حصار «دواعش» سيناء

بعضهم فرَّ من رفح والشيخ زويّد إلى العريش

قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش
قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش
TT

حصار «دواعش» سيناء

قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش
قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش

بَعدَ نحو 3 سنواتٍ من محاولاتٍ محمومة لتأسيس «إمارةٍ» إسلامية في المنطقة الواقعة بين الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومشارف مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، فشلَ المتطرفون في مُهمتهم. إذ تبعثرَ معظمهم تحت ضربات السلطات الأمنية المصرية. وفي حين فرَّ عدة مئات منهم إلى سوريا والعراق وليبيا، لجأ مئات آخرون إلى التحصّن في منطقة جبل الحَلال الوعرة، الواقعة على بُعدِ نحو 80 كيلومتراً إلى الجنوب من العريش.
هذا اللجوء، بالطبع، لم يبعث على الطمأنينة. وبناءً عليه، قرَّرت قوات الجيش التَّوجه إلى هذا الجبل المرتفع والواسع والوعر، خلال الشهور القليلة الماضية، لاستئناف العمل من أجل اجتثاث المسلحين من هناك. عملية صعبة من البحث. جَرتْ في سياقها مطاردة العناصر المتطرفة من كهف إلى كهف، ومن منحدر إلى منحدر، دمَّر الجنودُ المُتحمِّسون خلالها آليات وصادروا معدات مخصصة لأعمال إرهابية. وأخيراً وقع ما لم يكن في الحسبان. لقد انضمَت فلول المتشددين الفارِّين من المناطق الواقعة إلى الشرق من العريش وإلى جنوبها، أي من مدينتي رفح والشيخ زويّد وجبل الحَلال، إلى زملائهم داخل قلب المدينة. وعليه، ازدادتْ الأعمال البشعة داخل عاصمة المحافظة على يد التنظيم الذي يُعد فرعاً من فروع تنظيم داعش في المنطقة، إذ شن حملة لإثارة الرعب قتلَ خلالها مواطنين في البيوت وفي الشوارع، من بينهم مسيحيون. وفجَّر أبنية خاصة، بالديناميت، في وضح النهار.
تفيد تقارير أمنية، اطلعت «الشرق الأوسط» على جانب منها، بتعاون المتطرفين في شبه جزيرة سيناء المصرية، ومؤازرة بعضهم بعضاً بالأموال والسلاح عبر دول بالمنطقة. ومن بين هؤلاء مصريون كانوا يحاربون السلطات في سيناء تحت اسم «أنصار بيت المقدس» قبل تأسيسهم مراكز تدريب ودعم في معسكرات بكل من سوريا وليبيا. ويفيد سلامة سالم، النائب في البرلمان المصري عن شمال سيناء، «الشرق الأوسط» في لقاء معه، بأن «ما يحدث في سيناء ليس بمعزل عما يجري في العالم العربي». ويعتقد نواب آخرون أن «دواعش» يسعون من وراء البحر لتقديم العون للمتطرفين في العريش.
وفي منتدى في وسط القاهرة، كان عدد من نواب البرلمان يتابعون عبر شاشة التلفزيون تأكيدات الملوك والزعماء العرب، أثناء أعمال القمة العربية المنعقدة في الأردن، على ضرورة مكافحة الإرهاب بالمنطقة. وعلّق أحد النواب قائلاً: «الدول الكبرى تُساعد في محاربة (داعش) في العراق وسوريا وليبيا، لكنَّ مصر لم تتلق تعاوناً يُذكر... قتلَ الإرهابيون جنودنا ومواطنينا في سيناء، بينما العالم يكتَفي بالمشاهدة».
ومن جانبه، صرح رَحْمِي عبد ربه، النائبُ في البرلمان، عن محافظة شمال سيناء لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «يبدو أنَّه يُوجد دعمٌ خارجي كبيرٌ لتأجيج موضوع الإرهاب في سَيناء، وهو أمرٌ مؤكد بالنسبة لنا. إلا أن الأمور ستكون تحت السيطرة في النهاية، لأن القوات المسلحة لها دور كبير. وتسعى لبسط الأمن والاستقرار في سيناء، ثُمَّ تبدأ عملية التنمية التي ينتظرها الجميع».

كلمة السيسي في القمة
خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للقمة، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إنَّه «على مدار السنوات الماضية، تركَّزت التحديات الجديدة التي عصفت بوطننا العربي في انتشار الإرهاب وتزايد خطورته، وفي إضعاف كيان الدَّولة الوطنية». وأضاف أن مواجهة الإرهاب «ليستْ بالأمر الهين، فَهُو كالمرض الخبيث يتغلغلُ في نسيج الدول والمجتمعات ويتخفى بجبن وخسَّة، لذلك فإن مواجهته يجب أن تكون شاملة».
وبالفعل، يعتقدُ كثيرٌ من المصريين أنَّ الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة دونالد ترمب، يُمْكِن أن تكون أكثر ميلاً لتعضيد السُّلطات في حربها ضد المتشددين، خصوصاً في سيناء، بعكس إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، التي لم تكُن على وفاق مع السيسي، وعرقلتْ لفترةٍ طويلةٍ تسليم مصر 10 هليكوبترات عسكرية كانت في حاجة ماسَّة إليها لمطاردة الإرهابيين في صحراء سيناء الشاسعة.
مع هذا، ورَغم كُلِّ شيء تمكنتْ القوات المصرية، طوال السنوات الثلاثة الأخيرة، من شَنِّ حملة كبيرة لبسط الأمن، فأغلقتْ أكثر من 95 في المائة من الأنفاق الواصلة بين سيناء وغزة، وتمركزتْ الدَّبابات والمُعدات العسكرية الثقيلة في رفح والشيخ زويّد والعريش، بينما كانت الطائرات تقصفُ من الجو سيارات المتطرفين في الوديان. ثم دخلت القوات، بعد طول ترقب، إلى جبل الحَلال. وقُتل خلال معارك السنوات الأخيرة مئات من الجنود والمدنيين. وهَجَرَ السكان معظم البلدات والقرى الواقعة قرب الشريط الحدودي مع غزة.
في المقابل، يَخْشَى أهالي العريش اليوم من سطوة المسلحين. ويقول أحمد الظَّمْلُوط، ‎رئيس مجلس الإدارة لمؤسسة سيناء للتنمية الاقتصادية، في حوار مع «الشرق الأوسط» إنه «توجد مخاوف من أنْ تنتقل تجربة الحرب التي كانت محصورة في رفح والشيخ زويّد إلى داخل العريش التي يقطنها نحو مائة ألف نسمة».

البعد الاقتصادي المعيشي
وأوضح قيادي محلي، بدوره، أنَّ «معظم عمليات العَناصر التكفيرية، في رفح والشيخ زويّد، أصبحت تدور خارج هاتين المدينتين الصغيرتين، أي في المناطق المحيطة بهما... منها قرى أبو رفاعي والجُورة والمَهْدِية والظهير وأبو العَرَاج والعكُور». وأردف: «بعض هؤلاء السكان رحلوا إلى العريش وإلى مُدنٍ مصرية أخرى، بعدما فقدوا المزارع التي تعدّ مصدر الدَّخل لهم. كانت المزرعةُ تدرُّ أرباحاً تبلغ في المتوسط نحو 500 ألف جنيه في السنة، واليوم كل هذا انتهى ولم تعد تعطي ولا جنيهاً واحداً».
أيضاً، تضرّر كثير من المرافق في بلدات وقرى شرق العريش، بما فيها المدارس جراء القذائف الطائشة. وهدّد المتطرفون معلمات المدارس اللائي يأتين من العريش للتدريس في رفح والشيخ زويّد بالقتل ما لم يمتثلن لتعليماتهم. ووفق القيادي المحلي: «الدراسة، في الوقت الراهن، غير منتظمة. الأولاد يدرسون في بعض أحواش البيوت. والكهرباء مقطوعة منذ أيام، بعد استهداف الكابل 66 المُغذِّي للشيخ زويّد ورفح وحتى رفح فلسطين».
وفِي العريش، يقول أحد وجهاء المدينة، شاكياً: «الناس تترك بيوتها في مناطق شاطئ البحر، لأن المتطرفين عادةً ما يضعون فيها عبوات ناسفة لاستهداف القوات... بعض السُّكان هنا، أي في شارع البحر وفي ضاحيتي الفواخرية والقاهرة، اضطروا لترك بيوتهم».

تصرفات المتطرفين
ويُعتقد أن عدد المتطرفين الذين يحملون السلاح، ويتمركزون في الوقت الراهن داخل العريش، يتراوح بين 200 إلى 300 عنصر، وهو أقل مما كان عليه قبل 3 سنوات، لكنَّ هذه المجموعة تتميز - على ما يبدو - بالقدرة على التوغل والانتشار والتخفي أيضاً، داخل أزقة المدينة وشوارعها. وكما يقول تاجر في المدينة: «فجأة يقتحم البيت 3 مسلحين أو 4 ويمكثون ساعة أو ساعتين داخل البيت، يهددون ويتوعدون، ويفعلون ما يحلو لهم، ثم يختفون».
ومِن المُلاحظ أنَّ غالبية السيارات المستخدمة في تنقلات العناصر التكفيرية داخل العريش، حالياً، سيارات صغيرة وخفيفة وسَريعة الحركة، كورية الصنع، بينما ما زالت كثير من القوات الأمنية تعتمد على آليات ثقيلة من تلك التي كانت تحارب بها المتطرفين أنفسهم في الصحراء المجاورة. ومنذ نحو أسبوع جاءتْ سيارةٌ كورية، ووقفتْ أمام عمارة في شارع أَسيُوط، بغرب العريش، ونزلَ منها 4 مسلَّحين، أمروا فوراً بإخلاء العمارة المكوّنة من 3 طوابق. كانَ عدد السكان نحو 20 فرداً. ثم بادرت المجموعة إلى تلغيم المبنى وتفجيره، وانصرفتْ. ووفق رواية شاهد عيان، «استغرق الأمر نحو ساعة... دخلوا وجمعوا الهواتف من السكان، ثم مدوا سلكاً طويلاً وأوصلوه بمتفجرات ونسفوا العمارة. السبب يرجع إلى اشتباه الإرهابيين في استخدام السلطات لسطح المبنى في بعض الأحيان لمراقبة المنطقة».
ثم هُناك أعمال تَصفيات جَسَدية وقعت أكثر من مرة داخل العريش على أيدي متطرفين. إنهم يقومون بعلمية تستغرق نحو 5 دقائق، ثم يختفون. وأدت مثل هذه الأعمال المروّعة إلى عرض كثير من العقارات للبيع في محاولة من ملاكها للنجاة بأنفسهم والإقامة في مدن أخرى. وهنا يشير الظَّمْلُوط إلى أنه «انخفض السعر إلى أكثر من نصف ثمنه الحقيقي في المناطق الملتهبة بالعريش. عمارة من 3 طوابق تشطيب فاخر كان سعرها لا يقل عن مليون ونصف المليون جنيه، أصبحت قيمتها لا تزيد على نحو 450 ألف جنيه». أما أَشرف أيُّوب، القيادِي في الحَركة الاشتراكية، والمُنسق الإعلامي للجنة الشعبية لشمال سيناء، فيشرح: «بغضّ النظر عن التفاصيل، كل المؤشرات هُنا تقول اتركوا العريش وارحلوا. لقد تم تهجير عدد كبير من المسيحيين من سيناء، وفي الوقت الراهن، تجري محاولات لِدفع ذوي الأصول الصعيدية للهجرة إلى محافظاتهم (في جنوب القاهرة)».

حركة معقدة
من جهة ثانية، وفقاً لمصدر أمني، فإنَّ عَناصر «داعش» فِي العريش تتحركُ بطريقةٍ معقدة، وتسعى للحصولِ علَى مددٍ مِنَ الأموال والأسلحة من فروع التنظيم في سوريا وليبيا. وهي تقومُ في الوقت نفسه بتجنيد شبان جدد حليقي الوجوه ويرتدون الجينز، لكي تسهل حركتهم داخل مدينة محاطة بقوات الجيش والشرطة. ولقد ازداد عدد العمليات في العريش، خلال الفترة الأخيرة، ومن مظاهر ذلك عمليات خطف مواطنين من بيوتهم للاشتباه في أنهم يتعاونون مع السلطات. وفي غضون أقل من ساعة، تمكنت مجموعة من العناصر الداعشية من تحطيم عدة كاميرات مراقبة خاصة بكلٍ من المحال التجارية وتلك التابعة لأجهزة الأمن، والمربوطة بغرفة مراقبة للمدينة. ويتحدث صاحب متجر في ضاحية الزُّهور عن تجربته، فيقول: «طَلبتْ السلطات أن نضع - نحن أصحاب المحال - كاميرات مراقبة لتسجيل كل ما يجري في الشارع. وقامتْ الشرطة بوضع كاميرات خاصة بها في مناطق حيوية أخرى. لكنَّ هذا أثار غضب المتطرفين، وحطموا تلك الموجودة بجوار استراحة كبار الزوار القريبة من ديوان المحافظة». وفي اليوم التالي، جرى تحطيم كاميرات أخرى في شارع القاهرة التجاري بالعريش. ويضيف أحد الشهود العيان: «يدخلُ الإرهابيون إلى الدُّكان وينبهون على الناس عدم العودة لوضع كاميرات، ويصادرون القُرص الصلب الذي تخزن عليه عملية التصوير. مُعظم الكاميرات التي تم استهدافها، تقع في نطاق حي القاهرة، وحي الزهور، وشارع 26 يوليو». السلطات تطلق على المتطرفين هنا اسم «التَّكْفِيريون». ويبدو أنها تتبع خطة محكمة للقضاء على هذه العناصر بأقل قدر من الخسائر، حتى لو استغرق الأمر وقتاً أطول مما هو متوقع لدى الرأي العام ولدى أبناء سيناء. ويقول مقدّم في الشرطة: «مثل هذه التنظيمات لا تبالي بأرواح المواطنين. ولِهَذا ننفذُ عمليةً صعبةً لاصطياد العناصر التكفيرية دون وُقُوع ضحايا أبرياء». ولكن حياة بَعض أهالِي العريش، باتت في الفترة الأخيرة، لا تطاق. ويوجد شعور بأن الحربَ الحالية بين السلطات والمتطرفين ستؤدي في نهاية المطاف إلى نزوح السكان بعيداً عن ديارهم. وحقاً، ظهرتْ دعاوى ترفع شعار «لا للتهجير» و«لن نترك سيناء». وفي هذا الصدد يعلّق الظَّمْلُوط: «البعض يعتقد أن المستهدفين هم المسيحيون في سيناء، لكنني أقول لك إن المتطرفين يقتلون الجميع ويدمرون مزارع الأهالي، المصدر الرئيسي للدخل والحياة، ويجبرونهم على الرحيل».

الأمن... والمسيحيون
من جانب آخر، أثَّرت القبضة الأمنية الشديدة على الحياة اليومية للمُواطنين، ويوضح النائب عبد ربه أن الجيش والشرطة «يقومان بجهود كبيرة جداً في سبيل توفير الأمن والاستقرار... وبعض العمليات التي تحدُث من المتطرفين هي عمليات بسيطة للغاية»، متوقعاً أنَّ تغدو الأمور مُستَقرة في الأيام المقبلة، لكنه مع ذلك لديه شكوى، إذ إن «السلطات تضطر لاتخاذ إجراءات احترازية، مثلاً كثرة الكمائن في المدينة، أدت للسيطرة، إلا أنها أدت أيضاً لاختناق بعض الناس مِن المرور وغيره، لكن الظروف ستكون أفضل وستُفتح الشوارع». وفي سياق ما تقدم، تجول القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول صدقي صبحي، في شوارع العريش لبث الطمأنينة لدى المواطنين، وكان برفقته كبار القيادات الأمنية. وأكد أنه «لا تهاون في حماية أمن مصر القومي»، بيد أن قطاعاً من أبناء العريش لديهم مخاوف غير واضحة المعالم من المستقبل. ومن بين هؤلاء، أَشرف أيُّوب، الذي بسؤاله عن الأسباب التي تجعله يعتقد بوجود خطة لتهجير السكان، يجيب: «اسأل الحكومة، واسأل الذين تحاربهم... يوجد مخطط للتهجير، ولا نعرف من يقف وراءه وما هدفه».
ومعلوم، أنه جرى أخيراً تسلط الضوء من جانب وسائل الإعلام المحلية على عدة عشرات من المسيحيين الذين فروا من العريش في اتجاه مدينة الإسماعيلية على قناة السويس، بعدما تعمَّد المتطرفون الهجوم على بيوت عدد منهم في قلب العريش وقتلهم وحرق بعضهم والتمثيل بجثثهم. ويَعتقدُ الظَّمْلُوط، وقيادات محلية أخرى، أنَّ عدد أبناء سيناء، من المسلمين والمسيحيين، الذين قتلوا يبلغ المئات... «القذائف الطائشة كان لها دور كبير في القضاء على أسر بأكملها».
مع هذا، لا توجد إحصاءات رسمية عن عدد الضحايا المدنيين. ويقول سعيد، صاحب محل أدوات كهربائية في العريش: «من أين يأتي هؤلاء المتطرفون وإلى أين يذهبون؟ لا توجد إجابة واضحة. ثُمَّ كيف يتحركون بهذه الطريقة. لقد قاموا باختطاف لودر (غرّاف) من صاحبه في منطقة المَسَاعِيد... لم يعرف أحد أين ذهبوا به. مثل هذه الوقائع مخيفة. إذا كانت لديك القدرة على سرقة لودر بهذا الحجم والاختفاء به، فهذا يعني أنك قادر على القيام بأشياء أخرى مثل الاستيلاء على السيارات الخاصة وتهريب الأسلحة والمتفجرات وقتل الناس».
ويضيف قيادِي محلي في مدينة العريش: «بعض هؤلاء المتطرفين موجود داخل أماكن محيطة بوسط المدينة. هم جيل غير معلوم... بمعنى أنه ليس لدى معظمهم ملفات أَمْنِية سابقة. أعمار غالبيتهم تتراوح بين 18 سنة إلى 30 سنة. ويُعتقد أنَّ من بينهم أبناء لعائلاتٍ مِنَ العَريش ويصعب تمييزهم كعناصر منضوية في تنظيمات إرهابية... حتى أسرهم لا تعلم أنهم يعملون ضدَّ السلطات. فهم يرتدون الجينز وحليقو الذقن. وليس لهم تاريخ سياسي أو ديني. أما القيادات المعروفة منهم فلا تظهر كثيراً وتلجأ للاختباء».

تقييم السلطة للوضع
في هذه الأثناء، يبدو أن مصر حريصة على التَّخلص سريعاً من تبعات ما يُعرف بـ«ثورات الربيع العربي» التي ضربتْ المنطقة منذ عام 2011. إذ قال مُدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع المصري، اللواء أركان حرب محمد فرج الشَّحات، في ندوة تثقيفية حول الموضوع عقدت في الشهر الماضي، إنَّه «رغم الظروف التي تمر بها المنطقة، تمكنت مصر من تحقيق نجاحات في مجال مُكافحة الإرهاب»، وشدد على حرص القوات المسلحة على محاربة الإرهاب مع الحفاظ على أرواح الأبرياء من أهالي سيناء.
وبالفعل، تَراجعَ عدد العَناصر «التكفيرية» إلى حدٍّ كبير، ولم يعُد بالإمكان استخدام المساجد في التحريض ضد الدولة، كما كان الحال في السابق. ووفق مسؤول محلي: «حالياً يلجأ فلول المتطرفين إلى إلقاء الدروس في المنازل لاستقطاب الشبان الجدد... إنهم يعقدون جلسات خاصة وسرية. ويستقطبون نوعاً معيناً من الشباب من مراحل عمرية صغيرة، بحيث يسهل تشكيلهم»، مشيراً إلى أن الدعم يصل للإرهابيين أيضاً من مناطق هشة كليبيا وسوريا، عبر الحدود البرية والموانئ البحرية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.