مشروع مستوطنة في رام الله يثير إدانات ومطالبات بالتحرك

إسرائيل أعلنت المشروع الأول من نوعه خلال ربع قرن في «يوم الأرض» الفلسطيني ... والبيت الأبيض يرفض انتقاده

مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)
مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)
TT

مشروع مستوطنة في رام الله يثير إدانات ومطالبات بالتحرك

مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)
مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)

أثار قرار الحكومة الإسرائيلية بإقامة مستوطنة جديدة في الضفة الغربية هي الأولى خلال ربع قرن تقريباً، موجةَ سخط واستنكار فلسطينية ودولية. واعتبرته وزارة الخارجية الفلسطينية اختباراً لوعود الإدارة الأميركية للدول العربية بتحريك المسار السياسي.
وكان المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن والسياسة في الحكومة الإسرائيلية التأم لبضع ساعات الليلة قبل الماضية مساء إحياء الفلسطينيين ذكرى «يوم الأرض»، وقرر بناء مستوطنة جديدة بدل بؤرة «عمونا» التي أخليت قبل شهرين، وطرح مناقصات لبناء 6 آلاف بيت استيطاني كان أعلن عنها قبل شهر لتوسيع المستوطنات القائمة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما قرر تجميد البناء في المستعمرات الواقعة خارج الكتل الاستيطانية.
وقال مكتب نتنياهو في بيان إن «هذه المستوطنة الجديدة ستبنى بالقرب من مستوطنة شيلو القريبة من موقع عمونا». ومستوطنة شيلو مبنية على أراضي قرى قريوت والمغير وجالود وترمسعيا وسنجل الفلسطينية الواقعة على الطريق بين مدينتي نابلس ورام الله. وستكون المستوطنة الجديدة الأولى التي تبنى بقرار حكومي منذ عام 1992، إذ إن إسرائيل عمدت في السنوات الماضية إلى توسيع المستوطنات القائمة.
وقالت الخارجية الفلسطينية في بيان، أمس، إن قرار الحكومة الإسرائيلية ببناء مستوطنة جديدة في منطقة رام الله تحت ذريعة وفائها لمستوطني بؤرة «عمونا» التي أزيلت بقرار قضائي أخيراً «يشكل إمعاناً في تقويض ما تبقى من حل الدولتين على الأرض، وتراكماً لعقبات كبيرة في وجه الجهد الدولي والأميركي المبذول لإحياء عملية السلام والمفاوضات».
ورأت أن القرار «اختبار حقيقي لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومصداقيتها ومدى جديتها في التعامل مع الملف الإسرائيلي - الفلسطيني، وقدرتها على إلزام إسرائيل بوقف بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية، بما يساعد في خلق مناخات إيجابية لإطلاق مفاوضات جادة بين الجانبين».
وأضافت: «قبل أن يجف الحبر على ورق قرارات القمة العربية الأخيرة، يأتي (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو ليقول للعالم، وتحديداً للقادة العرب الذين لم يصل معظمهم بعد إلى بلاده عائداً من قمة البحر الميت، إنه لا يأبه بقراراتهم. وللدلالة على ذلك، فهو يعلن تحديه للقمة من قادة وقرارات عبر الإعلانات الاستيطانية التي تمس جوهر الموقف العربي، والرسائل التي سيحملها قادتها في لقاءاتهم المقبلة في واشنطن».
وأوضحت الوزارة أن «سلطات الاحتلال لم تعد تكتفي بمصادرة الأراضي المصنفة أراضي دولة، بل تقوم بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية الخاصة وتحويلها لأراضي دولة بهدف بناء مستوطنات جديدة أو توسيع مستوطنات قائمة، إذ إن أكثر من 48 في المائة من الأراضي المقامة عليها المستوطنات هي ملكيات خاصة للفلسطينيين».
وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، إن «الفلسطينيين لن يقبلوا أي معادلات تشرّع الوحدات الاستيطانية غير القانونية في فلسطين المحتلة»، مشدداً على أن «عدم شرعية الاستيطان بأشكاله كافة غير خاضع للنقاش أو المساومة»، محملاً نتنياهو وحكومته «المسؤولية الكاملة عن تبعات قراراته غير المسؤولة بتوسيع الاستيطان الاستعماري».
ورأت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي أن القرار «يشير إلى أنه وبعد 41 عاماً، ما زالت سياسات إسرائيل القائمة على السرقة من دون تغيير، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته الائتلافية العنصرية المتطرفة يواصلان نهجهما المتمثل بمواصلة الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والتطهير العرقي، في تحدٍ صارخ ومتعمد لحقوق الإنسان الفلسطيني واستقلاله وكرامته».
واعتبرت أن القرار يؤكد أن «إسرائيل أكثر التزاماً باسترضاء المستوطنين غير الشرعيين بدل الالتزام بمتطلبات الاستقرار والسلام العادل والشامل». وحذرت من أن «جهود إسرائيل الحثيثة لتوسيع مشروعها الاستيطاني الاستعماري بهدف محو فلسطين وفرض مشروع إسرائيل الكبرى، هي بمثابة رسالة صريحة إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم، بأن عليها التدخل فوراً للجم إسرائيل واتخاذ تدابير ملموسة لإخضاعها للمساءلة والمحاسبة بتدابير عقابية فاعلة وجدية». ودعت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى «ضمان امتثال إسرائيل لقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك قرار مجلس الأمن 2334 الذي يدين الاستيطان».
ولم يعلق البيت الأبيض على القرار علناً، لكن مسؤولاً في الرئاسة الأميركية رفض انتقاد القرار مباشرة، وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن مشروع الاستيطان في «عمونا» يعود إلى عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وأضاف: «يجب أن نلاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قطع التزاماً لمستوطني عمونا قبل أن يعلن الرئيس ترمب توقعاته»، مشيراً إلى أن نتنياهو «لفت مراراً إلى عزمه على المضي قدماً في هذه الخطة».
ورأى أنه «إذا كان وجود المستوطنات ليس عائقاً أمام السلام بحد ذاته، فإن توسيعها العشوائي لا يساعد على دفع السلام قدماً»، وأضاف أن «الرئيس عبر علناً، وفي مجالسه الخاصة، عن قلقه بشأن المستوطنات». وأوضح أن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أجروا خلال الأسابيع الماضية محادثات تركزت على سبل «تحسين الأجواء العامة لدفع فرص سلام حقيقي ودائم قدماً» بين إسرائيل والفلسطينيين، وتطرقوا إلى مسألة المستوطنات، وجرت حيالها محادثات «جدية وبناءة». وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية «أعلنت بشكل واضح رغبتها في اعتماد سياسة في المستقبل تأخذ في الاعتبار اهتمامات الرئيس» ترمب.
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، أمس، القرار الإسرائيلي، معرباً عن خيبة أمله وانزعاجه. وقال غوتيريس في بيان إنه «لا توجد خطة بديلة للإسرائيليين والفلسطينيين للعيش معاً في سلام وأمن»، مندداً بـ«جميع الأعمال الانفرادية التي تهدد السلم وتقوض حل الدولتين كهذا القرار». وشدد على أن «أنشطة الاستيطان غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتشكل عقبة أمام السلام».
ونددت باريس بما اعتبرته «تطوراً مقلقاً للغاية يهدد بتصعيد التوتر على الأرض»، فيما أدانت برلين القرار، وأشارت إلى أنه «مخالف للقانون الدولي وعقبة أمام عملية السلام». وطالب متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية إسرائيل بالعودة إلى خيار الدولتين.
وفي إسرائيل، رحب المستوطنون بالقرار، وأصدر مجلس المستوطنات في الضفة الغربية بياناً، أمس، قال فيه إنه سيعمل بالتعاون مع الحكومة لمواصلة البناء. وأضاف أن «التفاهمات التي تم التوصل إليها بين حكومة إسرائيل والإدارة الأميركية تسمح بمواصلة البناء الاستيطاني في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وأضاف أن «الامتحان الحقيقي يتمثل بالأفعال على أرض الواقع، لذلك سنعمل مع الحكومة على تنفيذ المخططات والخطط الاستيطانية».
ورأى الحاخام المتطرف من حزب المستوطنين «البيت اليهودي» إيلي بن دهان الذي يشغل منصب نائب وزير الدفاع، أنه «يجب على إسرائيل أن تفرض سيادتها على الضفة الغربية برمتها». وأضاف أن «مسألة إلغاء تجميد البناء في المستوطنات أمر تافه وصغير، ويجب علينا أن نشرع فوراً في فرض سيادتنا على يهودا والسامرة، وحين تقوم دولة إسرائيل بذلك فإن العالم سيقبل به».
وأعرب عن قناعته بأن السفارة الأميركية ستنقل من تل أبيب إلى القدس، وفي لحظة انتقالها ستحذو سفارات أخرى حذوها.
وفي المقابل، قالت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان إن «موقع المستوطنة الجديدة استراتيجي يقع في عمق الضفة الغربية بهدف تفتيتها». وأضافت، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن «نتنياهو محتَجَز من قبل المستوطنين ويغلِّب بقاءه السياسي على مصلحة دولة إسرائيل». وأوضحت أن «بناء المستوطنة الجديدة يعني أن الحكومة الإسرائيلية تدفع الفلسطينيين والإسرائيليين باتجاه الفصل العنصري».
من جهته، قال كبير مراسلي صحيفة «يديعوت أحرونوت» رونين بيرغمان إن «نتنياهو الذي يواجه ادعاءات بالفساد انجرَّ إلى اليمين أكثر للحفاظ على ائتلاف حكومته». وأضاف أن «حزب البيت اليهودي الداعم للاستيطان، وهو جزء من الائتلاف الحكومي لنتنياهو، يملي عليه جدول أعمال الحكومة... نتنياهو لا يقرر جدول الأعمال، إنما يتتبعه».
ومنذ تنصيب ترمب، أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لبناء أكثر من ستة آلاف وحدة استيطانية في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين. ويعيش نحو 400 ألف شخص في مستوطنات الضفة التي تقطع أوصال الأراضي الفلسطينية، وسط 2.6 مليون فلسطيني.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.