الأحد - 4 شعبان 1438 هـ - 30 أبريل 2017 مـ - رقم العدد14033
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/04/30
loading..

محمد حسن علوان... غربة المكان والحب الحاضر الغائب

محمد حسن علوان... غربة المكان والحب الحاضر الغائب

روايته «موت صغير» ضمن الروايات الست المرشحة للفوز بجائزة البوكر العربية
الثلاثاء - 23 جمادى الآخرة 1438 هـ - 21 مارس 2017 مـ رقم العدد [13993]
محمد حسن علوان - غلاف «موت صغير» - غلاف «القندس»
نسخة للطباعة Send by email
الرياض: نداء أبو علي
هناك ملامح مشتركة في كل الأعمال التي ينتجها روائي ما. وهذا ما يتضح في روايات الروائي السعودي محمد حسن علوان بدءاً بروايته الأولى «سقف الكفاية» التي نشرت عام 2002، حتى الوصول إلى عمله الأخير «موت صغير» لعام 2016، وهي من ضمن الروايات الست التي ترشحت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لهذا العام. وعلى الرغم من النقلة النوعية التي حققها علوان في أعماله الروائية الأخيرة، فإن هناك مشتركات بينها جميعاً، من ناحية بناء الشخصيات، وطبيعة تعاملها مع محيطها بشكل أو بآخر.
للوهلة الأولى، يكاد القارئ يقتنع بأن علوان قد خرج من العباءة العاطفية التي التصقت به منذ روايته الأولى، وهو شاب عشريني في ذلك الوقت، و«عاشق المرة الأولى»، كما يصف الشخصية المحورية لروايته، التي تبدو أشبه بهذيان عاطفي بلغة ساحرة أغوت عدداً كبيراً من القراء بإخفاقاته العاطفية المتكررة ووقوفه على الأطلال. «قرأ الحب ماذا ينقصني، جسّ الروح والجسد والإنسان، وأحصى الفراغات التي شح الدهر عن ملئها في داخلي». لكن رواية «موت صغير» تأتي بفكرة مغايرة تغوص في دهاليز حياة الشيخ محيي الدين ابن العربي في محاولة لأنسنته والتعرف عليه عن كثب، بما يتصف به كسيد الحب وأستاذ الخيال في التصوف الإسلامي، بتصور يمازج ما بين الخيال وما بين سيرته وأعماله، ليصف بأسلوب رفيع تفاصيل حياته منذ دخوله برزخاً ورأى فيه أمه تلده حتى آخر لحظاته وهو يرى ابنه وهو يدفنه.
نشر محمد 5 أعمال روائية عبر 14 عاماً عكست تدرجاً يبتعد عن العاطفة نحو نضج كتابي وابتعاد عن الاعتماد على الإبهار عبر اللغة والبوح. في مقدمة روايته الثالثة «طوق الطهارة» يقول: «لم يبق عندي إلا نصف الشوق، ونصف الليل، ونصف اللغة، بعدما تركتني الأنصاف الأخرى من أجل حياة أكثر جدوى، وطريق أكثر أماناً». يلي هذه الرواية مرحلة جديدة مغايرة تتمثل في «القندس» الحائزة على جائزة الرواية العربية لعام 2015، والتي رشحت كذلك للقائمة القصيرة للبوكر للرواية العربية، واتسمت بتجرد من الأحاسيس ونظرة وجودية متبرمة من حالة المكان وتململ من انعدام الهدف، وتحويل الآخرين إلى قنادس غرائبية صغيرة بممارسات اجتماعية بالية يحاول البطل الهروب منها. «موت صغير» تأتي أشبه بمصالحة مع الحب الذي هجرته رواية «القندس» لتستحيل العاطفة هنا توحداً مع الخالق وحباً إلهياً. يتساءل ابن العربي في الرواية: «صوفي أنا أم عاشق؟ أم كلاهما معاً؟ عالم أم عارف؟ شيخ أم مريد؟ ولي أم شقي؟». المرأة من جهة أخرى تظهر في أعمال علوان قصية أشبه بمن تعتلي برجاً عاجياً، تتعالى على الرجل وتعبث بمشاعره. وعلى الرغم من أن ابن العربي يعطي لوجودها أهمية كبرى: «لا بد من تأنيث المكان حتى تكتمل مكانته» فإنه لا يتوله إلا بنظام التي تتقبل بوحه لها وتعطيه آمالا ثم تتركه معلقا بها من دون تبرير. المرأة في «موت صغير» ليست فقط حباً، فهي الزوجة والأم بل وأحد الأوتاد الأربعة التي يقضي جل حياته في عملية بحث مضنٍ عنها في أقطار مختلفة وبعد عملية تطهير قلبية. المرأة دائما تظهر حاضرة وغائبة في الآن ذاته، تاركة للشخصية المحورية احتمالاً لتطور العشق أو فنائه، مع وصفٍ لائم للمرأة بالمزاجية والعبثية والتمرد الصامت على التقاليد كما في رواية «القندس».
يظهر في روايات محمد علوان انقطاع للتسلسل الزمني لتتجاذب الأحداث ما بين الماضي والحاضر. وفي الرواية الأخيرة «موت صغير» يتقاطع السرد فيها ما بين مخطوطات ورسائل ابن العربي في حقبات متعاقبة مع حياته المتنقلة من بلد لآخر.
من جهة أخرى، تظهر حالة من عدم التصالح مع المكان. يتجلى ذلك حين تسكن المحبوبة مراراً في مدن قصيّة عن المحب كمدينة جدة في مقابل الرياض، لندن مقابل بورتلاند، فيما تذوب صوفيا وتختفي عن وجود محبوبها عبر مرضها وتبتعد نظام لأسباب كثيرة. يصبح مكان الآخر القصي وحده ملاذاً للقلب وحلاً لحالة التصحر العاطفي في المكان الذي تقطنه الشخصيات المحورية. ويأتي هذا كجزء من النقمة المستمرة على المكان. فالرياض تظهر مراراً بأجواء محاطة بالأغبرة والعواصف الترابية، وهي منهكة لم يعد لديها ما تمنحه للشخصيات. سلطة المكان وقسوته تظهر حتى بعد انتقال شخصية القندس إلى بورتلاند، فالغربة تحتل الداخل والخارج.
وحتى ابن العربي تغمره فكرة الخروج من مرسية بالغبطة في بداية حياته. المكان يخنق الشخصيات ويفرض عليها قيوداً اجتماعية تحاول التمرد عليها وعلى السلطة الأبوية وتوقعات الأم بعدم مخالفة الأعراف والتقاليد. كإرغام ابن العربي في بداية حياته على أن يعمل لدى الخليفة ككاتب، وزواجه التقليدي بمريم بنت عبدون، وتمرد غالب على تلك الأعراف في القندس وتركه البلاد. هناك شعور ممعن بالانزعاج من المحيط، وبالنبذ وعدم التفهم يمر به حتى ابن العربي الذي لا يفهم الآخرون توغله في الطقوس الصوفية. ويقابل ذلك شعور مستمر بالملل من كل شيء سواء في رواية صوفيا أو القندس أو موت صغير. «استولى علي الملل وهو شيطان من الشياطين، يقتل الهمة ويرخي العزم». ذلك الملل المستديم في أعمال محمد علوان يحمل لمسة وجودية في وصف الأحداث: «الممكن برزخ بين الوجود والعدم»؛ الأمر الذي يقرب شخصية ابن العربي في روايته الأخيرة من الأجواء الحديثة للقارئ.