوماسية، لكن الحرب وقعت بالفعل، وكنت هناك لتوثيقها، لحسن حظي. برأيي، إن أسس هذه الحرب كانت «غبية»، ومجرد منافسة على امتلاك «عقار» بين بريطانيا والأرجنتين. لكن صحافياً كانت التجربة رائعة، إلا أن البرد كان قارساً. ولأنني كنت الصحافي الوحيد هناك، كانت جميع الصحف تنشر مقالاتي وتغطيتي اليومية. وقد كتبت كتاباً ناجحاً عن تجربتي هناك.
* ذكرت للتو أنك كنت محظوظاً، وفي سيرتك تذكر أيضاً أن زوجتك قالت إنك محظوظ مهنياً... ما دور الحظ في مسيرتك المهنية؟
- للحظ دور هام في نجاحي، وكانت بدايتي موفقة. المناخ الإعلامي كان يرتكز على العلاقات والمحاباة، وأتيحت لي فرصة الالتحاق بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عمر الـ17 لأن والدي كان متعاوناً معهم. وأول وظيفة لي في صحيفة ورقية أتيحت لي لأن والدتي كانت تعمل في ذلك المجال. لكن الأمر تغير. واليوم، في عمر الـ71، انظر إلى الوراء وأقول: الكثير من زملائي لقوا حتفهم أثناء عملهم كمراسلين حربيين، ولكنني ما زلت على قيد الحياة مع أنني مررت بتجارب خطرة. لكن إلى جانب الحظ، الأمر الذي يجعل الصحافي متميزاً ومتقدماً في مسيرته هو تحدي السلطة، فعلى الصحافي الماهر أن يكسر القوانين بين فينة والأخرى إلى جانب القلم الجميل وموهبة الكتابة.
* في كتابك «الذهاب إلى الحروب»، هناك فصل يهم القراء العرب عن إسرائيل، وتجربتك هناك، هل تغيرت آرائك عن الدولة الإسرائيلية منذ ذلك الحين؟
- كنت في السابق من مؤيدي إسرائيل خلال أواخر ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي. لكن في أواخر السبعينات، أصبحت شاهداً على عدوان إسرائيل ومعاملتها للشعب الفلسطيني، وأفعال الحكومات الإسرائيلية الظالمة، ولم أعد أحب إسرائيل. واليوم، أنا من أشد معارضي الحكومة الإسرائيلية. وسيأتي يوم تندم فيه الدولة الإسرائيلية على ممارساتها الظالمة.
* ما موقفك الحالي تجاه الوضع في منطقة الشرق الأوسط؟
- هذا الملف معقد جداً، لكنني أعتقد أننا أخفقنا في سياساتنا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. بدأت تلك الإخفاقات منذ حرب العراق عام 2003. أنا كنت ضد التدخل في سوريا لضبابية الخطة البريطانية، رغم أنني أعارض الأسد، لكن لا أظن أن على بريطانيا هجر الشرق الأوسط، إلا أن تدخلاتها يجب أن تكون دبلوماسية وسياسية وليست عسكرية.
خلال مسيرتي المهنية، كتبت الكثير من الكتب عن الاستخبارات. وبرأيي، إن الاستخبارات البريطانية منظومة قوية جداً، ولديها معلومات كثيرة عن الشرق الأوسط، إلا أننا نفتقر إلى معرفة بحيثيات العلاقات القبلية والاجتماعية هناك. لذلك يجب أن لا نعتمد فقط على استخباراتنا، بل يجب العمل على تطوير مهاراتنا الدبلوماسية. لست من أكبر المتفائلين بفترة رئاسة ترمب، إلا أن إخفاقات أوباما في الشرق الأوسط تضغط على الرئيس الحالي لإعادة رسم سياسات جديدة في المنطقة.
* كيف تقيم المناخ الإعلامي اليوم؟ هل تدنت الجودة مع ازدياد المطبوعات والقنوات؟
- كتب صحافي بريطاني في عام 1968، حول تغطية الأخبار آنذاك، وقال إن: هنالك كماً هائلاً من المعلومات مقابل نسبة قليلة من المعرفة. وهذه الجملة كانت صحيحة في حينها، وأكثر صحة اليوم.
أثناء عملي مع الـ«بي بي سي» خلال السبعينات، كان يتوفر للمراسلين مخصصات مالية ضخمة، ليجوبوا العالم مع طاقم متكامل. وكنت أسافر بين القارات حينها. وكل رحلة كانت تستغرق 4 - 5 أسابيع، في سبيل إنتاج وثائقيات لا تتعدى مدتها النصف ساعة. أما اليوم، لا نجد ذلك. كان لدينا الدعم المالي والفرص. فعندما كنت رئيس تحرير صحيفة «التلغراف»، كان لدينا نحو 19 مراسل في الخارج والميزانية الملائمة لتغطيتهم. أما اليوم، فتغير الأمر. هناك الكثير من الوسائل لتلقي ونشر المعلومات، ولكنها تفتقر إلى المعرفة. أرى أن هناك قلة في الكوادر المتخصصة. ففي السابق، عندما كنت أعمل في الصحافة الورقية، كان هنالك زملاء لي مختصون بتغطية شؤون الدفاع. وكانوا يعرفون جميع حيثيات الملف، وحتى أنواع الأسلحة والترسانات. أما اليوم، لا يعرف معظم المراسلين الأمنيين الفرق بين الكتيبة واللواء.
* كيف بإمكاننا تصحيح هذا إذن؟
- علينا دراسة الأمور والتمعن بها لتكوين الآراء قبل النشر والتسرع. وقد نغير آراءنا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، غيرت رأيي أكثر من مرة عن أوروبا. كنت من معارضي الانضمام للاتحاد الأوروبي في السابق، لكنني الآن من معارضي الخروج منه. برأيي الأمر التراجيدي حول «بريكست» أن من صوتوا للخروج يريدون إعادة بريطانيا إلى زمن كتابات أغاثا كريستي في خمسينات القرن الماضي. كنت موجوداً حيناً، ولم تكن الأمور رائعة، والحنين إلى الماضي والنوستالجيا أمر محزن. «بريكست» درس لنا، وآمل أن نتعلم منه في المستقبل.
* كرئيس تحرير سابق لصحيفة «التلغراف» في أواخر ثمانينات القرن الماضي وإلى منتصف التسعينات، كان ضمن كادرك أحد أبرز مناصري «بريكست»، وهو وزير الخارجية بوريس جونسون، إذ كان يشغر وظيفة محرر ثم مراسل الصحيفة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ومن ثم رفضت طلبه بتعيينه كمراسل حربي، وقمت بترقيته إلى مساعد رئيس تحرير وكبير كتاب الرأي. كيف تصف العلاقة بينكما؟
- برأيي الشخصي، بوريس ليس مؤهلاً لأي منصب حكومي، إلا أنه صحافي ممتاز. كان بوريس من أحد الصحافيين المفضلين لدي خلال فترة رئاسة تحريري لـ«التلغراف»، وذكرته في سيرتي الذاتية. كان صحافياً موهوباً، لكن غير منضبط. وهو اليوم، كوزير خارجية البلاد، رجل موهوب جدا، لكنه يفتقر إلى حس المسؤولية.
* عند تعيينك كرئيس تحرير «التلغراف»، قمت بتحويل الخسارات المادية السنوية إلى أرباح مضاعفة، كيف استطعت فعل ذلك؟
- تسلمي رئاسة تحرير «التلغراف» كان تحدياً مخيفاً لي لأنه كان أول منصب قيادي في حياتي في سن التاسعة والثلاثين. وقد عارض كثير من الناس قرار تعييني، ومنهم روبرت مردوخ. لكنني لطالما كنت على يقين أن بإمكان المرء تولي القيادة إن قام بتحديد الأهداف، وتحمل المسؤولية عند التعرض للعقبات والمشكلات، والاستثمار بالطاقات المنتجة والكوادر الموهوبة، والاستغناء عن الموظفين غير المهنيين. وواحدة من الموظفات التي اضطررت أن أقيلها كانت كريمة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر. وظننت حينها أن ثاتشر ستعتبر قرار الإقالة مهنياً، إلا أنه أغضبها، واحتل الصفحات الأولى لجميع الصحف الأخرى. واعتقد الجميع أنه ستتم إقالتي، وحتى أنا ظننت ذلك لوهلة. لكنني نجوت، وكسبت احترام أهل الصحافة. لكن علاقتي مع الحكومة كانت متوترة لأنني خرقت تقليد تأييد «التلغراف» الأعمى لحكومة المحافظين، وبدأنا بانتقاد بعض القرارات الصادرة عن حكومة ثاتشر، وشعرت حينها بخيبة الأمل و«الخيانة» إلى حد ما، لكن مالك الصحيفة كونراد بلاك أيد جميع قراراتي.
* كيف تقيم الصحف البريطانية اليوم؟
- أعتقد أن «التايمز» التي يملكها روبرت مردوخ صحيفة جيدة، وتجسد أفضل مثال لنموذج الصحيفة الرصينة التي تحتوي على كثير من الآراء والأبواب. لكن جدير بالذكر أن مردوخ يمتلك «فوكس نيوز» في أميركا، القناة التي اعتبرها تفتقر إلى المهنية أو المصداقية.
* ذكرت في سيرتك الذاتية أن سبب نجاح صحيفة «صنداي تايمز» كان اعتمادها على السبق الصحافي، لكنك قلت أن «التلغراف» لم تعتمد على الشيء نفسه لكسب شهرتها. إذن ما الذي يميز الأخيرة؟
- كان لـ«التلغراف» دور مختلف. كنا دوماً صحيفة توفر المعلومات لقرائها، ولهذا كان كادر مراسلينا هائل. وفي الثمانينات، كنا ننشر أكثر من 17 خبراً وقصة على صفحتنا الأولى من شتى أنحاء العالم. كانت صحيفة رصينة ذات أخبار دولية، لكن اليوم للأسف خسر القراء شهيتهم لتلقي الأخبار الجادة والدولية، وباتوا مهتمين بأخبار النجوم، وبات قراء مطبوعات جادة مثل الـ«فايننشال تايمز» و«الإيكونوميست» أقلية.
* ما نصيحتك للصحافيين الشباب اليوم الذين يطمحون للمساهمة في إنعاش الصحف الرصينة والأخبار الجادة؟
- مهنة الصحافة باتت تحدياً صعباً اليوم. فعندما أزور «بي بي سي»، وأتحدث مع موظفيها الشباب، يؤسفي تدني الرواتب التي يتقاضونها، وغياب الضمانات والعقود الدائمة. ولم يكن هذا الحال في السابق، فجميع موظفي «التلغراف» كانوا يتقاضون رواتب مناسبة. برأيي، الصحافي المميز هو الذي يعتبر القصة التي يعمل عليها أهم أولوية في حياته إلى حين نشرها، ويفعل المستحيل لجمع المعلومات والحقائق. على الصحافي أن يكون كالنمر في كل الأحيان، ويصل طموحه إلى حد الجنون. وأعرف كثيراً ممن امتهنوا الصحافة، إلا أنهم لم يلمعوا، والسبب ليس لأنهم افتقروا إلى الذكاء، بل لأنهم لم يولوا كل الاهتمام لقصصهم.
* أذن هل اضطررت يوماً لعمل المستحيل لنشر قصة عملت عليها؟
- نعم، حدث هذا خلال أوائل مهماتي كمراسل حربي لصحيفة «إيفنينغ ستاندرد» لتغطية الحرب الأهلية النيجيرية. كنت مع أحد أقدم أصدقائي مراسل صحيفة «التايمز»، واستطعنا تحصيل سبق صحافي من بيافرا. واتجهنا إلى لاغوس بحثاً عن هاتف للاتصال بلندن لنقل الخبر. وكنت على علم أنه إن اضطررت الانتظار حتى الوصول إلى لاغوس للتواصل مع صحيفتي، سيسبقني زميلي بالسبق لأن «التايمز» تنشر صباحاً و«ستاندرد» مطبوعة مسائية. فقررت إجراء مكالمة من بنين على الطريق إلى لاغوس. وطوال رحلتي أنا وزميلي من بيافرا إلى بنين، درست جميع الطرق في رأسي لمنع زميلي من الوصول إلى هاتف قبلي، حتى خطر على بالي أن أترجل من سيارة الأجرة وأتركه وحده. كنت في الثانية والعشرين من عمري، وطموحي كبير جداً، والسبق الصحافي على رأس أولوياتي.
* تذكر أيضًا في سيرتك الذاتية أن مقبرة الصحافيين هي الجلوس وراء مكاتبهم، لماذا؟
- على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان، ليتعرف على الشخصيات المثيرة للاهتمام، ويجمع قصصاً والسبق الصحافي، لكن في يومنا هذا، أصبح الصحافي ملزم بعدة مهام، منها التحرير وكتابة قصص للنسخة الورقية والإلكترونية، إلى جانب التفاعل على وسائل التواصل أيضاً، ما يستنزف من وقته في الميدان.
* لو كنت لا تزال رئيس تحرير "التلغراف" اليوم، فكيف كنت ستديرها؟
- لم أقم بنقد «التلغراف» منذ أن تركتها، لأنني لا أومن بالالتفات إلى الوراء والنقد. وأواظب الآن على كتابة كتاب حول حرب فيتنام، وهذا يستغرق كل تركيزي.



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».