مدرسة روسية «تصطاد» طلاباً تعدت إمكانياتهم حدود جدران صفوفهم

مؤسسها: إعداد النخب الفكرية يجب أن يحدث قبل المرحلة الجامعية

تلاميذ المدرسة أمام نصب تذكاري لمؤسس المدرسة ميخائيل لافرينتيف - دفعة جديدة من التلاميذ الذين يتمتعون بقدرات علمية مميزة يستعدون لمرحلة جديدة  من حياتهم بعد اختيارهم لمواصلة التعليم في مدرسة الأطفال العباقرة
تلاميذ المدرسة أمام نصب تذكاري لمؤسس المدرسة ميخائيل لافرينتيف - دفعة جديدة من التلاميذ الذين يتمتعون بقدرات علمية مميزة يستعدون لمرحلة جديدة من حياتهم بعد اختيارهم لمواصلة التعليم في مدرسة الأطفال العباقرة
TT

مدرسة روسية «تصطاد» طلاباً تعدت إمكانياتهم حدود جدران صفوفهم

تلاميذ المدرسة أمام نصب تذكاري لمؤسس المدرسة ميخائيل لافرينتيف - دفعة جديدة من التلاميذ الذين يتمتعون بقدرات علمية مميزة يستعدون لمرحلة جديدة  من حياتهم بعد اختيارهم لمواصلة التعليم في مدرسة الأطفال العباقرة
تلاميذ المدرسة أمام نصب تذكاري لمؤسس المدرسة ميخائيل لافرينتيف - دفعة جديدة من التلاميذ الذين يتمتعون بقدرات علمية مميزة يستعدون لمرحلة جديدة من حياتهم بعد اختيارهم لمواصلة التعليم في مدرسة الأطفال العباقرة

تشهد بداية فصل الربيع من كل عام مسابقات علمية بين المدارس الروسية، حين تنطلق سلسلة المسابقات المعروفة باسم «الأولمبياد العلمي» على مستوى المقاطعات والأقاليم في الاتحاد الروسي. وبينما تجد المؤسسات التعليمية للصغار في هذا الأولمبياد فرصة للتأكيد على مستواها التعليمي، وفرصة للتلاميذ كي يظهروا مهاراتهم على مستويات تتجاوز حدود جدران صفوفهم التعليمية، وجد معهد الأبحاث العليمة التابع لجامعة نوفوسيبيرسك الحكومية في الأمر فرصة ذهبية لإطلاق موسم «الصيد على العباقرة» في سن مبكرة، تمهيدا لضمهم إلى صفوف مدرسة خاصة في المعهد، وإتاحة المجال أمامهم كي يظهروا مهاراتهم العلمية ومعرفتهم في الواقع العملي.
وكما جرت العادة في كل عام، تختار جامعة نوفوسيبيرسك عددا من خيرة أساتذتها الجامعيين للعضوية في لجنة «صيد العباقرة»، ويتم إرسالهم لحضور المسابقات العلمية بين المدارس، لا سيما في المواد العلمية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء. والهدف من ذلك اختيار التلاميذ الذين يظهرون معرفة ومهارات علمية مميزة خلال المسابقة، لدعوتهم إلى الدراسة في مدرسة خاصة للعباقرة، والعمل في مركز البحوث العلمية التابع للجامعة. ومعروف أن الأعمال العلمية لخريجي هذا المعهد ساهمت نوعا ما باكتشاف «بوزون هيغز» (جُسيم أولي يُعتقد أنه المسؤول عن اكتساب المادة لكتلتها)، وغيره من اكتشافات في مجال العلوم والآثار التاريخية.
وتعود فكرة الاهتمام في سن مبكرة بالعباقرة الصغار إلى الأكاديمي السوفياتي ميخائيل لافرينتيف، مؤسس المدينة الأكاديمية في نوفوسيبيرسك، الذي رأى منذ ستينات القرن الماضي، أن تهيئة وإعداد النخب العلمية الفكرية يجب أن يجري قبل المرحلة الجامعية، وأن يبدأ العمل مع التلاميذ العباقرة وهم على مقاعد الدراسة في المدارس، على أن يقوم بتدريسهم في السنوات المدرسية الأخيرة بروفسور جامعي، وليس أستاذ مدرسة عاديا.
واقترح أيضا أن يعيش التلاميذ، الأطفال العباقرة، مع بعضهم، لدفعهم للتنافس، وتحقيق أفضل النتائج. وانطلاقا من تلك الأفكار تأسست عام 1963 أول مدرسة تخصصية في العالم، هي المدرسة الداخلية للفيزياء والكيمياء في نوفوسيبيرسك، التي ما زالت تعمل حتى يومنا الحالي. ولا يقضي التلاميذ حياتهم في تلك المدرسة ملاصقين للكتب داخل المخابر العلمية، كما قد يتخيل البعض، بل يعيشون حياة كاملة مثل التي يعيشها أي تلميذ من أقرانهم، وربما أفضل من ذلك، إذ تنظم إدارة المدرسة فعاليات ونشاطات متنوعة، منها على سبيل المثال اختيار ملكة جمال المدرسة، ومسابقات رياضية، وجولات خارجية، وكثير غيرها، بما يضمن منح التلاميذ في سن المراهقة حقهم في أن يعيشوا حياتهم على أكمل وجه، الأمر الذي سيساعدهم في التركيز على نشاطهم البحثي - العلمي.
بدوره، يقول إيغور ليابونوف، عالم رياضيات من جامعة نوفوسيبيرسك، إن «عملية العثور على طفل مميز يتمتع بموهبة علمية طبيعية، عمل يشبه إلى حد بعيد العثور على خليفة (دالاي لاما)، وعليك أن تتمتع بقدرة على رؤية الطفل العبقري». أما البروفسور نيكولاي يافورسكي، مدير مركز البحوث العلمية في جامعة نوفوسيبيرسك، فيقول إن «جداول العلامات والأوراق التي ترى عليها سؤال وجواب، ليست كافية للكشف عن الموهبة العلمية المميزة لدى هذا الطفل أو ذاك، والأمر يتطلب تواصلا مباشرا. وعندما تنظر إلى عيني التلميذ فإنك ترى أحاسيسه وانفعالاته، وتتمكن من تقييم طاقاته، لتحديد ما إذا كان الطفل عبقريا بالفطرة أم لا»، لافتا إلى أن «الطفل الذي يتمتع بموهبة مميزة خاصة ليس بالضرورة أن يكون من الفائزين في المسابقات المدرسية. وفي أغلب الأحيان لا يكون هؤلاء الأطفال بين الفائزين في المسابقات».
وخلال ما يزيد على خمسة عقود من الزمن خرجت المدرسة آلاف الطلاب العباقرة الذين شغل كثيرون منهم مكانة مميزة في أوساط النخب العلمية والفكرية والاقتصادية في البلاد، بما في ذلك تخرج فيها 4 آلاف عالم، وأكثر من 500 خريج يحملون شهادة «دكتوراه في العلوم» في مختلف المجالات العلمية، يلعب عدد كبير من هؤلاء دورا فاعلا في تطوير العلوم في روسيا، ويشغلون الصف الأول في مؤسسات البحوث العلمية، فضلا عن آخرين يديرون أضخم شركات القطاع الإنتاجي التقني في روسيا، والمصارف الكبرى، وغيرها من مؤسسات تؤثر بشكل أو بآخر على التطور التقني والعلمي في البلاد.



كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات
TT

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

التحدث عن كلية الطب في «الجامعة الأميركية» وما حققته من إنجازات وتطورات منذ تأسيسها عام 1867 لا يمكن تلخيصه بمقال؛ فهذه الكلية التي تحتل اليوم المركز الأول في عالم الطب والأبحاث في العالم العربي والمرتبة 250 بين دول العالم بالاعتماد على QS Ranking، استطاعت أن تسبق زمنها من خلال رؤيا مستقبلية وضعها القيمون عليها، وفي مقدمتهم الدكتور محمد صايغ نائب الرئيس التنفيذي لشؤون الطب والاستراتيجية الدولية وعميد كلية الطب في الجامعة الأميركية، الذي أطلق في عام 2010 «رؤيا (2020)»، وهي بمثابة خطة طموحة أسهمت في نقل الكلية والمركز الطبي إلى المقدمة ووضعهما في المركز الأول على مستوى المنطقة.

رؤية 2025

اليوم ومع مرور 150 عاماً على تأسيسها (احتفلت به أخيراً) ما زالت كلية الطب في «الجامعة الأميركية» تسابق عصرها من خلال إنجازات قيمة تعمل على تحقيقها بين اليوم والغد خوّلتها منافسة جامعات عالمية كـ«هارفرد» و«هوبكينز» وغيرهما. وقد وضعت الجامعة رؤيا جديدة لها منذ يوليو (تموز) في عام 2017 حملت عنوان «رؤية 2025»، وهي لا تقتصر فقط على تحسين مجالات التعليم والطبابة والتمريض بل تطال أيضاً الناحية الإنسانية.
«هي خطة بدأنا في تحقيقها أخيراً بحيث نستبق العلاج قبل وقوع المريض في براثن المرض، وبذلك نستطيع أن نؤمن صحة مجتمع بأكمله». يقول الدكتور محمد صايغ. ويضيف خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لا نريد أن ننتظر وصول وفود المرضى إلى مركزنا الطبي كي نهتم بهم، بل إننا نعنى بتوعية المريض قبل إصابته بالمرض وحمايته منه من خلال حملات توعوية تطال جميع شرائح المجتمع. كما أننا نطمح إلى إيصال هذه الخطة إلى خارج لبنان لنغطي أكبر مساحات ممكنة من مجتمعنا العربي».
تأسَّسَت كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1867، وتعمل وفقاً لميثاق صادر من ولاية نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، ويقوم على إدارتها مجلس أمناء خاص ومستقل.
وتسعى الكلية لإيجاد الفرص التي تمكن طلبتها من تنمية روح المبادرة، وتطوير قدراتهم الإبداعية واكتساب مهارات القيادة المهنية، وذلك من خلال المشاركة في الندوات العلمية والتطبيقات الكلينيكية العملية مما يُسهِم في تعليم وتدريب وتخريج أطباء اختصاصيين.
وملحَق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت مركز طبي يضم أقساماً للأمراض الباطنية والجراحة والأطفال وأمراض النساء والتوليد ‏والطب النفسي. كما يقدم المركز الطبي خدمات الرعاية الصحية المتكاملة في كثير من مجالات الاختصاص، وبرامج للتدريب على التمريض وغيرها ‏من المهن المرتبطة بالطب.

اعتمادات دولية

منذ عام 1902، دأب المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت على توفير أعلى معايير الرعاية للمرضى في مختلف أنحاء لبنان والمنطقة. وهو أيضاً المركز الطبي التعليمي التابع لكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت التي درّبت أجيالاً من طلاب الطب وخريجيها المنتشرين في المؤسسات الرائدة في كل أنحاء العالم. المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت هو المؤسسة الطبية الوحيدة في الشرق الأوسط التي حازت على خمس شهادات اعتماد دولية وهي JCI)، وMagnet، وCAP، وACGME - I و(JACIE مما يشكّل دليلاً على اعتماد المركز أعلى معايير الرعاية الصحية المتمحورة حول المريض والتمريض وعلم الأمراض والخدمات المخبرية والتعليم الطبي والدراسات العليا. وقد خرَّجَت كلية الطب أكثر من أربعة آلاف طالب وطبيب. وتقدم مدرسة رفيق الحريري للتمريض تعليماً متميزاً للعاملين في مجال التمريض، ويلبي المركز الطبي احتياجات الرعاية الصحية لأكثر من 360 ألف مريض سنوياً.
ويتألف المركز من عدد من مراكز الامتياز كمركز سرطان الأطفال التابع لمستشفى «سانت جود» البحثي في ولايتي ممفيس وتينيسي. كما تتضمن برنامج باسيل لأورام البالغين وفيه وحدة لزرع نخاع العظام، إضافة إلى مراكز طب الأعصاب المختلفة وأمراض القلب والأوعية الدموية ومركز للرعاية الصحية للنساء.
«هناك استثمارات تلامس نحو 400 مليون دولار رصدت من أجل بناء البنية التحتية اللازمة للمركز الطبي مع مشروع افتتاح عدة مبانٍ وأقسام جديدة خاصة بأمراض السرطان وأخرى تتعلق بالأطفال، إضافة إلى نقلة نوعية من خلال زيادة عدد الأسرة لتلبية الحاجات الصحية المختلفة لمرضانا»، كما أوضح د. صايغ في سياق حديثه.

تبرعات للمحتاجين

يعمل المركز الطبي على تأمين العلاج المجاني لأمراض مستعصية من خلال تأسيس صناديق تبرُّع للمحتاجين، هدفها تأمين العلاج لذوي الدخل المحدود. وهي تخصص سنوياً مبلغ 10 ملايين دولار لمساعدة هذه الشريحة من الناس التي تفتقر إلى الإمكانيات المادية اللازمة للعلاج.
وينظم المركز الطبي مؤتمراً سنوياً ودورات وورش عمل (MEMA) تتناول مواضيع مختلفة كطب الصراعات ومواضيع أخرى كصحة المرأة، والصحة العقلية، وعبء السرطان وغسل الكلى أثناء الصراع وتدريب وتثقيف المهنيين الصحيين للتعامل مع تحديات العناية بأفراد المجتمع.
تُعدّ كلية الطب في الجامعة الأميركية السباقة إلى تأمين برنامج تعليمي أكاديمي مباشر لطلابها، بحيث يطبقون ما يدرسونه مباشرة على الأرض في أروقة المركز الطبي التابع لها.
ويرى الدكتور محمد صايغ أن عودة نحو 180 طبيباً لبنانياً عالمياً من خريجيها إلى أحضانها بعد مسيرة غنية لهم في جامعات ومراكز علاج ومستشفيات عالمية هو إنجاز بحد ذاته. «ليس هناك من مؤسسة في لبنان استطاعت أن تقوم بهذا الإنجاز من قبل بحيث أعدنا هذا العدد من الأطباء إلى حرم الكلية وأنا من بينهم، إذ عملت نحو 25 عاماً في جامعة (هارفرد)، ولم أتردد في العودة إلى وطني للمشاركة في نهضته في عالم الطب». يوضح دكتور محمد صايغ لـ«الشرق الأوسط».

رائدة في المنطقة

أبهرت كلية الطب في الجامعة الأميركية العالم بإنجازاتها على الصعيدين التعليمي والعلاجي، ففي عام 1925. تخرجت فيها أول امرأة في علم الصيدلة (سارة ليفي) في العالم العربي، وبعد سنوات قليلة (1931) كان موعدها مع تخريج أول امرأة في عالم الطب (ادما أبو شديد). وبين عامي 1975 و1991 لعبت دوراً أساسياً في معالجة ضحايا الحرب اللبنانية فعالج قسم الطوارئ لديها في ظرف عام واحد (1976 - 1977) أكثر من 8000 جريح. وفي عام 2014 تلقت إحدى أضخم التبرعات المالية (32 مليون دولار) لدعم المركز الطبي فيها وتوسيعه.
كما لمع اسمها في إنجازات طبية كثيرة، لا سيما في أمراض القلب، فكان أحد أطبائها (دكتور إبراهيم داغر) أول من قام بعملية القلب المفتوح في العالم العربي، في عام 1958. وفي عام 2009، أجرت أولى عمليات زرع قلب اصطناعي في لبنان، وفي عام 2017 أحرز فريقها الطبي أول إنجاز من نوعه عربياً في أمراض القلب للأطفال، عندما نجح في زرع قلب طبيعي لطفل.
كما تصدرت المركز الأول عربياً في عالم الطب لثلاث سنوات متتالية (2014 - 2017) وحازت على جوائز كثيرة بينها «الجائزة الدولية في طب الطوارئ» و«جائزة عبد الحميد شومان» عن الأبحاث العربية، و«جائزة حمدان لأفضل كلية طبية في العالم العربي» لدورها في التعليم الطبي لعامي 2001 – 2002.