الخميس - 1 شعبان 1438 هـ - 27 أبريل 2017 مـ - رقم العدد14030
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/04/27
loading..

أزمة آيديولوجيا «الإرهاب» وحروب منظريها

أزمة آيديولوجيا «الإرهاب» وحروب منظريها

من أولوية مجابهة العدو «البعيد والقريب» إلى مواجهة العدو «المخالف»
الاثنين - 14 رجب 1438 هـ - 10 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14013]
زعيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن في جبال تورا بورا الأفغانية («الشرق الأوسط»)
نسخة للطباعة Send by email
دبي: هاني نسيرة
اتسعت تصورات العدو عند جماعات الإرهاب بشكل واضح وغريب، فلم يعد محصورا في الغرب والولايات المتحدة (العدو البعيد) أو العدو القريب (الأنظمة الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي)، لكن اتسع وتمدد وصار أول الأعداء هو «الرفيق المخالف» وصارت التصفية والتطهير أو الاقتتال الذاتي بين ممثلي الجهاديين ومنظريهم أكثر حضورا ومقدما على سواه، في الميدان العملي أو الخطاب الفكري. من هنا، نرى ملمحا جديدا هو تصدع آيديولوجيا الإرهاب، وصراعات منظريها ليست أقل هوادة من حروب تنظيماتها؛ مما يهدد ثباتها المرجعي وينذر بانتحار ذاتي أو سرطان بنيوي يصيب هذا الفكر، تأكل فيه خلاياه بعضها بعضا.
تنجرف صراعات منظري الإرهاب، من مختلف الأجيال، بقوة نحو الشخصنة والتخوين والاتهامات بالعمالة والكفر واللصوصية بشكل غير مسبوق وغير متوقع، بعد أن كانت تجمعهم وتوحدهم أفكار الحاكمية وتوحيد القتال! كما تجمع كتاباتهم مواقع واحدة ووسائط واحدة، قبل دخولهم مخاض التجربة الشامية التي قسمتهم كما قسموها، وهو ما يبشر بنهاية هذا الفكر، كما يلوح بسقوط هالة كثير من ممثليه، ويوسع شقة الخلافات بين تنظيماته التي تنطلق من خطاب هؤلاء، كما تعود إليه تبريرا أو تفسيرا.
ظهر تعبير «التشدد الأصولي» أول ما ظهر علامة على تيار فكري مناصر لفكر عولمة الجهاد والتطرف العنيف في السنوات الأولى من تسعينات القرن الماضي، وتواترت مؤلفات ممثليه وكتابات الجيل الأول من منظريه صانعة هويته التي تميز عن غيرها من الآيديولوجيات الحركية والدعوية الاحتجاجية والإحيائية الإسلامية الأخرى، ومثلت مبادئه في توحيد الحاكمية والحرب على الأنظمة، ومجابهة الطاغوت، العدو البعيد والقريب، والولاء والبراء والخروج لتأسيس دار إسلام، وتقسيم العالم لداري إيمان وكفر ليس غير، أبرز منطلقاته الفكرية والآيديولوجية حينها.
وظل هذا التيار متماسكا ومترابطا طوال قيادة أسامة بن لادن لتنظيم وشبكة القاعدة، يستحق امتصاص الأزمات وانتقادات الأخيرين ومعاودة الهجوم عليها، وكان أعنفها موجة المراجعات التي أطلقها عدد من المحسوبين عليه عن قرب شأن المراجعات شبه الكلية والنقدية له، التي أطلقها صاحب «الجامع» عبد القادر بن بد العزيز (دكتور فضل) سنة 2008، أو مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة سنة 2009، أو تلك الانتقادات والمراجعات الجزئية التي دعا إليها بعض شيوخ التنظيم ومرجعياته تجاه ممارسات «القاعدة في العراق»، شأن ما قدمه أبو محمد المقدسي في رسالته المشهورة «مصارحة ومناصحة» التي رد عليها أبو مصعب الزرقاوي فيما بعد وغيرها من المراجعات، التي صدها الظواهري وغيره في قول واحد أنه لا «فتوى لأسير»، ولا رأي «إلا لأهل الميدان في الجهاد» قطعا للطريق على من كتبوا مراجعاتهم في السجون، أو من غادروا التنظيم ابتداء.

صدام المنظرين في الساحة الشامية
في ساحات الشام، ذات الدلالة الرمزية الخاصة، لدى مرجعيات الإرهاب، حيث موقع حروب آخر الزمان، دخل المتطرفون مخاض التجربة العنيفة والانتقال من العدو البعيد أو القريب - في إشارة للغرب أو الأنظمة الحاكمة - إلى العدو المخالف والرفيق السابق ليشتعل الصدام بين ممثليها.
في قيادة الراحل أسامة بن لادن ظل تيار الإرهاب وأفكاره متماسكة، لكن أصابها التشتت مع اندلاع الثورات العربية، وبخاصة السورية، سنة 2011، وسياقاتها المشتعلة - عسكرة وطائفية وقمعا كيماويا - وجد «القاعدة» في العراق، فرصته في سوريا مخرجا وتجاوزا لأزمته الحالكة قبل ذلك، بعد خسارة دولته في الأنبار سنة 2007 وهجمات الصحوات التي انتهت سنة 2009، ثم خسارة هيكله القيادي كاملا عام 2010 من أميره أبو عمر البغدادي، إلى أحد أكبر قادته نائبه ووزير الحرب حينها أبو حمزة المهاجر، وكانت إمارة أبي بكر البغدادي - خليفة «داعش» فيما بعد - طارئة ومحل تحفظ من قادة «القاعدة» أنفسهم. وأصرت قيادة «القاعدة» ممثلة في أسامة بن لادن - وأثبتته رسائل ووثائق آبوت آباد - على أن تكون إمارة أبي بكر البغدادي مؤقتة، وهو ما قبله الأخير، وأثبته أيمن الظواهري فيما بعد، في دعوته له للتوبة والرجوع لبيعته حقنا للدماء في الشام، وأنه خرج عن طاعته ولم يخرج الجولاني أمير «النصرة» عن طاعة الأمير الأكبر والأول لهما.
ولم تشغل الثورة السورية المدنية المجموعات المتشددة التي دخلت عليها بأجندتها الخاصة ولا تزال، ومثلت عبئا كبيرا عليها وعلى غاياتها النبيلة، وأجاد النظام توظيفها فزاعة للمنطقة والعالم أحسن استثمار، وصارت هذه التنظيمات التي برر النظام لوجودها بميليشياته الطائفية الجهادية المضادة عبئا وتشويها على ثورة لا تعنيها أهدافها أساسا.
لكن كما اخترق المتطرفون الثورة، اخترقتهم الثورة وحالة الفرصة والانتصار والهيمنة بين تنظيماتهم كذلك، وهي الشقة التي اتسعت بإصرار «داعش» على بيعة وولاء الجميع، وإلا قطع الرؤوس والحرب على المرتدين - كما يصفهم - بديلا لذلك.
ابتدر أبو بصير الطرسوسي حملة عنيفة على «داعش» حينها، وبخاصة أنه الذي أصر على سورية الجهاد، وخصوصية ثورتها، ولكن من منظور متشدد، وكان أكثر مرونة في التعاطي مع الفرقاء في سوريا ومع القوى الداعمة للثورة ثم تبعه في نقده للداعشيَين أبو قتادة الفلسطيني وأبو محمد المقدسي، وغيرهما من شيوخ آيديولوجيا الإرهاب وجيلها الأول، الذي يعد قادة «داعش» ومنظريها من تلامذتهم، إلا أن «داعش» جذب تلامذة هؤلاء، وأنتج كثيرا غيرهم وضخت عشرات الكتب والرسائل والمطويات في الرد عليهم وتشويههم جماعة أو أفرادا، بل ارتفعت بنقدها وسبابها لقيادة «القاعدة» حاليا، وكل المرتبطين بها، وحملت الظواهري شخصيا مآلات الوضع والصدام في الشام بين «داعش» وخصومها من المجموعات المتطرفة الأخرى، ولم تكتف بترديد أن «القاعدة» «أبناء إيران» أو أن الظواهري رجل فقد ظله كما كتب أحد الدواعش يوما، أو وصف أمثال الجولاني بـ«أبو رغال» ذلك اليمني الذي دل أبرهة على مكان الكعبة حين أراد هدمها، وهو وصف سلبي كان يكرره بن لادن كثيرا أيضا في وصف خصومه ومعارضيه.

من الحرب على «داعش» إلى حروب شاملة
لم ينشغل «داعش» خطابيا بغير نقد شيوخ آيديولوجيا الإرهاب لـ«داعش»، وجاءت ردوده بمستوى قوة النقد لها، ونجحت الوسائط الإعلامية والتواصلية في إحراج خصومه كما أحرجوه، لكن بلغت سهامه حدا من النقد والتجريح لم يكن مسبوقا في تعاطي ممثلي آيديولوجيا الإرهاب مع بعضهم بعضا، وكذلك فعل بها منظرو الموقف المضاد لها.
ومع خلافات التنظيمات، اختلف المنظرون، واشتعلت بينهم الحروب الكلامية والخطابية وحروب الفتاوى والبيانات، سواء من كان منهم في الساحة الشامية كأبي بصير الطرسوسي أسبق منظري آيديولوجيا الإرهاب نزولا إلى الشام، وأسبق من انتقد «داعش» بين منظري آيديولوجيا الإرهاب، وهو أول من دعا إلى أسلمة الثورة السورية كذلك، وترك الشام لأهل الشام دون أن يدخل «القاعدة» على خطها، وبهذا خاطب الظواهري، كما خاطب المقدسي وأبا قتادة غيرهم من منظري آيديولوجيا الإرهاب.
ولا يألو الطرسوسي جهدا في نقد كل من يدافع عن «داعش» أو «القاعدة» أو «جبهة النصرة» معا، ويرفض الدفاع عن البغدادي والبغدادية - كما يسميه - كما يرفض من يدافع عن الجولاني و«النصرة» وما عرف بـ«هيئة تحرير الشام» من وقت مبكر.
وليس الطرسوسي الموجود في الساحة الشامية وحدها من يرفع رايات المعارك الفكرية داخل الإطار السلفي الجهادي، بل كذلك البعيدون عن هذه الساحة شأن أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني المائلين والمناصرين للظواهري و«القاعدة» والأقرب لـ«جبهة النصرة» بالخصوص، أو الدكتور طارق عبد الحليم، وقد تبادل هؤلاء من ممثلي الجيل الأول الكثير من الاتهامات والنقد الصريح والشخصاني في قضايا مختلفة، فرادى وجماعات، ووضع كل منهم الرسائل في نقد الآخر، كما وضعوا جميعا مثلها في نقد «داعش» وممارساتها، أو الرد على أصواتها.
يكفي أن نشير هنا إلى ما تضمنه بيان «داعش» في السادس من أبريل (نيسان) الحالي من وصف أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني من أبرز منظري التيار السلفي الجهادي بأنهم «حمير العلم» في شريطه التهديدي الذي صدر انتقاما للمنظر والناشط الداعشي الأردني أبو المنذر عمر مهدي زيدان، الذي يعد أحد أبرز الأصوات الداعشية في الدفاع عنه، والذي أعلن انضمامه ونفيره لها عام 2014، وتولى قضاءها في الموصل، وكذلك رثاء قتلى عملية الكرك، مهددا المملكة الأردنية بعمليات جديدة ضد أمنها وسلامها.
ويكفي أن نشير كذلك إلى ما سبق أن هاجم به أبو بصير الطرسوسي أبا قتادة الفلسطيني في يونيو (حزيران) من العام الماضي (2016) متهما إياه بدعوة أتباعه لـ«الغدر، والسرقة، والسطو»، بعد أقل من يوم على هجوم سابق على المنظر الآخر «أبو محمد المقدسي»، حين أفتى الفلسطيني للفصيل الذي يتلقى الأوامر منه في سوريا، في إشارة إلى «جبهة النصرة»، بجواز أخذ الأموال، والسلاح، والمقرات، من الفصائل التي تُخالفهم المنهج، كما وصف الطرسوسي هاني السباعي دون أن يسميه بصاحب البدعة الذي يرفض من الظواهري أن يهتم للإجابة له، ويرد عليه في رسالة عن الجهاد عن الشام! كما تبادل الطرسوسي الكثير من النقد والخلاف الحاد مع منظرين دواعش كأبي المنذر الشنقيطي وتركي البنعلى.
ومثل ما قام به الطرسوسي - أو قريبا منه - وصل الخلاف الفكري بين المقدسي والدكتور طارق عبد الحليم، ووصف كل منهما الآخر بالجهل والضحالة، في رسائل منفصلة ومتبادلة، أحيانا يعف أحدهما عن تسمية الآخر فيها.
ورغم الاختفاء النسبي لتركي البنعلي، أبرز شرعيي ومنظري «داعش»، وأول دعاة خلافتها، إلا أن «داعش» نجحت في إبراز الكثير غيره لم يكن آخرهم الأردني المقتول قبل أيام عمر مهدي زيدان أو الحنيطي أو الشنقيطي أو الأزدي، لكنها كذلك تفقد مع الوقت زخمها ويتراجع حضورها بتوالي هزائمها.
ختاما، طبيعي أن تأكل نيران الغلواء ومتتابعة الغلو بعضها بعضا؛ فمع حسم احتكار الحق والحقيقة يكون الخلاف أكثر حدة، والانغلاق أكثر مفاصلة، ونرى أن التحدي الداخلي في أفكار منظري التطرف العنيف هو الأخطر عليه متى أحسن استثماره وكشفه.