ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟

8 سنوات متصلة من الحكم... رغم الانتقادات والشكوك

ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟
TT

ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟

ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟

أمر عجيب يحصل للإسرائيليين. في كل استطلاعات الرأي التي أجريت من عدة معاهد أبحث أكاديمية، طيلة حكم بنيامين نتنياهو (منذ سنة 2009)، يقول غالبية الجمهور إنه ليس راضيا عنه. ولكن عندما يسألون أي رئيس حكومة يفضلون، نجده يحظى بأعلى الأصوات. ثم عندما يسألون لأي حزب سيصوّتون فيما لو أجريت الانتخابات اليوم، تظهر النتائج أن تكتل أحزاب اليمين الحاكم اليوم سيعزّز قوته. وفي أحد الاستطلاعات نشر «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» استطلاعاً بمناسبة مرور سنتين على الانتخابات الأخيرة وصدر في مطلع الشهر - 7 مارس (آذار) 2017 - وفيه قال 53 في المائة من المستطلعة آراؤهم إن نتنياهو لا يمارس مهمات رئيس الحكومة بشكل جيد (33 في المائة قالوا إنه يمارسه بشكل جيد)، وهي أعلى نسبة سقوط حتى بين وزرائه الآخرين. فوزير الدفاع في حكومته يحظى بتقدير من 44 في المائة ووزير المالية موشيه كحلون 46 في المائة ووزير الصحة 47 في المائة.
غالبية الجمهور الإسرائيلي غاضبة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وهي لا تصدق رواياته في التحقيقات الجارية ضده في شبهات الرشوة والفساد. بل حسب استطلاع أجراه معهد أبحاث جامعة تل أبيب في شهر فبراير (شباط) الماضي، قال 52 في المائة من الجمهور إنه سيكون على نتنياهو أن يستقيل من الحكومة إذا وجهت له لائحة اتهام، مع أن القانون لا يلزم باستقالة أو إقالة رئيس الحكومة قبل أن يدان في المحكمة. والمعروف أن نتنياهو يمارس خلال سنوات حكمه التسع - بلا انقطاع - المساس بالإعلام والجهاز القضائي وصلاحيات المحكمة العليا ويسن قوانين تنطوي على تراجع واضح في المفاهيم والقيم الديمقراطية. ومع ذلك، بين استطلاع آخر هو الذي أجرته «القناة العاشرة» للتلفزيون، هذه المرة، وبثته ليلة الخميس 16 مارس (آذار) أن نتنياهو سيكون صاحب أفضل الاحتمالات لتشكيل حكومة جديدة فيما لو جرت الانتخابات اليوم.
ما الذي يجعل الإسرائيليين متناقضين إلى هذا الحد؟ وما هو سرّ قوة نتنياهو؟
كيف يصمد هذا الرجل وهو الذي ينظر إليه كأكثر رؤساء الحكومات الإسرائيلية تردداً وجبناً، وأنه جبان لا يحسم في الأمور، كما أنه أكثر رؤساء الحكومات مجافاة للحقيقة وعنده من الصلف ما يجعله يزيف التاريخ، وأنه أيضاً أكثر رؤساء الحكومات رضوخاً للضغوط، وبالأخص من طرف معسكره اليميني؟

فنان في إدارة حرب البقاء
الجواب الأكبر على هذه التساؤلات هو أن نتنياهو يضع لنفسه هدف أن يبقى رئيس حكومة لأطول فترة ممكنة، فالرجل مغرم بالمنصب، ومستعد لعمل أي شيء يضمن له التمسك بالكرسي. بل كل ما يفعله يندرج تحت هذا البند: البقاء في الكرسي.
لا يهمه أن يقول الشيء ونقيضه، لا يرمش له جفن وهو يقول أمورا لا تمت للحقائق بصلة. لا يتردد في تغيير رأيه ومواقفه وقراراته في سبيل إرضاء أولئك الذين يعتبرون جمهور مصوتيه المحتملين.
في الانتخابات الأخيرة، أشارت كل استطلاعات الرأي إلى أنه سيخسر المعركة، إذ منحته الاستطلاعات 24 مقعدا فقط، في حين حصل منافسوه في المعسكر الصهيوني بقيادة يتسحاق هيرتسوغ وتسيبي ليفني 26 مقعدا. ولكن في الأيام الأخيرة وتحديداً، بل قبل ست ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، خرج بحملة يحذّر فيها اليهود من تدفّق الناخبين العرب إلى الصناديق «بواسطة حافلات بتمويل عربي وأجنبي». وهكذا أحدث انقلابا في الرأي العام، وزاد رصيده بستة مقاعد حاصلاً على 30 مقعدا بضربة واحدة.
حصل نتنياهو على هذه الزيادة بالأساس من منافسيه في اليمين. فحزب المستوطنين (البيت اليهودي)، الذي كان ممثلا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) بـ12 مقعدا، هبط رصيده إلى 8 مقاعد، وحزب «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان، الذي كان ممثلا بعشرة مقاعد هبط رصيده إلى 6 مقاعد، وهكذا استطاع زعيم الليكود تشكيل الحكومة الجديدة. وبالطريقة نفسها ينجح في الحفاظ على هذه النسبة من التأييد، إذ أنه يواصل دغدغة غرائز اليمين العنصري بالتحريض على المواطنين العرب (فلسطينيي 48)، وبسن قوانين خاصة لقمعهم وتقليم نفوذهم وبممارسة عمليات هدم لبيوتهم ومهاجمة قياداتهم.
أيضاً، النظام الانتخابي النسبة لملء مقاعد البرلمان يساعد نتنياهو على ذلك. فهو يفوز فقط بربع مقاعد الكنيست (30 من 120)، لكن القانون الإسرائيلي ينص على أن مرشح الكتلة الأكبر يعطى حق محاولة تشكيل الحكومة.
في الماضي كان حزب السلطة يحصل في الانتخابات على 40 و50 بل على 65 مقعدا. وبالتالي، نتنياهو هو رئيس الحكومة الذي حصل على أقل عدد من المقاعد في التاريخ الإسرائيلي. لكن ما يحصل عليه يكفيه لتشكيل الحكومة، لأن قوى اليمين من أحزاب أخرى (البيت اليهودي و«يسرائيل بيتينو») وقوى المتدينين المتزمتين (تحديداً «شاس» لليهود الشرقيين و«يهدوت هتوراة» لليهود الاشكناز) تقف إلى جانبه. قادتها وجمهورها لا يحبونه. نفتالي بنيت وأييلت شكيد وأفيغدور ليبرمان كلهم قد عملوا تحت قيادته وتركوه غاضبين ومحبطين. لكنهم يعرفون أنه الوحيد القادر على تشكيل حكومة يمينية بمشاركتهم. فشكلوا معه حلفاً من اللحظة الأولى، رغم أنه نجح بالأحابيل الانتخابية في خطف عشرات الألوف من ناخبيهم.

إسرائيل تجنح إلى اليمين
الحقيقة أن أحزاب اليمين في إسرائيل ازدادت قوة، بل ضاعفت قوتها بنسب عالية. في بدايات إسرائيل سيطر حزب العمل، الذي يمثل الجناح الاشتراكي الليبرالي في الحركة الصهيونية. وظل حزب العمل في الحكم بشكل متواصل حتى عام 1977، وكان يتحالف مع اليسار الصهيوني وكذلك مع الليبراليين وأحزاب الوسط الأخرى. إلا أن سياسة هذا الحزب، وإن كانت يسارية وسطية ليبرالية من الناحية الاقتصادية الاجتماعية، فإنها من الناحية السياسية - العسكرية قادت الحروب ونفّذت عمليات التشريد للفلسطينيين، في زمن نكبة 1948 وحرب 1956 ونكسة 1967، وهي التي ضمت القدس وهضبة الجولان السورية لإسرائيل، وهي التي وضعت أسس الاستيطان اليهودي في المنطق المحتلة، والتي غرست النبتات الأولى للسياسة العنصرية والغطرسة السياسية والعربدة العسكرية.
ولقد كانت هذه الأسس رافعة لقوى اليمين حتى انتصر بقيادة مناحيم بيغن عام 1977، واتضح أن الجمهور فضّل اليمين الأصلي على من يدير سياسة يمين ويحمل اسم اليسار أو الوسط.
في الانتخابات الأولى فاز حزب اليمين (وكان اسمه «حيروت» - الذي هو «الليكود» اليوم - ) بـ16 مقعدا فقط. وفي الانتخابات الثانية فاز بـ20 مقعدا. وفي الثالثة تراجع إلى 15، ثم حصل على 17 مقعدا في ثلاث انتخابات متتالية.
فقط عام 1973، بعد الفشل الإسرائيلي في حرب أكتوبر (تشرين الأول) من تلك السنة، حظي «الليكود» (وكان اسمه يومذاك «جاحل») بـ39 مقعدا وأخذ يهدد حكم «اليسار» (الذي تراجع نصيبه يومها من 56 إلى 51 مقعدا). وأخيراً، تحقق له الانتصار عام 1977، عندما حصل «الليكود» برئاسة بيغن على 43 مقعدا فيما تراجعت حصة العمل بقيادة شمعون بيريس إلى 39 مقعدا وخسر الحكم.
بعدها، فشل «الليكود» في الحكم واضطر في الانتخابات التي أجريت عام 1984 إلى تشكيل حكومة مشتركة مع حزب العمل. ثم خسر الحكم تماماً عام 1992 لصالح حزب العمل بقيادة «الجنرال» إسحق رابين. لكنه عاد إلى الحكم برئاسة نتنياهو عام 1996، ومع أن «الليكود» خسر أمام العمل تحت قيادة جنرال آخر هو إيهود باراك عام 1999، فإنه عاد إلى الحكم برئاسة جنرال ثالث هو أرئيل شارون. غير أن هذا الأخير اضطر إلى ترك الحكم، إذ دخل في غيبوبة لم يفق منها أبدا، فتولى الحكم إيهود أولمرت. ثم عاد نتنياهو واستمر إلى اليوم.
ومن نتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد على أحزاب اليمين، يبدو بوضوح أن إسرائيل تذهب بمثابرة وإصرار نحو اليمين. وحسب آخر انتخابات، حظي «الليكود» بثلاثين مقعدا، والبيت اليهودي بثمانية، و«يسرائيل بيتينو» بستة، وحزبا المتدينين بـ13 مقعدا (7 للشرقيين و6 للاشكناز). كذلك حصل حزب «كولانو» برئاسة وزير المالية، موشيه كحلون، المنشق عن «الليكود» على 10 مقاعد. وهكذا غدا للائتلاف اليميني 67 نائباً من أصل 120 نائبا.
ولكن من ناحية سياسية، يرى البعض أن اليمين في إسرائيل يذهب نحو اليسار. ذلك أحزاب اليمين كانت ترفض أي تسوية مع الفلسطينيين. وكانت تضع شعارا يطالب بـ«أرض إسرائيل» الكاملة من البحر إلى النهر، وأكثر من ذلك - «للأردن ضفتان، هذه لنا وتلك أيضا». لكنهم تنازلوا عن شرقي الأردن، وراحوا يطالبون باعتباره (أي الأردن) الدولة الفلسطينية.
وما زال الكثير من أوساط اليمين يقدمون هذا الطرح إلى اليوم. إلا أن مناحيم بيغن وقّع على اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، وانسحب حتى آخر شبر من الأراضي المصرية المحتلة، وهدم بنفسه المستوطنات التي أقيمت في سيناء. ولقد تحوّل الأمر إلى سابقة، إذ أن سوريا طالبت إسرائيل بانسحاب مماثل (كامل وشامل) من هضبة الجولان. وحصل الأردن على اتفاق مماثل عام 1994.
وعندما وصل نتنياهو إلى الحكم لأول مرة عام 1996، أعلن موافقته على اتفاقيات أوسلو، ووقع على اتفاقيتين في إطار تطبيقها، فانسحب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية. وعندما تولى شارون الحكم أعلن موافقته على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. وبسبب المعارضة داخل حزبه أحدث انشقاقا في «الليكود» وأسس حزبا جديدا مع شمعون بيريس (المنشق عن حزب العمل) وانسحب من قطاع غزة، وهدم بنفسه المستوطنات هناك، كما هدم 4 مستوطنات في شمالي الضفة الغربية.
وعندما وصل إلى الحكم يميني آخر تربّى في «الليكود»، هو إيهود أولمرت، عرض على الرئيس الفلسطيني حدودا للدولة الفلسطينية مساحتها تساوي 22 في المائة من مساحة الضفة الغربية مع ممرٍّ آمن لقطاع غزة وموافقة على تحويل القدس الشرقية إلى عاصمة فلسطين.
وحتى نتنياهو أعلن قبوله حل الدولتين عام 2009، وهذا أولا لاسترضاء دول العالم، لكنه أيضا لاسترضاء شريحة واسعة من المواطنين في إسرائيل. إذ حسب آخر استطلاع أجراه معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب ونشر في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، قال 59 في المائة من الإسرائيليين إنهم يؤيدون هذا الحل. واللافت أن 41 في المائة من أنصار الليكود في إسرائيل يؤيدون هم أيضا هذا الحل.

حرب الجنرالات
هنا يُطرح السؤال: لماذا إذن لا يتجاوب نتنياهو مع رغبة الغالبية وينفذ وعده في تطبيق حل الدولتين؟
هنا نعود إلى المربع الأول: نتنياهو يضع في المقام الأول الحفاظ على كرسيه. وهو يعرف أن هذا الكرسي يستند إلى اليمين المتطرف. فقد حصل على نسبة 60 في المائة من أصوات اليمين التقليدي، وعلى 37 ألف صوت (ما يعادل 18 في المائة) من أصوات المستوطنين. وهو يراهن عمليا على عدد من الأصوات يكفيه لثلاثين مقعدا.
ثم إنه يجري حساباته على الحقيقة بأنه لا يوجد مَن يهدّد مكانته من المعارضة. ذلك أن كل استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهور لا يرى بديلا عنه بين المرشحين المنافسين في المعارضة. ففي استطلاع القناة الأول للتلفزيون الإسرائيلي أجري في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قال 27 في المائة إنهم يفضلون نتنياهو وقال 16 في المائة أنهم يفضلون يائير لبيد، زعيم حزب الوسط «يوجد مستقبل» و7 في المائة فضلوا نفتالي بينيت وعدد مماثل فضلوا وزير الدفاع السابق موشيه يعلون، الذي ترك «الليكود» و5 في المائة فضلوا أفيغدور ليبرمان، و5 في المائة فضلوا يتسحاق هيرتسوغ. بينما قال 31 في المائة إنهم لا يرون أيا من هؤلاء المرشحين صالحا لمنصب رئيس حكومة.
وهناك محاولات كثيرة من شخصيات قيادية أخرى لخوض المعركة، بالأساس من صفوف الجنرالات الذين تسرحوا من الجيش، أمثال رؤساء أركان الجيش السابقين غابي اشكنازي ودان حالوتس وبيني غانتس، وحتى إيهود باراك، لملء الفراغ. لكن نتنياهو وقوى اليمين الأخرى تتابع نشاط هؤلاء وتحاربهم وتنشر القصص لتشويه سمعتهم. واستطلاعات الرأي تشير إلى أن هذا التشويه يترك أثره على الجمهور، وبالتالي لا يحظى أي منهم لما يكفي من الشعبية.
أيضاً، ثمة قوى تسعى لتوحيد صفوف هذه الشخصيات في إطار واحد أو تعزيز صفوف الأحزاب القائمة بضم تلك الشخصيات، لكن معارضي نتنياهو مبتلون بالنرجسية التي تمنع توحيد قواهم ضده. كل واحد منهم يرى نفسه قائدا أول، وليس مستعدا لاحتلال المرتبة الثانية أو الثالثة. ونتنياهو يستمتع بهذه الخلافات لأنها تؤدي إلى إبقائه المرشح الأقوى، رغم إخفاقاته الكثيرة.

المعركة الأخيرة
اليوم، يشعر نتنياهو بأن ما يقدر على كسر ظهره يأتي من جهتين: الشرطة والإعلام. فالصحافة الإسرائيلية تحاربه بشراسة، كما كانت تحارب كل رؤساء الحكومات وأكثر قليلا. وهي التي كشفت فضائح الفساد، التي دفعت الشرطة إلى التحقيق فيها.
من جانبه، حاول نتنياهو مجابهة هاتين القوتين بأسلوب لا يقل شراسة. فمن جهة جلب مفتشا عاما للشرطة ممن يثق بهم، هو روني الشيخ، وقد جاء به من جهاز المخابرات وفرضه على الشرطة. وعيّن سكرتير حكومته أبيحاي مندلبليت مستشارا قضائيا للحكومة وشاي نتسان مدعيا عاما. وهو يسعى إلى إدخال رجال اليمين قضاة في المحكمة العليا، وفي الوقت نفسه تولى بنفسه وزارة الإعلام ويسعى لإلغاء سلطة البث وإعادة بنائها من جديد وإحداث تغييرات في القنوات والإذاعات التجارية لزيادة تأثير ونفوذ الحكومة عليها.
وتدور حول الموضوع حرب وطيس. وفي بعض الحالات يحقق أرباحا، فيرهب صحافيين ويماطل في التحقيقات في الشرطة. إلا أن التحقيق المهني في الشرطة جار على قدم وساق وهناك قناعة لدى ضباط التحقيق بأن هناك أساسا متينا لتقديم لائحة اتهام ضده. كما أن الصحافة بشكل عام لم تستسلم. وتواصل انتقاد نتنياهو على سياسته في كل المجالات، بدءا بانعدام الأمن في زمنه إلى العزلة الدولية وعرقلة مسيرة المفاوضات وحتى الوضع الاقتصادي والفساد.
بيد أن القوة السياسية الأساس التي عليها واجب إدارة هذه الحرب، تبدو ساكنة تغط في نوم عميق. فمع أن هناك 53 نائبا في المعارضة، فإن صوتهم لا يسمع.
نتنياهو يعمل تقريبا بلا معارضة. وإسرائيل لا تشهد منذ إقامتها معارضة كسولة هزيلة عاجزة كما هي المعارضة اليوم.
رئيس المعارضة، هيرتسوغ، أمضى أكثر من سنة في مفاوضات مع نتنياهو كي يدخل حكومته تحت لافتة «تشكيل حكومة وحدة وطنية قوية قادرة على صنع السلام». وتدخلت الولايات المتحدة ومصر والأردن لترتيب دخول هيرتسوغ إلى الحكومة. لكن نتنياهو تراجع.
إنه يعرف أن مصلحة إسرائيل تقتضي التوجه إلى عملية سلام تجعله قائداً تاريخياً لإسرائيل، يقف في مصاف «مؤسس الدولة» ديفيد بن غوريون و«صانع السلام» مع مصر مناحيم بيغن و«صانع اتفاقات أوسلو والسلام مع الأردن» إسحق رابين. إلا أنه حتى الآن، لا يجد في نفسه الشجاعة في مواجهة رفاقه في «الليكود» ومعسكر اليمين، ولا في دفع ثمن السلام. وهو يشعر أن استمرار الوضع الحالي لا يضره، بل يبقيه رئيس حكومة، لا بل صاحب أطول فترة رئاسة بين جميع رؤساء حكومات إسرائيل.
وراهناً، تبني المعارضة حساباتها على أن يضطر نتنياهو للتزحزح عن موقفه هذا بدعم من الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب. فاليمين الإسرائيلي احتفل بانتخاب ترمب. وهو يأمل أن يتوقف الضغط الأميركي في موضوع الاستيطان وفي موضوع المفاوضات. بينما المعارضة الإسرائيلية تأمل أن يبادر ترمب لدفع عملية سلام تجبر نتنياهو على التحرك والتجاوب. أما المقربون من نتنياهو فيرون أن هذا هو الوقت المناسب لأن يعمل نتنياهو على تفجير أزمة ائتلافية وتقديم موعد الانتخابات كي يكسب مزيدا من الوقت في كرسي الرئاسة من دون أن يدفع أي ثمن.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».