ملفات شائكة تنتظر تيلرسون في أنقرة اليوم

واشنطن تعتقل مسؤولاً تركياً لصلته بانتهاك العقوبات على إيران

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بين مناصريه في أنقرة أول من أمس في إطار مساعيه لكسب مزيد من التأييد في تحويل النظام إلى رئاسي (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بين مناصريه في أنقرة أول من أمس في إطار مساعيه لكسب مزيد من التأييد في تحويل النظام إلى رئاسي (أ.ف.ب)
TT

ملفات شائكة تنتظر تيلرسون في أنقرة اليوم

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بين مناصريه في أنقرة أول من أمس في إطار مساعيه لكسب مزيد من التأييد في تحويل النظام إلى رئاسي (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بين مناصريه في أنقرة أول من أمس في إطار مساعيه لكسب مزيد من التأييد في تحويل النظام إلى رئاسي (أ.ف.ب)

تجمعت ملفات من شأنها زيادة التوتر بين أنقرة وواشنطن عشية الزيارة التي يبدأها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون اليوم الخميس إلى تركيا، التي من المتوقع بحسب مصادر متطابقة من الجانبين أن تبحث عملية تحرير الرقة معقل «داعش» في سوريا والخلاف حول دور القوات الكردية فيها، وموقف مدينة منبج، والطلب التركي بتسليم فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
ويعد تيلرسون المسؤول الأميركي الأرفع الذي يزور تركيا، منذ تسلم دونالد ترمب، رئاسة الولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني) الماضي، وتعد تركيا هي الوجهة السادسة للوزير الأميركي منذ تسلمه منصبه وزار قبلها المكسيك، ألمانيا، الصين، كوريا الجنوبية واليابان.
وأكد مسؤولون أميركيون أهمية الزيارة على صعيد العلاقات بين البلدين، لافتين إلى أنها ستناقش أيضا مرحلة ما بعد طرد «داعش» من المنطقة وضمان استقرارها، بما يسمح للسكان العودة إلى منازلهم.
ومن المتوقع أن يستكمل تيلرسون خلال مباحثاته مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو ولقائه مع الرئيس رجب طيب إردوغان ما بحثه رئيس الأركان الأميركي جوزيف دانفورد، في لقاءاته خلال الأسابيع الماضية مع المسؤولين العسكريين الأتراك.
ويرى مراقبون أن زيارة تيلرسون قد تمثل نقطة تحول فيما يتعلق بالتعاون بين البلدين في مواجهة تنظيم داعش. وتولي تركيا أهمية كبيرة لزيارة تيلرسون، خصوصا أنها لا ترغب في استمرار التوتر مع واشنطن والذي بدأ في عهد أوباما بخصوص حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا.
وتنتقد أنقرة بشكل متكرر الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها، في حين تنفي واشنطن ارتباط هذه القوات مباشرة بـ«العمال الكردستاني» المدرج على قوائم الإرهاب في تركيا والاتحاد الأوروبي وأميركا.
وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن هدف بلاده في سوريا هو هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، مشيرا في مقابلة مع موقع «بريتبارت» الإخباري الأميركي إلى أنه «منذ البداية كان سبب دخول تركيا إلى سوريا، هو هزيمة (داعش)، وتحرير منبج منه ومن عناصر أخرى في إشارة إلى القوات الكردية».
وفي مقابلة أخرى مع التلفزيون الرسمي التركي أمس، قال جاويش أوغلو، إن روسيا وأميركا تتنافسان في سوريا، ولكن لا يمكن قبول التعاون الوثيق بين الدولتين والتنظيمات الإرهابية.
ولفت إلى أن هناك أصواتا مختلفة تخرج حول موضوع مدينة «الرقة» السورية، لافتا إلى أن مسؤولين من عهد أوباما ما زالوا في الإدارة الجديدة يدلون بتصريحات، في حين أن المسؤولين الجدد في الإدارة الجديدة يدلون بتصريحات مختلفة. جاء ذلك في الوقت الذي أشارت فيه تقارير إعلامية إلى أن دفعة جديدة من المعدات العسكرية الأميركية وصلت أمس إلى تلك القوات الكردية المدعومة من واشنطن في شمال سوريا، عبر معبر سيمالكا الحدودي مع كردستان العراق، تضمنت ناقلات للجند وعربات مصفحة أميركية ترافقها قوات أميركية، مشيرة إلى أن هذه التعزيزات تأتي في إطار ما وصفته بالاستعداد لمعركة الرقة المرتقبة ضد تنظيم داعش.
وليست هذه هي المرة الأولى التي تتلقى فيها هذه القوات أسلحة أميركية، فقد سبق أن أعلن المتحدث باسمها طلال سلو في نهاية يناير الماضي تلقيها للمرة الأولى نحو 10 عربات مصفحة أميركية، وقال إن ذلك مؤشر على دعم أميركي أكبر لهذه القوات التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية.
وفي ملف آخر يشكل أحد مجالات التوتر في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس إنه سيبحث مع نظيره الأميركي ترحيل فتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا والذي يُلقى باللوم عليه في محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو الماضي، لافتا إلى أن أنصار غولن لم يكتفوا باختراق المؤسسات في تركيا، بل نجحوا في اختراق كثير من المؤسسات في أميركا.
وفي هذا الصدد قال مسؤول بالخارجية الأميركية إنه من الممكن أن يتطرق الأتراك إلى تلك المسألة، والوزير تيلرسون مستعد للرد. وكان مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) مايك بومبيو، بحث خلال زيارته لتركيا في 9 فبراير (شباط) الماضي، والتي كانت زيارته الخارجية الأولى منذ تسلمه منصبه، مسألة تسليم غولن. كما سلم جاويش أوغلو، خلال زيارته للولايات المتحدة الأسبوع الماضي، إلى وزير العدل الأميركي جيف سيشنز، ملفا يحوي وثائق جديدة حول دور «غولن» في المحاولة الانقلابية.
وقبيل زيارة تريلسون لتركيا طرأ ملف جديد قد يحدث نوعا من التوتر، حيث ألقت السلطات الأميركية القبض على نائب مدير بنك خلق التركي محمد هاكان أتيلا، لاتهامه بالمشاركة في مخطط استمر سنوات لخرق العقوبات الأميركية ضد إيران في تصعيد لقضية زادت من التوترات بين الولايات المتحدة وتركيا من قبل عندما تم القبض على رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضراب في مارس (آذار) من العام الماضي للاتهامات نفسها.
وقال جاويش أوغلو أمس إنه سيتم بحث القبض على أتيلا مع وزير الخارجية الأميركي.
ويواجه أتيلا اتهامات بالتآمر مع تاجر الذهب التركي الإيراني رضا ضراب، لتوجيه مئات الملايين من الدولارات من التحويلات غير القانونية عبر بنك خلق وبنوك أخرى كما أظهرت التحقيقات الأميركية.
وضراب كان المتهم الرئيسي في قضية الفساد الكبرى في تركيا التي جرت تحقيقاتها في الفترة من 17 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 وطالت وزراء ومسؤولين في حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان الذي كان رئيسا للوزراء في ذلك الوقت إلى جانب رجال أعمال ومسؤولين في البنوك واعتبرها إردوغان محاولة من جانب حركة الخدمة التي يتزعمها غولن للإطاحة بحكومته وشن وقتها حملة تطهير في صفوف الأمن والقضاء وأغلقت القضية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...